سعادة وجيجك: الفلسفة بين بناء الأمة ونقد الإمبريالية – قراءة مقارنة غير متماثلة
تمهيد
سلافوي جيجك، الفيلسوف السلوفيني، يمارس الفلسفة كتحليل أيديولوجي ونقد ثقافي استفزازي داخل أوروبا ما بعد الشيوعية. أنطون سعاده، مفكر النهضة السورية القومية الاجتماعية، أسس فلسفته لتكون سلاحًا في بناء أمة ودولتها من تحت الأنقاض الاستعمارية.
لا يمكن فهم أي منهما دون سياقه: جيجك يكتب في سلوفينيا المستقرة نسبيًا (الاتحاد الأوروبي)، حيث يمكن للفيلسوف أن يكون صوتًا ناقدًا دون تحمل مسؤولية التنظيم والثورة. سعاده عاش في سورية الطبيعية تحت الانتداب، حيث كانت دول سورية الطبيعية ضعيفة والطائفية والعصبية العرقية مستشرية، فكانت الفلسفة عنده مشروع نهضة متكاملة. هذا الاختلاف لا يصادر قيمة أحدهما، بل يفسر لماذا اختلفت أولوياتهما ومسؤولياتهما.
أولاً: المشروعان – من أين ينطلق كل منهما؟
جيجك ينطلق من أزمة الرأسمالية المعاصرة: كيف تستمر الأيديولوجيا في إعادة إنتاج نفسها رغم فشلها في حل أزمات المناخ واللاجئين والفقر؟ ينتقد الديمقراطية التمثيلية بوصفها مسرحًا للعب الأدوار، ويؤمن بـ”الحدث” الثوري كقطيعة مفاجئة تكسر الجمود. لكنه يبقى في إطار التشخيص الفلسفي.
سعاده ينطلق من أزمة وجودية: تقسيم الأمة السورية إلى دويلات صغيرة تحت الانتداب، ووعود استعمارية بمشروع صهيوني على أرضها. ليس هذا التقسيم طبيعيًا، بل هو نتيجة مؤامرة بدأت بسايكس-بيكو. لذلك، يمكن إصلاح هذه الكيانات المصطنعة من داخلها، باستعادة الأمة أولاً. سعاده يضع هذه الاستعادة كشرط مسبق لأي تحرر حقيقي.
ثانيًا: الأمة – واقع طبيعي، لا رومانسية عرقية
سعاده ليس رومانسيًا ألمانيًا يقدس “روح الشعب” الغامضة. نظريته تقوم على الواقعية (ما يسميه “المدرحية”):
· الإنسان يتفاعل مع البيئة (السورية بتنوعها الجغرافي) فيكتسب صفات جسدية وعقلية.
· السلالات التي دخلت سورية على مر التاريخ تحمل صفات وراثية خاصة، لكن تفاعلها ضمن البيئة السورية وتمازجها (بالتزاوج والاختلاط المعرفي) ينتج – عبر الزمن – صفات عامة مشتركة مع بقاء التنوع قائمًا.
· هذا التفاعل الأفقي (بين أبناء البيئة فيما بينهم) والشاقولي (أبناء البيئة مع الأرض) تكون الأمة “وحدة حياة عضوية” واقعية، وليست أسطورية.
· الأمة، بعد تكوّنها، تبقى حاملة لهذه الصفات العامة حتى لو خضعت للحروب والاحتلالات، والتجزئة فتمر بفترات قوة وضعف. حالة المجتمع السوري اليوم هي حالة ضعف (تخلف، طائفية، تجزئة) تحتاج إلى نهضة أساسها معرفة الأمة لذاتها، وليس إلى اختراع الأمة من العدم.
اعتراف بخطأ بشري: سعاده، كونه بشرًا يخطئ، حدد في البداية حدود الأمة السورية الشرقية بشكل غير دقيق بسبب نقص المعلومات التاريخية المتوفرة في البداية. لكنه عندما تبيّنت له الحقائق لاحقًا، صحح هذه الحدود لتبقى متسقة مع نظريته في نشوء الأمم (التفاعل بين عناصر الأمة فيما بينها وتفاعلها مع الأرض). هذا التعديل لم يكن تلفيقًا، بل إخلاصًا لنظريته وموضوعية في البحث.
