بين ضباب الحرب وصلابة الاقتصاد: هل يتآكل التفوق الأمريكي؟

       في زمنٍ تختلط فيه التصريحات بالتهويل ، وتتشابك فيه المصالح بالاستعراض السياسي ، يصبح الوصول إلى حقيقةٍ دقيقة أمراً بالغ الصعوبة ، لا سيما في ظل حضور شخصيات مثيرة للجدل مثل دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو ، فالمشهد الدولي لم يعد يُدار بمنطق الوقائع وحدها ، بل بات خاضعاً لحروب الروايات والتسريبات والتضليل الإعلامي ، حتى غدا البرهان نفسه مرتبكاً ، غامضاً ، وعاجزاً عن إقناع المتابع الباحث عن الحقيقة ، وأمام هذا الضباب الكثيف ، يجد المراقب نفسه متشبثاً بأي مؤشر قد يقوده إلى قراءة أكثر توازناً وواقعية ، حتى ليبدو الحلم — في بعض الأحيان — أكثر صفاءً من نشرات الأخبار والتقارير السياسية ، وفي خضم ضغوط الحرب واحتمالات توقفها أو اتساعها ، يخرج صوتٌ متوتر من عمق المشهد قائلاً : هناك من يريد استمرار الحرب ، لكن في المقابل ، لا يبدو أن المؤسسة السياسية الأمريكية ، وخصوصاً داخل الكونغرس ، متحمسة لإعادة الانخراط في مواجهة واسعة مع الإيرانيين .

وفي هذا السياق ، تسربت مؤخراً من أروقة مجلس النواب الأمريكي تقارير وُصفت سابقاً بالسرية ، تكشف عن حجم الخسائر التىّ تكبدها البنتاغون ، وتحديداً سلاح الجو الأمريكي ، خلال الاشتباكات مع الإيرانيين ، وتشير هذه التقارير إلى تعرض نحو 45 مقاتلة لأضرار متفاوتة ، وهو ما يعيد فتح النقاش حول مستقبل التفوق الجوي الأمريكي ، الذي ظل لعقود أحد أعمدة الهيمنة العسكرية الغربية ، فإن التطور المتسارع في أنظمة الدفاع الجوي ، وقدرتها على التعامل مع التقنيات الشبحية والطائرات المسيّرة ، بدأ يفرض معادلات جديدة في ميدان الحرب الحديثة ، فالتكنولوجيا التىّ كانت حكراً على القوى الكبرى ، لم تعد بمنأى عن الاختراق أو التعطيل ، خصوصاً مع تنامي قدرات الحرب الإلكترونية والتشويش على الاتصالات المرتبطة بالأقمار الصناعية ، ولهذا ، لم يعد الحديث الإيراني عن إسقاط أو إصابة مقاتلات متطورة ، مثل إف-35 لايتنينغ الثانية ، يبدو مستحيلاً كما كان يُنظر إليه في السابق ، حتى وإن قابلته عواصم غربية بالتشكيك أو الصمت.
غير أن القضية لم تعد مرتبطة بالحرب الأخيرة فقط ، بل بما بعدها أيضاً فالإيرانيون باتوا يتحدثون بثقة متزايدة عن أن أي مواجهة قادمة ستكون أكثر إيلاماً للولايات المتحدة ، لأن الخبرات العسكرية التىّ اكتسبوها من المواجهات السابقة غيّرت من طبيعة استعدادهم وقدرتهم على إدارة الصراع ، وإذا ما اندلعت مواجهة جديدة ، سيشهد العالم مفاجآت عسكرية تتجاوز الحسابات التقليدية ، ومع ذلك ، ورغم التحديات العسكرية المتصاعدة ، يواصل الاقتصاد الأمريكي إظهار قدر كبير من الصلابة والمرونة ، فعلى الرغم من الحروب ، والتوترات الجمركية ، والتصريحات المثيرة للرئيس ترمب ، ما زال الاقتصاد الأمريكي قادراً على تفادي مِّن التراجع الذي تخشاه كثير من الحكومات والشعوب حول العالم .
وقد لعبت الطفرة الهائلة في قطاع الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في هذا الصمود الاقتصادي ، بعد أن ضخت شركات كبرى مثل ” ميتا و أمازون و مايكروسوفت و ألفابت ” مئات المليارات من الدولارات في هذا القطاع خلال فترة قصيرة، محققة أرباحاً ضخمة انعكست بصورة مباشرة على أسواق المال الأمريكية ، لقد أصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة المحرك الاقتصادي البديل ، أو المكمل، لصناعة السلاح التقليدية ، وأسهم في إنعاش سوق الأسهم وتعزيز ثقة المستثمرين ، كما اعتمدت إدارة ترمب على سياسات اقتصادية هدفت إلى تقليص البيروقراطية ، وتخفيف القيود على الائتمان الخاص ، إلى جانب تخفيضات ضريبية واسعة ساعدت على تنشيط المشاريع الصغيرة وتحفيز الاستثمارات ، ونتيجة لذلك ، ما زال الاقتصاد الأمريكي قادراً على تحقيق معدلات نمو جيدة ، مدفوعة بالاستثمار في التكنولوجيا والأسواق المالية ، رغم التراجع النسبي في بعض الصناعات التقليدية .
وفي المقابل ، تأثر الإنفاق الاستهلاكي الداخلي نسبياً نتيجة سياسات ترحيل المهاجرين ، إذ كانت هذه الفئات تضخ جزءاً مهماً من أجورها الأسبوعية داخل الدورة الاقتصادية الأمريكية، ومع ذلك، بقيت القدرة الأمريكية على التعافي الاقتصادي لافتة للنظر ، حتى في ظل الإنفاق الضخم على الحروب ، سواء في غزة ، أو أوكرانيا ، أو المواجهة مع إيران .

إن المفارقة الكبرى اليوم تكمن في أن الاقتصاد الأمريكي ما زال يحتفظ بحيويته وقوته ، بينما بدأت صورة التفوق العسكري ، وخصوصاً في سلاح الجو ، تتعرض لتصدعات متزايدة ، فالاقتصاد الأمريكي لا يزال يشبه محركاً عملاقاً لا يهدأ ، قادراً على تجاوز الأزمات وإعادة إنتاج النمو ، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح : هل تستطيع القوة الاقتصادية وحدها الحفاظ على الهيمنة الأمريكية ، إذا ما بدأ التفوق العسكري بالتآكل التدريجي؟…والسلام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *