الانسان هوالحل, هو النجاح وهو الفشل….
م.بيطار, عثمان لي :
لماذا لم تتمكن هذه الشعوب من اقامة منظومة شخص المجتمع ؟, وبقيت في منظومة جماعة الأشخاص , أي اللامجتمع ؟؟؟
هناك العديد من الأسباب , منها مثلا تكوينة المجتمع الذكوري , ومنها تأثير البدوبة , فالمجتمع هو سمة الحضر وليس سمة جماعة الترحال والتنقل , الأهم من كل ذلك كانت هيمنة الدين , والدين ليس خاصة اجتماعية وانما خاصة فردية , انتقل هذا الأمر الى الجماعة التي تحولت الى جماعة الأشخاص , ولطالما الدين الشخصي كان المؤثر الأساسي على الجماعة , لم يكن من المستطاع اقامة منظومة أشخاص المجتمع , بدلا من جماعة الأشخاص .
تدخل الدين في الشخص ووجوده وسلوكه وممارساته, حتى في علاقة الرجل بالمرأة , وفي تنظيم علاقات الزواج والطلاق , وفي طرق المأكل والمشرب والملبس ,باختصار تعامل الدين مع الناس على أنهم أدوات أو أشياء, يمكن تشكيلهم وصياغتهم كيفما يريد , أي إنه تعامل معهم على أنهم “قاصرين ” ,وبحاجة إلى إعادة إنتاج وعي مصدره خارج ارادتهم وتطلعاتهم ,وعي مستورد يخلصهم من محنة القصور الذاتي, بمعنى أنهم ناقصوا التكوين العقلي والنفسي, ويجب اعادة تشكيلهم وفق رؤيته, ليكونوا على شاكلته ووفق تصوراته ,خاصة نصوصه ,ليس هذا فحسب , إنما فتح لهم خط نقل مباشر مع السماء, لتأمين راحتهم الأبدية في مكان مليئ بالأسرار والطقوس والنسوان , لذا تعلقوا بالحياة ما بعد الموت بأمل الوصول إلى الخلود.
صادر الدين المجال العام وخصوصية الفرد وحريته , ووضعها في إطار علاقات عامة ارتبطت بنهج الدين وتصوراته , مما قاد الى خلق مجموعات نمطية ,متجانسة ومستلبة ,منفصلة ومنغلقة عن شروط زمانها ومكانها , لذا تعذر على الأفكار الأخرى الرادفة او الوافدة اختراق جدار الدين أو تفكيك نصوصه التاريخية المعبأة بكتل كبيرة من المصالح والغايات والأهداف , بشكل عام ومختصر يمكن القول بأن ثقافة الدين الشخصي لاتنتج سوى الأشخاص أي مجموعة الأشخاص , وليس أشخاص في مجتمع , وهذا هو النقيض من التشكيلة البشرية الضرورية للحياة الاجتماعية (مجتمع), أي حياة التكافل والتضامن والعقد الاجتماعي , لاتسمح ثقافة الدين من اقامة ماهو أرقى من القبيلة أو العشيرة .
بدى وكأنه لانهاية للتعبأة المفهومية القائمة على الأوامر والنواهي , ثم التهديد والوعيد وممارسة الارهاب والترهيب من النار , ليتحول الانسان الى خائف مضطرب ومطارد من الجن والشياطين , وبذلك تم تليينه وتحويله الى مجرد الشيئ “الهلامي” , قطعةً يمكن قولبتها أو لفها وبرمها كما يشاء الدين , قطعة لاقوام لها ولا شخصية ولا شكل , انفرد الدين باحتلال واحتكار المجال العام في القرون الوسطى,بعد أن قضى على عصر الآلهة المتعددة الغني بالقيم الإنسانية غير المؤدلجة وبالأفكار المنفتحة, والمليء بحقول الفلسفة والبحث العلمي ,والنظرة النقدية إلى الانسان والكون.
برهن الانسان طوال ملايين السنين على أنه “الحل”, ولولاه لما وجدت الأديان ولما وجدت الحياة , الأديان حديثة مقارنة بعمر البشرية , لم يفطر الانسان على الدين ,وكان الانسان دائما سيد الكون وصانعه ,صنع الانسان منظومات عقائدية سميت “دين” لتخدمه وليس ليخدمها , وليس لتستعبده وتهيمن عليه وتستغله , صنع صنيعة ليسيطر عليها وليس لتسيطر صنيعته عليه , الصنيعة تمادت وتطاولت وعربدت وزورت وقتلت وأجرمت , والنتيجة كما هو متوقع نجاح الانسان عموما في عزل الصنيعة ووضعها في مواخيرها , باستثناء بعض البؤر في هذا العالم كبؤر هذه المنطقة , التي لاتزال تحارب الانسان وتسعى لتحويله الى دابة في قطيع هلامي لاقوام له ولا شخصية او ارادة او كيان.
تقهقرت جماعات المنطقة بين الخليج والمحيط يوما بعد يوم الى الوراء في ظل تراث الأساطير والخرافات البدائية , التي تحولت مع الزمن الى ثقافات ساقطة هبطت بقيمة الانسان الى الحضيض , اي الى مستوى الحلال والحرام الثابت والمختلف بماهيته عن طبيعة الحداثة التطورية الخلاقة , جماعات الحلال والحرام لاتخلق , لأن الخلق بدعة وكل بدعة زندقة وكل زندقة ضلالة , لكنها استهلكت خاصة في العصر البترولي بدون خجل! لابل وصفت الحداثة بأنها تخفي في طياتها فساد الأخلاق وفساد المساواة بين المؤمن والكافر وبين الرجل والمرأة وتريد استبدال السماوية بالمدنية , رفضوا الحداثة لكنهم استهلكوا منتجاتها من الشحاطة الى العقال والكوفية , فالاستهلاك ليس كفر وليس زندقة !!!!!!! .
تحولت الجماعات التي كان عليها التعامل مع ملاين من براميل النفط الى الفساد لكونها لم تملك ثقافة ثناية العمل -العيش ,ولم تتعلم ثقافة الانفتاح وبقيت منغلقة على نفسها لزمن طويل متجنبة التفاعل الخلاق مع الغير, الى أن اكتشفت نزعة التحديث كبديل عن الحداثة , هنا بنيت ناطحات السحاب الممثلة لخيم عملاقة ,امامها اصفت السيارات الفارهة,كما يصطف الجمل والناقة امام الخيمة.
تأكيدا على كون الانسان كان مصدر الحل ومصدر الفشل ايضا ,نرى اليوم تغيرا في مناطق الرمال البترولية خاصة في اكبر كيانات الصحاري مثل السعودية ,حيث لم تكن هناك حداثة لعشرات السنين , جاء الانسان محمد بن سلمان ليلغي حديث البخاري ومسلم ويحلق شوارب وذقون المشايخ ويحول المملكة الى كيان ببداية حداثية لم تكن قابلة للتصور قبل بعض السنين !!!
Post Views: 4