ازدحام في قاع الانحطاط …عقوبة الاعدام!
لم يكن مقتل عشرات الألوف من المتظاهرين في ايران خلال يومين لجرم ارتكبوه انما لرأي تبنوه , لم يقتصر التعليق على حبال المشانق على اكثر من الف شخص سنويا في ايران كما تقول منظمات الحقوق الدولية , اللافت للنظر كانت النسبة الكبيرة للنساء بين المشانبق , لقد كان عددهم عام 2024 حوالي 31 امرأة , لاتمثل هذه الأرقام الحقيقة , انه من المتوقع ان يكون عدد المشانيق اعلى من العدد الذي يصرح به , ففي التظاهرات قبل اسابيع اعترفت الحكومة الايرانية رسميا بمقتل حوالي 3000 ايرانية وايراني اثنااء التظاهر , بينما تحدثت مصادر غير ايرانية عن 40000 قتيل برصاص الحرث الثوري , وبعض المصادر تحدثت عن أكثر من 100000 قتيل, على كل حال قد يكون العدد الحقيقي بين 3000 و 300000 ايرانية وايراني , في نظرنا مقتل متظاهر واحد كمقتل 100000 متظاهر , انها جريمة قتل لا علاقة مباشرة لها بعدد المقتولين .
أكدت تقارير منظمة العفو الدولية في عام 2023 , احتلال مصر لمنصب ثالث أسوء دولة في العالم بما يخص عدد الاعدامات , أما المركز الأول فقد احتلته السعودية سابقا بدون منازع , والآن تحتله ايران بدون منازع , وهكذا تصدر الشرق العالم في ممارسة اجرام القتل باسم القانون , الذي كللته السعودية قبل سنتين على مانظن باعدام 81 انسانا دفعة واحدة , بعد أن تم في مصر اعدام 57 انسانا من بينهم رجل عمره 82 سنة , أما عن ايران فحدث ولا حرج , اذ تتناوب جمهورية الخميني مع مملكة حامي الحرمين وجمهورية مصر على المركز الأول في ممارسة اجرام الاعدام , لاتمثل اعداد الاعدامات التي نشرتها منظمة العفو الدولية ارقاما حقيقية , فالرقم الحقيقي اعلى بدرجات من الرقم الرسمي .
لاتقتل ! هكذا قيل قبل آلاف السنين , لاتقتل يعني لاتقتل بشكل مطلق , لاتعني لاتقتل فلان وأقتل فلان , لاتقتل يعني عدم جواز القتل بأي شكل كان وبأي تبرير كان , خاصة من قبل جهات حكومية , الدولة الحقيقية لاتعاقب المخطئ من مواطنيها بقتله انما باعادة تأهيله لممارسة حياة سلمية , للحروب الخارجية بين الدول ديباجة ومفاهيم أخرى !.
الأمر تغير وتطور في هذه المنطقة من “لاتقتل” الى ” أقتل” , هكذا قالت قبل فترة هيئة علماء المسلمين في الشام , وبهذا المعنى نصح شيخ الأزهر , ليس اعتمادا على اجتهاده , انما التزاما بحد “الحرابة” , الذي نص على التالي ” انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويعيثون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف , أو ينفوا من الأرض , ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ” فالحرابة ليست سوى الخروج عن الجماعة , كما بررت السعودية اعدام 81 شخصا دفعة واحدة , التبرير تضمن الى جانب تهمة الارهاب ” الأفكار الضالة ” , التي اعتنقها المحكومون بالاعدام, ماهي تلك الأفكار الضالة ؟ وهل الفكر الآخر “ضال”حتما ؟.
