سعاده عبد الرحيم:
عند الحديث عن الفكر السياسي في القرن العشرين، يبرز اسمان من سياقين متباينين: الإيطالي أنطونيو غرامشي، فيلسوف الهيمنة والمثقف العضوي، والسوري/اللبناني أنطون سعاده، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي ومفكر القومية الاجتماعية. يجمعهما الاهتمام بالوعي والثقافة كسلاحين في التغيير، لكنهما يفترقان جذرياً في تصور ماهية هذا الوعي وعلاقته بالمادة والتاريخ. تهدف هذه المقارنة إلى تقديم قراءة متوازنة، تعترف بنقاط القوة والضعف لدى كل منهما، بعيداً عن الانحياز أو التبسيط.
أولاً: أنطونيو غرامشي – قوة التحليل وضعف الإجابة عن الدافع الأول
نقاط القوة
لا يمكن إنكار أن غرامشي قدّم أدوات تحليلية دقيقة وعميقة لفهم آليات السلطة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة. مفهوم الهيمنة الثقافية يفسر كيف تقبل الجماهير بهيمنة الطبقة الحاكمة ليس بالقوة وحدها، بل عبر كسب الرضا والموافقة من خلال المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية. هذا المفهوم يتجاوز الماركسية الاقتصادية التقليدية، ويمنح للثقافة والوعي استقلالية نسبية.
مفهوم المثقف العضوي يُعد ابتكاراً مهماً: فالمثقف ليس نخبة منفصلة، بل يعبر عن مصالح طبقة وينشر وعيها وينظمها من داخلها. وهذا يتجنب النخبوية الطليعية التي تعزل الثوار عن الجماهير.
أما مفهوم الممارسة (Praxis) فهو محاولة جادة لتجاوز ثنائية المادة والوعي. يرى غرامشي أن الوعي ليس مجرد انعكاس للوجود المادي، ولا روحاً مستقلة، بل هو متحقق في الممارسة الإنسانية ذاتها. النظرية والتطبيق غير منفصلين: الإنسان يفكر من خلال فعله، ويفعل من خلال تفكيره. هذا يقدم آلية ديناميكية لفهم كيف يتغير الوعي وكيف يغير الواقع.
هذه الأدوات أثبتت جدارتها في تحليل مجتمعات تمتلك مجتمعاً مدنياً قوياً، وأثرت في فكر نقاد كثر من أمريكا اللاتينية إلى الهند إلى فلسطين.
نقاط الضعف
لكن، مهما كانت قوة أدوات غرامشي، فإنه يترك سؤالاً جوهرياً بلا إجابة: من أين يأتي الدافع الأول للممارسة؟
إذا كان الوعي ليس منعكساً عن المادة (وإلا عاد إلى الحتمية الاقتصادية)، وليس روحاً مستقلة (وإلا خرج عن ماديته)، فكيف تبدأ الممارسة؟ وما الذي يحركها؟ غرامشي يصف تفاعلاً دائماً: الممارسة تنتج الوعي والوعي ينتج الممارسة. لكن هذا يشبه القول إن الدجاجة تنتج البيضة والبيضة تنتج الدجاجة، دون تفسير كيف ظهر أول بيض أو أول دجاجة.
هذا العجز عن تفسير الدافع الأول يجعل نظريته قاصرة في تفسير اللحظات التأسيسية للتاريخ: كيف تبدأ الثورة؟ كيف ينشأ وعي جديد من لا شيء؟ كيف تفسر حالة شعب تحت حصار خانق (كغزة اليوم) لا يستسلم رغم أن المادية تقول إن عليه أن ينهار؟ المادية وحدها لا تستطيع تفسير هذا، وغرامشي لم يقدم جواباً.
فضلاً عن ذلك، فإن أدوات غرامشي تفترض وجود مجتمع مدني قوي. في مجتمعات المشرق العربي حيث لا تزال الدولة الأبوية والسلاح هما سيد الموقف، والمجتمع المدني هش أو مفقود، تصبح مفاهيم “حرب المواقع” و”الهيمنة” صعبة التطبيق.
ثانياً: أنطون سعاده – قوة الاعتراف بالروح ودفاعه عن منهجيته
نقاط القوة
قوة سعاده الأولى والأهم هي أنه لم يقع في مأزق غرامشي. منذ البداية، اعترف صراحة بأن المادة والروح قوتان مستقلتان، متلازمتان، متفاعلتان. هذا الاعتراف يسمح له بتفسير ما لا تستطيع المادية تفسيره.
خذ مثال المحراث: المادة (الحجر، الخشب) موجودة، والحاجة المادية (الجوع، الحاجة للزراعة) موجودة لدى كل الحيوانات. لكن ما الذي حوّل الحجر إلى محراث؟ ليس المادة وحدها، وليس الحاجة وحدها، بل الفكرة التي اخترعت شكلاً جديداً للعلاقة مع الطبيعة. الفكرة تسبق الممارسة الأولى وتوجهها. وسعاده يربط ظهور هذا العامل الروحي بـ الإنسان العاقل، فالعقل عنده هو “الشرع الأعلى” وهو منتج العامل الروحي. الأخلاق، الوعي، القيم، الإرادة، التضحية، الإبداع – كلها ليست الروح ذاتها، بل مظاهر الروح. فالإنسان فاقد العقل لا يمكن أن يُقال عنه إن له نفسية سليمة، أو وعي، أو إرادة. فالروح وليدة العقل، وتعدد مظاهرها لا يعني غموض مفهومها.
خذ مثال أوركاجينا السومري (أول مصلح في التاريخ، حوالي 2400 ق.م): قبل أن تكون هناك طبقات متصارعة بالمعنى الماركسي، وقبل أن تكون هناك أحزاب أو أيديولوجيات ناضجة، جاء ملك سومري وأصدر إصلاحات اجتماعية واقتصادية عادلة. من أين أتى الدافع؟ لا ضغط طبقي، لا حاجة مادية ملحة بالمعنى الذي تفرضه الماركسية. أتى من وعي إصلاحي، من إدراك أخلاقي، من روح رافقت المادة. هذا مثال قاطع على استقلالية العامل الروحي.
خذ مثال مانويل أوريجينا في البيرو (1930-1933): حاكم قام بإصلاحات اشتراكية معادية للإمبريالية، رغم أنه لم يكن مدعوماً من طبقة عاملة منظمة. الدافع لم يأت من مادة (ضغط طبقي)، بل من قناعات أيديولوجية، من روح. حتى لو تأثر بأفكار اشتراكية سابقة، فهذه الأفكار نفسها ليست مادة، بل هي نتاج وعي إنساني، أي روح.
وأخيراً، غزة اليوم: قوة مادية ضئيلة، حصار خانق، تفوق عسكري ساحق للعدو. المادة تقول: الانهيار. لكن الصمود والمقاومة يخالفان التوقع. المتغير المفسر هو العامل الروحي: الإرادة، الإيمان، الوعي القومي، الأمل، التضحية. هذا ليس “انعكاساً” للمادة، بل تجاوز لها.
سعاده يفهم هذا. ولذلك فإن نظريته تطبق في كل الحالات، حتى في غياب مجتمع مدني قوي، لأنه لا يختزل التغيير إلى شروط مادية مسبقة. العامل الروحي – الإرادة الجمعية – يمكنه أن يبدأ الممارسة من نقطة الصفر.
كما أن سعاده يقدم مفهوماً دقيقاً لـ “العقل الجمعي” الذي لا يختزله إلى مجرد “مجموعة عقول”، بل يعتبره عقل الأمة نفسه، وقد يعبر عنه فرد في لحظة تاريخية معينة. ومع ذلك، يشترط سعاده ألا يبقى هذا التعبير حبيس مصدره الفردي، بل يجب أن يثبت نفسه بالزمن: أن يستمر بعد موت قائله، وأن ينتشر انتشاراً لا حدود له في المجتمع. هذا المعيار العملي يفرق بين العبقرية الفردية العابرة والحقيقة الجمعية الراسخة.
