الوجدان القومي والوحدة الروحية: من التلقائية العضوية إلى اليقظة الإرادية
قراءة في مفهوم سعادة على ضوء علم الاجتماع المعاصر)
مقدمة
يحتل مفهوم الوجدان القومي موقعاً محورياً في فكر أنطون سعادة، غير أن قراءته تتطلب فهماً دقيقاً لطبيعته وعلاقته بالعقيدة القومية الاجتماعية. ففي خطابات الأول من آذار وغيرها ، وفي كتاباته النظرية، يبرز الوجدان القومي بوصفه ظاهرة اجتماعية تلقائية، تنشأ مع تطور المجتمعات وبلوغها درجة معينة من التمدن، وليس نتيجة مدرسة فكرية أو عقيدة مصنوعة. غير أن سعادة نفسه يدرك أن الأمة السورية، بسبب فقدان السيادة الطويل والأمراض الاجتماعية المزمنة، قد أصبح وجدانها القومي “غائباً” يحتاج إلى من يوقظه ويعيد تشكيله. وهنا يأتي دور العقيدة القومية الاجتماعية بوصفها فعلاً إرادياً واعياً لإعادة البناء، لا مصدراً للوجدان.
نهدف إلى تحليل مفهوم الوجدان القومي كما وضعه سعادة، بيان علاقته بالوحدة الروحية، ورفضه للنزعة العرقية، ثم مقارنة رؤيته مع ما توصل إليه علم الاجتماع الحديث، ممثلاً ببنديكت أندرسن.
أولاً: الوجدان القومي كظاهرة اجتماعية تلقائية
في مقدمة كتابه “نشؤ الأمم”، يقدّم سعادة تعريفاً دقيقاً للوجدان القومي، يقول فيه:
“إن الوجدان القومي هو أعظم ظاهرة اجتماعية في عصرنا، وهي الظاهرة التي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدرجة العالية من التمدن. لقد كان ظهور شخصية الفرد حادثاً عظيماً في ارتقاء النفسية البشرية وتطور الاجتماع الإنساني. أما ظهور شخصية الجماعة فأعظم حوادث التطور البشري شأناً وأبعدها نتيجة وأكثرها دقة ولطافة وأشدها تعقيداً، إذ أن هذه الشخصية مركَّب اجتماعي – اقتصادي – نفساني يتطلب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية جماعته، أمته، وأن يزيد على احساسه بحاجاته احساسه بحاجات مجتمعه، وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسية مجتمعه، وأن يربط مصالحه بمصالح قومه، وأن يشعر مع أبناء مجتمعه ويهتم به ويود خيره، كما يود الخير لنفسه.”^1
يتضح من هذا النص أن الوجدان القومي، عند سعادة، ليس اختراعاً خطابياً ولا نتاج دعاية سياسية، بل هو “ظهور” طبيعي يشبه في جوهره ظهور شخصية الفرد. فكما أن الفرد يكتسب شخصيته عبر النمو النفسي والاجتماعي، كذلك الجماعة تكتسب “شخصيتها” عبر التطور التاريخي والتفاعل بين عناصرها المادية والمعنوية. وهذا الظهور يتزامن مع بلوغ المجتمع “درجة عالية من التمدن”، أي أن الوجدان القومي هو سمة العصر الحديث، وليس مجرد استرجاع لماضٍ قبلي أو عرقي.
واللافت في هذا التعريف أنه يرفض أي اختزال بيولوجي أو عرقي للظاهرة القومية. فالوجدان القومي “مركَّب اجتماعي – اقتصادي – نفساني”، أي أنه نتاج تفاعل معقد بين البنى الاجتماعية والمصالح الاقتصادية والحياة النفسية المشتركة. وهذا ما يفسر رفض سعادة القاطع لأي نظرة تقوم على الدم أو العرق أو السلالة النقية. فهو يصرّح في أكثر من موضع أن كل المجتمعات على وجه البسيطة مزيج سلالي^2، وأن فكرة النقاء العرقي هي وهم علمي وخطيئة تاريخية. فالأمة عنده تقوم على وحدة الحياة والإرادة الواحدة والمصير الواحد، لا على وحدة الدم.
ثانياً: الوجدان القومي والعقيدة: علاقة التكامل لا التطابق
إذا كان الوجدان القومي ظاهرة تلقائية، فما موقع العقيدة القومية الاجتماعية في مشروع سعادة؟ الإجابة تكمن في التمييز بين المجتمعات السليمة التي حافظت على سيادتها ووحدة حياتها، والمجتمعات المريضة التي فقدت سيادتها وتفككت بنيتها الاجتماعية.
في الحالة الطبيعية، ينشأ الوجدان القومي تلقائياً مع تطور المجتمع وتمدنه. لكن الأمة السورية، بحسب تشخيص سعادة، عانت من فقدان السيادة لقرون طويلة، ومن أمراض اجتماعية مزمنة كالتفرق الطائفي والعصبيات الضيقة، مما أدى إلى “غياب” وجدانها القومي، أي إلى غيابه عن الفعلية رغم بقائه بالقوة. هنا يصبح من الضروري اللجوء إلى فعل إرادي واعٍ مدرك – أي إلى عقيدة قومية اجتماعية ومدرسة فكرية منظمة – من أجل إيقاظ هذا الوجدان وإعادة بنائه. وقد عرّف سعادة حزبه بأنه “فكرة وحركة تعنى بحياة أمة بأكملها”^3، مؤكداً أن العقيدة ليست مجرد نظرية بل فعل إرادي واعٍ يهدف إلى إيقاظ الوجدان القومي.
العقيدة إذن ليست مصدر الوجدان القومي، بل فعلاً إرادياً واعياً لإحيائه في ظروف استثنائية. وهي تختلف عن الوجدان في أنها نتاج فكر واع ومنهج منظم، بينما الوجدان نتاج تطور طبيعي. غير أن العقيدة تفشل إذا لم تكن متجذرة في وجود وجدان قومي كامن في الأمة. فالحزب السوري القومي الاجتماعي، كما يقول سعادة، لا يخلق الأمة من العدم، بل “يوجد الوجدان القومي” في أمة “كانت غائبة”. ومعنى “الإيجاد” هنا هو الإخراج من القوة إلى الفعل، من الكمون إلى اليقظة.
من هنا تتجلى أهمية “الوحدة الروحية” التي تتحدث عنها خطابات الأول من آذار. فهذه الوحدة ليست هي الوجدان القومي نفسه، بل هي ثمرة العقيدة في أمة شرعت تستعيد وعيها. إنها حالة من الانسجام الفكري والنفسي والعملي بين أفراد الجماعة الذين آمنوا بالعقيدة، وأصبحوا قادرين على العمل الموحد من أجل استعادة السيادة وبناء النهضة. وهذه الوحدة هي شرط ضروري ليتحول الوجدان القومي من شعور خام إلى قوة تاريخية فاعلة.
ثالثاً: رفض النزعة العرقية: الأمة كإرادة ومصير
قبل المقارنة مع علم الاجتماع الحديث، لا بد من التوقف عند موقف سعادة الحاسم من النظريات العرقية التي كانت سائدة في عصره. ففي زمن كان فيه كثير من المفكرين الأوروبيين يتبنون أفكاراً عن تفوق عرق على آخر أو عن نقاء السلالات، كان سعادة يعلن بوضوح أن كل المجتمعات على وجه البسيطة مزيج سلالي^2، وأن ما يوحد الأمة ليس الدم بل وحدة الحياة على الأرض القومية ووحدة المصير والثقافة المتكونة عبر الزمن. وهو يعرّف الأمة بأنها وحدة حياة مجموعة من الناس في بيئة جغرافية محددة^4، متجاوزاً بذلك المفاهيم العرقية واللغوية والدينية السائدة.
هذا الموقف يضع سعادة في طليعة المفكرين الذين سبقوا نقد “القومية العرقية” بزمن طويل. فالأمة عنده ليست جماعة دم، بل جماعة تعي وحدة المصير. والوجدان القومي ليس غريزة بيولوجية، بل وعي تاريخي واجتماعي. وهذا ما يفسر تركيزه على مفهوم “النهضة” بوصفها مشروعاً إرادياً، وليس مجرد استعادة لماضٍ أسطوري.
رابعاً: سعادة وبنديكت أندرسن: المجتمع المتخيل مقابل الشخصية العضوية
يُعد بنديكت أندرسن، في كتابه “المجتمعات المتخيلة” (1983)، من أبرز منظري القومية في العصر الحديث. يرى أندرسن أن الأمة “مجتمع متخيل سياسياً”، لأن أفرادها لا يمكن أن يعرفوا جميع زملائهم في الأمة، ومع ذلك فإن في ذهن كل منهم “صورة تواصلهم”. وهذا التخيل أصبح ممكناً بفضل “رأسمالية الطباعة” التي وحدت اللغات وخلقت فضاءً مشتركاً للتواصل، ثم انتشر عبر أنظمة التعليم والإدارة الحديثة.
إذا قارنا هذه الرؤية مع فكر سعادة، نجد نقاطاً مشتركة وأخرى من الافتراق الجوهري. يتفق سعادة مع أندرسن في أن القومية ظاهرة حديثة، ترتبط بالتمدن والتطور الاجتماعي، وأنها تتطلب وسائل اتصال وتواصل. كما يتفق معه في رفض النظرة العرقية البيولوجية للأمة. غير أن الافتراق يبدأ من نقطة حساسة: أندرسن يرى أن الأمة “متخيلة”، أي أنها بناء خطابي وثقافي إلى حد كبير، بينما سعادة يرى أن الأمة “شخصية” حقيقية، أي أنها مركَّب اجتماعي – اقتصادي – نفساني قائم في الواقع، وليس مجرد تخيل.