هذا الموقف يختلف جذريًا عن جيجك الذي ينظر للقومية الأوروبية (بسبب تجربتها الكارثية) بارتياب، رغم اعترافه بـ”القومية المقدسة” كرد مشروع على الإمبريالية (مثل الفلسطينية). جيجك لا يجعل الأمة محور تحليله؛ المحور عنده هو الطبقة والمهمشون. سعادة يجعل الأمة محورًا لأنه يرى أنها الإطار الواقعي الوحيد الذي عليه أن يسعى لتحرره.
ثالثًا: الإنسان المجتمع – ليس إنكارًا للفرد، بل توسيع لوجوده
سعاده لم ينكر الشخصية الفردية. رفضه ينصب على النزعة الفردانية المطلقة التي ترى (الحق والحقيقة منبثقان من الفرد وحده). الفرد هو المقياس؟ لا، المجتمع هو المقياس. “الحق قد ينطق به فرد، لكن الحق لكي يكون حقًا يجب أن ينتشر انتشارًا لا حدود له في المجتمع.”
لذلك قال بـ”الإنسان المجتمع”: الفرد يستمد كرامته ومعرفته من انتمائه إلى الأمة، وفي الوقت نفسه يبني شخصيته. سعاده يهتم ببناء شخصية الفرد، ويدعو إلى توسيع الوجدان الفردي: “يضيف الفرد إلى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية أمته” (الوجدان القومي). هذا ليس إذابة الفرد في الجماعة، بل بناء عملي واقعي، تكاملي. الفرد في الأمة الواعية لذاتها يكون أكثر قدرة على الإبداع والمسؤولية.
جيجك، بالمقابل، ينطلق من الفرد كنقطة بداية (حتى في نقده للرأسمالية). هو أقرب إلى تقليد التنوير الذي يضع الفرد كوحدة أخلاقية مركزية، لكنه يحاول تجاوز الأنانية الليبرالية نحو التضامن الطبقي. الاختلاف فلسفي ومنهجي: سعاده يبني (الأمة ككل) من خلال تنمية الوجدان القومي في الفرد (الفرد إمكانية في الأمة الكائن الحي) ويرى الصراع الطبقي يزيد التفسخ في الأمة، وجيجك يبني من (الأفراد المستبعدين) إلى (نقد النظام العالمي). سعادة يدعو إلى نظام عادل في المجتمع وفي العلاقات الدولية.
رابعًا: الديمقراطية – نقد مشترك للتمثيل، لكن ببدائل مختلفة
يتفق الرجلان على أن الديمقراطية البرلمانية خادعة: جيجك يسميها “الديمقراطية دون شعب”، وسعاده يرفضها لأنها تُبقي الوضع على حاله من خلال ديموقراطية الصندوق الانتخابي (التجزئة والطائفية والعرقية) تبقى على حالها تحت عنوان الديمقراطية التمثيلية.
لكن في البدائل:
· جيجك يدعو إلى “الحدث” الثوري ونماذج مجالسية فضفاضة، لكنه لا يقدم دستورًا ولا آلية واضحة للانتقال. يمكن القول إن هذا نابع من طبيعة الفيلسوف الناقد، وليس قائد حركة.
· سعاده يقدم نظام “الديمقراطية التعبيرية” المطبقة في تنظيم حزبي متكامل: رتب الأمانة ومن حامليها أعضاء السلطة التشريعية ورئاسة الحزب (التي تشترط سنوات من التكوين والفهم والتضحية)، ومجلس قومي منتخب ينتخب السلطة التشريعية وهيئة منح رتب الأمانة، (فصل السلط الحزبية)، ومحكمة عليا حزبية. هذا ليس نخبوية مغلقة، بل هو ناتج طبيعي من مفهوم “الإنسان المجتمع”: الأمة ككائن حي تحتاج إلى أعضاء مؤهلين وكفوءين ليعبروا عنها. بعد رحيل سعاده، تطورت الآليات لتصبح هيئة منح رتب الأمانة منتخبة من المجلس القومي التي تتغير كل دورة، ولا يمكن لأعضائها تولي الإدارة العليا لمدة 4 سنوات بعد انتهاء عملهم في الهيئة.