دفاعاً عن سعاده: في مسألة الغموض والتنبؤ
قبل الانتقال إلى نقاط الضعف، لا بد من الدفاع عن سعاده في نقطتين رفعهما النقاد ضده، لأنهما يوضحان طبيعة منهجيته.
أولاً: مسألة “الغموض” في تعريف العامل الروحي. يقال إن سعاده لم يضع تعريفاً جامعاً مانعاً للعامل الروحي. لكن الفيلسوف ليس ملزماً بأن يعطي تعريفاً جامعا منعا لماهية الروح، بل يصف مظاهرها ويحدد مجال تأثيرها. سعاده يقدم تمييزاً عملياً واضحاً: العامل الروحي هو ما يصدر عن العقل الإنساني (بخلاف الغريزة التي يضعها في العوامل البيولوجية)، ومظاهره هي الأخلاق، الإرادة، القيم، الإيمان، التضحية، الإبداع. هذا التحديد الوصفي كافٍ لأغراض التحليل السياسي والاجتماعي.
ثانياً: مسألة “التنبؤ” بعدم قدرة النظرية على التنبؤ بسلوك مجتمع ضعيف مادياً (هل يستسلم أم يقاوم؟). هذا السؤال، في جوهره، ليس سؤالاً فلسفياً خالصاً. التنبؤ بالسلوك البشري، فردياً كان أم جماعياً، هو مهمة علم النفس وعلم الاجتماع، وليس مهمة الفلسفة. الفلسفات التي أعطت إجابات قاطعة على هذا السؤال أخطأت. سعاده لم يقع في هذا الفخ. هو يدرك أن النتيجة تعتمد على مجموع العوامل المادية والروحية الخاصة بكل مجتمع في كل لحظة. المجتمع الضعيف مادياً قد يستسلم اليوم، لكنه قد يرفض الاستسلام بعد فترة، عندما يتغير وعيه أو تظهر قيادة جديدة. للتنبؤ بحالة معينة، لا يكفي وجود “عامل روحي” مجرد، بل يجب دراسة كل العوامل المادية والروحية لتلك الحالة.
بل إن سعاده قدّم تنبؤات محددة تحققت. من أشهرها: توقعه بأن تركيا ستتوسع لتصل إلى لبنان إذا بقيت الأمة السورية مفككة وضعيفة ولم تأخذ بعوامل النهضة. هذا ما حصل فعلاً. أما متى تنتصر النهضة تحديداً، فلم يحدده سعاده، لأنه يدرك حجم القوى الخارجية المعادية، وحجم قوى الرجعة الداخلية، والطبيعة التراكمية لنمو النهضة. هذا ليس فشلاً، بل واقعية علمية: تنبأ سعادة بحتمية انتصار النهضة كنتيجة اتجاهية، لكنه لم يحدد الزمان.
نقاط الضعف الحقيقية عند سعاده
رغم كل ما تقدم، يبقى هناك نقاط ضعف حقيقية في فكر سعاده لا يمكن تجاوزها:
أولاً: عدم إكمال البناء الفلسفي. سعاده وضع حجر الأساس في “نشوء الأمم” (الجزء الأول)، وكان ينوي كتابة جزء أخر: الجزء الثاني (التطبيق على الأمة السورية)، وكتابة “فلسفة الدين”، وغيرها. استشهاده المبكر حال دون إكمال هذه المشاريع. الأمة السورية كواقع اجتماعي تاريخي يقر به معظم المؤرخين نظراً للتداخل الحضاري العميق بين بلاد الشام والعراق، لكن غياب الجزء الثاني من “نشوء الأمم” يبقى نقصاً في الإكمال، ولا يجعل الأمة السورية “افتراضاً”. الأتباع من بعده لم يقوموا بهذه المهمة الأصولية، وهذا تقصير فادح.
ثانياً: غياب تفصيل عملي لنموذج “الديمقراطية التعبيرية”. سعاده تحدث عن بديل للديمقراطية التمثيلية الغربية، لكنه لم يترك تفصيلاً لكيفية تطبيقها في انبثاق السلطات ومن وكيف تمنح رتبة الامانة بعده وقبل ان يصدر مرسوم المحكمة الحزبية ثم ماهو شكل الديمقراطية التعبيرية في الدولة. هذا فراغ نظري وعملي.