بالنسبة لسعادة، الوجدان القومي ليس وهماً جماعياً، بل هو شعور حقيقي ينبثق من العلاقات المادية والمعنوية التي تربط أفراد الجماعة. إنه ليس نتاج الصحف والمدارس فقط، بل نتاج تاريخ طويل من وحدة الحياة في بيئة جغرافية واضحة الحدود الطبيعية، ومواجهة أخطار تهدد المجتمع، وبناء مصالح متشابكة. وإذا كان التخيل يلعب دوراً في الوعي القومي، فإنه تخيل يرتكز على واقع ملموس، لا تخيل محض. وقد أسس سعادة رؤيته هذه على ما سماه “المذهب المدرحي” (المادي الروحي)، القائم على التفاعل الدائم بين المادي والروحي^5.
وهنا يظهر تفوق مفهوم سعادة من جهة، وإشكالياته من جهة أخرى. التفوق يكمن في أنه لا يختزل القومية إلى خطاب أو إعلام، بل يربطها بالبنى الاقتصادية والاجتماعية. أما الإشكالية فتتمثل في أن مفهوم “الشخصية” قد يُفهم فهماً عضوياً ميتافيزيقياً إذا لم يُربط بشكل صارم بالظروف التاريخية المادية. لكن سعادة، بتركيزه على “المركَّب الاجتماعي – الاقتصادي – النفساني”، يحاول تجاوز هذه الإشكالية.
خامساً: الوحدة الروحية كجسر بين التلقائية والإرادة
نعود أخيراً إلى خطابات الأول من آذار وغيرها . في هذه الخطابات، لا يحتفل سعادة بوجود وجدان قومي مفترض، بل يحتفل ببدء تحققه. فقد أكد في خطاب الأول من آذار 1943 أن اجتماعات القوميين الاجتماعيين تهدف إلى إثبات “وحدتهم الروحية والعملية في العقيدة والشعور والجهاد”^6. إنه يحتفل بأن القوميين الاجتماعيين، رغم فقدان الأمة لسيادتها وتفككها الطائفي والعرقي، استطاعوا أن يحققوا هذه الوحدة. وهي إنجاز إرادي، ثمرة الالتزام بالعقيدة والعمل الموحد. وهي في الوقت نفسه الجسر الذي يعيد بناء الوجدان القومي، لأنها تُظهر للأمة جمعاء أن الوحدة ممكنة، وأن شخصية الجماعة يمكن أن تظهر من جديد.
الوحدة الروحية إذن هي المختبر الذي تُختبر فيه إمكانية النهضة، وهي النواة التي ينمو منها الوجدان القومي من جديد. فإذا كان الوجدان القومي في المجتمعات السليمة ينشأ تلقائياً، فإنه في المجتمعات المريضة يحتاج إلى نواة تحمل الإرادة تحاكي شروط نشوئه الطبيعي، ثم تعممها على الأمة كلها. وهذا هو الدور الذي قام به الحزب القومي الاجتماعي في فكر سعادة: أن يكون النواة التي تعيد للأمة وعيها بشخصيتها، لتعود أمة حية فاعلة في التاريخ. وهو يرى أن حزبه ليس حزباً تقليدياً، بل “فكرة وحركة”^3 تهدف إلى إعادة بناء المجتمع على أسس علمانية حديثة، من خلال القضاء على الأمراض الاجتماعية المزمنة كالطائفية والإقطاع والوهم العرقي.
خاتمة
يخلص هذا التحليل إلى أن مفهوم الوجدان القومي عند سعادة هو مفهوم أصيل ومعقد، يتجاوز كلاً من النظرة العضوية الساذجة (القائمة على الدم والعرق) والنظرة الخطابية المفرطة (التي تختزل الأمة إلى تخيل). فالوجدان القومي عنده هو ظاهرة تلقائية لكنها تحتاج، في ظروف الاضمحلال، إلى إرادة لإيقاظها. والعقيدة القومية الاجتماعية هي تلك الإرادة. والوحدة الروحية هي ثمرتها الأولى.
وهكذا، فإن خطابات الأول من آذار لا تتناقض مع تعريف سعادة للوجدان القومي، بل تكملها وتطبقها على الحالة السورية الخاصة. إنها خطابات أمة تريد أن تستعيد نفسها، لا خطابات أمة وجدانها مستيقظ. وفي هذا سر قوتها وأصالتها.
Post Views: 31