لحد الحرابة مشاكل تتعلق بالنسبية وبمفهوم الدولة والقانون , فبالنسبة لأبو بكر البغدادي مثل الطيار الأردني قاطع طريق حارب المؤمنين وبالتالي مارس الحرابة وعليه طبق حد الحرابة , الذي لم ينص صراحة على عقوبة القتل بالحرق , انما نص على تطبيق عقوبات أو بالأحرى اجرام لايقل عن افظع انواع الاجرام , وهل هناك اجرام افظع من اجرام تقطيع الأوصال , التي حددت بشكل دقيق , اليد اليمنى والرجل اليسرى الخ اي حسب مفهوم “التفصيل ” الذي مارسه هارون الرشيد وهو على فراش الموت .
لانريد تشبيه شيخ الأزهر أحمد الطيب بأبو بكر البغدادي , لقد استنكر شيخ الأزهر كل جرائم داعش , ولكنه نصح بقتل وصلب وتقطيع ايدي وأرجل رجال ونساء التنظيم الداعشي وغير الداعشي من قطاع الطرق, وبذلك التقى مع أبو بكر البغدادي ببعض الأوجه , واختلف معه عمليا ببعض الأوجه , وقد نعذره بسبب تباين بعض آرائه مع بعض أفعاله .
هناك تباين بين البغدادي أمير المؤمنين وبين شيخ الأزهر بخصوص تعريف “الارهابي قاطع الطريق :” , فالارهابي بنظر ابو بكر هو ” المناضل “حسب تعريفه للنضال , والعكس من ذلك بنظر شيخ الأزهر , لكنهما متفقان على نوعية العقوبة حسب حد “الحرابة” , بذلك نجد في اي خلاف بين جهتين , جهة تنطبق عليها جريمة الحرابة وبالتالي معاقبتها حسب حد الحرابة , ومن يأخذ ادعاء البغدادي وادعاء الطيب مأخذ الجد ويؤمن بحد الحرابة عليه تطبيق هذا الحد على كل الأطراف , لأن كل طرف يستحق بنظر الطرف الآخر حد الحرابة , تأملوا عافاكم الله تلك الحلقة المعيبة , وحاولوا الاجابة على السؤال , الى اين مع القتل “القانوني “!.
ا الى اين ستصل هذه الشعوب بممارسة الجريمة كعقوبة , القتل شنقا او بترا للرأس بسبب الأفكار ” الضالة ” , أي الأفكار المختلفة عن افكار الخامنئي او شيخ الأزهر او ابن عبد الله , الى اين ستصل هذه الشعوب بخداع الذات , بالقول ان ذلك لايمت لتعاليم الدين بصلة , واذا كان لايمت لتعاليم الدين بصلة ! , اذن احذفوه ولا تستشهدوا به, واخرجوا من دوامة القتل والتشنيع وتنكروا لشرعية القتل .
نتصور هذه الشعوب البائسة بين قاتل ظاهر وقاتل متخفي , عمليا يتواجد المسالمون بين “قتلة”, أي تتواجد بعض الفئات في مأزق , ولا خروج من هذا المـأزق , الا باعلان القتل ايا كان مصدره وأيا كان ممارسه جريمة مرفوضة مهما كانت الظروف , القتل ليس عقوبة , انه بحد ذاته جريمة مطلقة لايمكن ولا يجوز وضعها في ميزان النسبية, القتل شر مطلق , لذا يجب حذف عقوبة او جريمة الاعدام من قوانين العقوبات , غير مسموح للفرد ان يقتل , وغير مسموح للدولة أن تقتل , الدولة التي تقتل تشرعن القتل وبالتالي تشرعن الاجرام , من هذا المنطلق ابتعدت قوانين ودساتير العديد من الدول عن عقوبة الاعدام .
لطالما بقيت الشريعة مصدرا للقوانين مثل حد الحرابة وحد الردة وحد قتال المشركين ثم مفهوم الجهاد في سبيل الله الخ , فسيبقى الاعتماد على القانون المدني الوضعي معاقا ومبتورا ومقزما , لايمكن الخروج من الانحطاط الشرعي سوى بالخروج من الشرع بالفصل التام بين الدين والدولة , التي تنكصت معالمها في العديد من الحالات الى الشكل والمستوى الداعشي.
Post Views: 5