باختصار: جيجك يقدم تشخيصًا مذهلاً للداء، لكنه لا يصف دواءً كاملاً. سعاده يصف الداء والدواء معًا، ويترك دستورًا وتنظيمًا يمكن اختباره تاريخيًا من خلال الحزب أولاً ثم الأمة.
والفارق الأعمق أن نقد سعاده للديمقراطية التمثيلية والإمبريالية لم يكن مجرد رأي فلسفي، بل كان سلاحًا في مشروع عملي متكامل لبناء الأمة ودولتها من تحت الاحتلال والتجزئة، منذ الثلاثينيات.
خامسًا: التغيير الثوري – “الحدث” المفاجئ أم “النهضة” التدريجية؟
جيجك متفائل بالحدث (كالثورات العربية 2011) الذي يكسر الاستمرارية الأيديولوجية. لكن ما يغفله هو أن الحدث إذا لم يكن واضح الأهداف والبرنامج، تمكنت الرجعية والإمبريالية من استغلاله بسهولة. هذا حدث بالفعل. جيجك يعترف بـ”فشل” تلك الثورات، لكنه يظل متمسكًا بالحدث كإمكانية. مشكلته أنه لا يشرح كيف يُحضَّر للحدث ولا كيف يُبنى بعده. وهو أيضًا لا يعترف أن هذه الثورات لم تترك فشلاً بل نكبات وكوارث.
أما سعادة فيؤمن بـ”النهضة”: عملية تمتد لسنوات، تشمل الوعي، التربية، التنظيم، ثم فقط عند الضرورة الثورة القومية الاجتماعية المسلحة. محاولته عام 1949 كانت مفروضة عليه قبل أوانها، ووصفه لها بـ”الأولى” يشي بأنه يعلم أنها لن تنتصر لأن النهضة لم تكتمل. هذه واقعية مؤسساتية، وليس تفاؤلاً طوباوياً.
سادسًا: التنظيم – الحزب والفردانية الفلسفية
جيجك يعمل بمفرده. لا ينتمي لحزب، لا يبني مؤسسة. أسلوبه الاستفزازي يجعله نجمًا إعلاميًا، لكن تأثيره السياسي المباشر شبه معدوم. في سياق أوروبا ما بعد الشيوعية، هذا مفهوم: الفلسفة النقدية يمكن أن تعيش بلا تنظيم.
سعادة أسس حزبًا بدستور ومؤسسات (مجلس أعلى، مجلس عمد، محكمة عليا، منفذيات، مديريات)، وقاد الحزب في السر والعلن، ودفع حياته ثمنًا. هذا الفرق يعكس احتياج سياق غياب الأمة عن ذاتها وتخلف وخمول وتجزئة وأمراض اجتماعية واستعمار لآلة تنظيمية قادرة على مواجهة هذه الأمور مجتمعة.
هنا يجب الاعتراف: الحزب بعد سعادة واجه ضربات قاسية أدت إلى انشقاقات، لكن لم يحصل انشقاق عقائدي، بل كانت انشقاقات حول القيادة والتكتيك. وهذا يختلف عن فشل معظم الحركات التحررية في الحفاظ على وحدتها الفكرية.
سابعًا: الاستشهاد – لا يمكن تحويله إلى دليل فلسفي
الاستشهاد المبكر أعطى مشروع سعادة خلودًا بطوليًا، بينما جيجك سيموت في فراشه. هذا الاختلاف لا يصحح ولا يبطل فلسفة، لكنه يؤثر على طريقة تلقيها في المخيال الجماعي.
خلاصة نهائية
من خلال استعراض تاريخ الأحداث الكبرى (مثل احتجاجات 1968 وسقوط جدار برلين)، يتضح أنها لم تكن “أحداثًا” فجائية من العدم، بل كانت نتاج تراكمات طويلة من الأزمات والضغوط الشعبية والتنظيمات الخفية أحيانًا. حتى في الحالات التي لعبت فيها قوى كبرى دورًا (مثل دعم أمريكا لحركة تضامن في بولندا)، كان التراكم الداخلي هو الأساس. هذا يعني أن نظرية “الحدث” عند جيجك، التي تنتظر قطيعة مفاجئة غير محضّرة، تؤدي عمليًا إلى أحد أمرين: إما انتظار سلبي عقيم (نبقى جالسين نتمنى أن يأتي الحدث)، أو مغامرة طوباوية (نقفز إلى الثورة دون إعداد فتُسحق أو تنقلب إلى كارثة). الربيع العربي خير شاهد: حدث جاء دون تحضير فتحول إلى حروب أهلية وانقلابات.
في المقابل، “النهضة” عند سعادة هي التراكم الواعي المنظم: تربية، تنظيم، بناء “الإنسان المجتمع”. النهضة لا تنتظر الحدث، بل تصنع الظروف التي إما أن تستثمر الحدث عندما يأتي (لأنها مستعدة له) أو تفرض هي نفسها إيقاعها على التاريخ. سعادة لم ينتظر؛ بنى حزبًا، كتب فلسفة وكتب دستورًا، ربى أجيالاً، ودفع حياته ثمنًا.
جيجك مفيد كفيلسوف نقدي عالمي. أطروحاته عن الأيديولوجيا، الرأسمالية، والديمقراطية التمثيلية، تصلح كأداة تشخيص لا غنى عنها حتى لمن يبني أمته. لكن مشروعه يتوقف عند عتبة التنظيم والترجمة المؤسسية. لا يمكن بناء مستشفى بالأطباء النظريين وحدهم.
سعادة يقدم نظرية متكاملة تنطلق من واقعية الأمة (ليست رومانسية)، ترى الفرد والمجتمع في تكامل، تنتقد الفردانية المطلقة دون أن تلغي الشخصية، وتضع برنامجًا نهضويًا تفصيليًا (عقيدة، أخلاق، تنظيم، دولة). هو بشر يخطئ، لكن أخطاءه (كتحديده الحدود الشرقية للأمة السورية غير دقيقة ثم تصحيحها) لا تنقض نظريته، بل تثبت أنه كان مخلصًا لمنهجه. نقد فكره غالبًا ما يأتي من خلفيات ليبرالية أو ماركسية لا تتفق مع مقدماته الأساسية، وليس من اكتشاف تناقضات داخلية فاضحة.
في النهاية: الأمة السورية، وهي تواجه تحديات الوجود من جديد، يمكنها الاستفادة من جيجك كأداة نقدية حادة ضد الإمبريالية الثقافية والرأسمالية، لكنها ستحتاج إلى فكر سعادة لبناء المؤسسات والتربية
والتنظيم. ليس لأن فكر سعادة “مقدس” أو مكتمل، بل لأنه الوحيد الذي وضع مشروعًا نهضويًا يبني التراكم الواعي، وليس مجرد تشخيص ينتظر حدثًا لا يأتي.
وهذه دعوة مفتوحة: لا نقد دون اعتراف بمقدمات الخصم، ولا بناء دون مراجعة ذاتية نقدية.
ملاحظة حول منظور هذا النص:
كُتب هذا المقال من داخل القلق الوجودي السوري، وليس من برج أكاديمي أوروبي. الكاتب لا يدعي الحياد المطلق، بل يعترف بأن مقارنته تنطلق من همّ النهضة والتحرر في سياق أمة مقسمة ومستعمرة. هذا المنظور لا يلغي قيمة ما ورد في النص من حقائق وتحليلات، لكنه يدعو القارئ إلى فهمه في سياقه: دفاع عن مشروع بناء ضد مشروع انتظار، وليس محاكمة قضائية بين خصمين متكافئين. النقد مرحب به، شريطة أن يعترف باختلاف المواقع
Post Views: 5