ثالثاً: حدود سورية الطبيعية. يضع سعاده قاعدته الذهبية: “لا إنسان حيث لا أرض، ولا أمة حيث لا بيئة ولا تاريخ حيث لا امة”. حدود الوطن السوري (جبال طوروس، زاغروش، البحر المتوسط، قناة السويس، قوس الصحراء العربية) هي عنده حدود طبيعية (خلقتها الجغرافيا)، وليست حدوداً سياسية قابلة للتفاوض. لكن عمليا، الحدود السياسية يمكن تجاوزها بالقوة (كما تفعل تركيا اليوم مستغلة فائض قوتها وضعف سورية).
سعاده قدم الوطن السوري كواقع جغرافي، وقدم برهاناً قاطعاً على وجود الامة السورية من خلال مجرى تاريخها وفي كتابه “نشوء الامم” وضع الاسس العامة لنشوء اية امة . هذا لايلغي الحاجة إلى الجزء الثاني المفقود.
ثالثاً: مقارنة ختامية وإشكالية الجمع
إذا أردنا الإنصاف، نقول:
غرامشي يقدم أدوات تحليلية دقيقة لفك آليات الهيمنة، ومفهوم “الممارسة” يحاول تجاوز ثنائية المادة/الوعي. لكنه يفشل في تفسير الدافع الأول لأي ممارسة، ويظل أسير افتراض ضمني بوجود مجتمع مدني قوي. هو فيلسوف كيفية التغيير (بعد أن يبدأ)، وليس فيلسوف لماذا يبدأ من الأساس.
سعاده يقدم إجابة صريحة على سؤال الدافع الأول: العامل الروحي المستقل نسبياً، المتجلي في مظاهر العقل الجمعي والإرادة والقيم. هذه الإجابة تفسر غزة، وأوركاجينا، وأوريجينا، والمحراث. نظريته أشمل وأكثر قابلية للتطبيق في سياقات مختلفة. لكنه يعاني من عدم إكمال مشروعه الفلسفي، وغياب تفصيل عملي لنماذج حكمه. هو فيلسوف لماذا التغيير، لكنه لم يكتمل منهج كيفية تطبيق هذه الرؤية.
إشكالية الجمع بين الفلسفتين
قد يُطرح سؤال: هل يمكن الجمع بين أدوات غرامشي التحليلية واعتراف سعاده باستقلالية العامل الروحي؟ الجواب ليس سهلاً. الجمع إما أن يؤدي إلى بناء فلسفة جديدة (تركيب إبداعي)، أو إلى تعطيل الفكر (لأن الذي يحاول الدمج سيسأل نفسه باستمرار: بأي اتجاه أسير؟). الأسس الفلسفية مختلفة: غرامشي حبيس المادية الجدلية (حتى وهو يمنح استقلالية نسبية للوعي)، وسعاده واقعي يعترف بوجود قوتين مستقلتين متلازمتين. لا يمكن خلطهما دون تناقض. لذلك، نطرح السؤال كتحدٍ مفتوح لمفكري التحرر في المشرق العربي.
الخلاصة
لا يمكن القول إن أحدهما “أفضل” من الآخر بشكل مطلق. كلاهما عبقري في مجاله، وكلاهما محدود. غرامشي دقيق لكنه عاجز عن تفسير الدافع الأول. سعاده شمولي ومجيب عن السؤال الجوهري، لكنه غير مكتمل منهجياً وعملياً.
المسؤولية الآن ليست على أتباع هذا أو ذاك فقط، بل على كل من يؤمن بأن الأمم لا تصنع بالمادة وحدها، ولا بالروح وحدها، بل بوحدتهما في عمل منهجي منظم. سعاده وضع حجر الأساس، غرامشي وضع أدوات التحليل، لكن البناء لم يكتمل. إكماله يتطلب جرأة فلسفية وعملية لا تقل عن جرأة الرجلين.
