فرضت بيئة الصحراء على البدوي قيما معينة مثل تزاوج شمائل حماية من يلجأ اليه ,ثم التفاخر بالحسب والنسب الخ , وغير ذلك من قيم سلبية مثل الفظاظة والتوحش والغلو الديني ثم الاعتماد على الغزو والنهب , فالصحراء على سبيل المثال لا تقدم سبلا لممارسة الزراعة , التي تصقل العقل والعضل بخواص الانتاج والعيش من المنتج ,ثم كانت هناك النظرة الدونية للانثى الضعيفة عضليا , والتي لاتتمكن من ممارسة السطو على القوافل التجارية ونهبها كالذكر , هناك ايضا الثأر كبديل رادع عن العقوبة وعن القضاء , اذ أن التأسيس لقضاء عادل يتطلب وجود الانصياع لهذا القضاء العادل ,الذي يتضارب وجوده مع وجود زعيم القبيلة , الذي يعمل كقاضي ايضا متحيزا بشكل مطلق لنفسه ولزبانيته الخ .
نظرا لعدم وجود مصدرا للرزق كالزراعة , يصبح السطو والنهب مصدرا للعيش , والسطو يتطلب رجالا أشداء في ممارسة الحروب , والحرب تعني قتال واقتتال , لذلك اصبحت الحروب والقتال مهنة البدوي وهوايتة , عندما لايجد البدوي عدوا خارجيا يتحارب داخليا ويتقاتل ذاتيا , الشغف بالقتال كان ولا يزال من أبرز معالم الشخصية العربية البدوية , التي لم تعرف قبل وبعد الدعوة المحمدية أكثر من ممارسة الحروب .
لا تشترط البدوية لبس الجلابية , هناك عقليات بدوية عند الذين يرتدون البدلة الرسمية ,الأهمية هي للعقلية وليس للكسوة الخارجية ,البدلة ممكنة في المدينة والبقاء في العقلية البدوية ممكن في المدينة ومريح لأنه لايتطلب جهدا للتطور , والتطور عسير بدون تفاعل واحتكاك مع الغير ,التفاعل يتطلب ثقافة, والنوع الشفهي من الثقافة اي الثقافة الشفهية مثل خطب المشايخ ايام الجمع لاتمكن الفرد من ممارسة الحوار , لانه لاحوار في خطب الجمع .
الثقافة الشفهية ليست ثقافة حوار وبالتالي لاتسمح بالاحتكاك والتفاعل المنتج , تعتبر الثقافة “شفهية” عندما لايتم اكتسابها عن طريق القراءة , التي ينفر البدوي منها, وبالتالي لايتمكن من التعرف على ماهو جديد , فالعربي المتبدون في هذه العصر يقرأ صفحتين سنويا , بينما يقرأ البرتغالي ٣٥ كتابا سنويا , والفرنسي أو الألماني او حتى الاسرائيلي الخ يقرؤون أكثر من ٤٠ كتابا سنويا , وبالرغم من التدين الشديد وآية اقرأ باسم ربك الخ ,لم يقرأ البدوي وماذا او كيف سيقرأ البدوي في ذلك الوقت ؟ , ففي ذلك الوقت كان البدو اميون بالمطلق , ولم يكن هناك كتابا واحدا ,بعد عشرات السنين اتى كتاب الدين بدون تنقيط , وانحصرت القراءة بهذا الكتاب , حتى في هذا العصر تحتاج قراءة كتابا واحدا الى جيش من ٨٠ عربي , وبالتالي ينعكس ذلك على الثقافة , فثقافة أوروبي واحد تعادل ثقافة ٢٨٠٠ عربي او ٣٢٠٠ اسرائيلي وذلك حسب الاحصائيات في تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة لعام ٢٠٠٣,عدد الكتب التي تطبع في كل البلدان العربية بلغ ٦٥٠٠ كتاب سنويا مقارنة مع ١٠٢٠٠٠ كتاب في أمريكا , اضافة الى ذلك لعبت نوعية الكتب دورا كبيرا في مجال الثقافة , ففي معرض الكتاب في القاهرة كانت الكتب الدينية الأكثر مبيعا , وفي الدرجة الثانية كتب الطبخ اما الدرجة الثالثة فقد احتلتها كتب الأبراج , أغلب الظن أن الوضع في معرض الكتاب عام ٢٠٢٦ في دمشق لم يختلف بشكل جذري عن معرض الكتاب في القاهرة وبقية العواصم العربية, كل ذلك برهن عن هيمنة الثقافة الشفهية وعن التاثير الشديد لخطب المشايخ ايام الجمع أي تلقين الثقافة الشفهية , اضافة الى الولع بالتلفيزيونات والمسلسلات والقنوات والاهتمام الشعبي الشديد بالاشاعات الشفهية وليس بالمكتوب , العرب لايقرؤون !!!!
للثقافه الشفهية البدوية علاقة وثيقة مع ممارسة العقل لوظائفه ومهماته , اعتماد العقل على الثقافة الشفهية يحوله الى عقل على قدر كبير من المقدرة على تحمل الاعوجاج باستسلامية مذهلة ,لايتمكن العقل المستسلم من التعرف على الهمجية وبالأخص على معالجتها , ولايتمكن من ادراك الفوضى والتمكن من ازالتها , ولا يتمكن من ايجاد افق جديدة تحول الأفراد الى افراد في مجتمع وليس الى قطيع من الأفراد , ثقافة الاعتماد على الفرد هي ثقافة “بطل الأمة” الذي نعرفه من خلال معايشتنا للبطل والبطولات الفردية محليا ,لدى العرب ملايين الأبطال ,بينما لايوجد في اليابان وألمانيا بطلا واحدا كفرد , فالمجتمع في تلك الدول هو “البطل ” .
الحرص على مصلحة الفرد(جماعة الأفراد مقابل مجتمع الأفراد ) كان سببا رئيسيا من أسباب تشجيع قادة جيوش الفتوحات على البذل , لقد كان لكل منهم مدينة يحكمها ويستغلها كما يريد , فلشرحبيل مدينته كغيره من القادة , المشجع الرئيسي للمقاتلين للتفاني في الحروب كانت حصتهم من غنائم الحرب حسب قاعدة الخمس للخليفة والاربعة أخماس للمقاتلين !.
من يتعرف على كتاب ادارة التوحش لأبي بكر ناجي , يجد فصلا موسعا حول فهم داعش لموضوع المحاربين ورواتبهم وحصصهم من السبايا والغنائم , لقد تمركز اهتمام داعش في البدء على السيطرة على موارد الرزق والمال كالبترول ومبيعات الآثار وتحصيل الجزية من المشركين , وذلك للتمكن من اعطاء كل محارب راتبا شهريا قيل أنه بلغ ١٠٠٠ دولار , اضافة الى مسكن لعائلته ونسائه , التاريخ أعاد نفسه واستمر بداعش فترة ليست قصيرة.
بقي الانسان العربي فردا أو أفرادا يعيشون الى جانب بعضهم البعض وليس مع بعضهم البعض , وهذا هو أحد أهم أسباب فشل العرب ,الذين لم يتمكنوا من التحول الى مجتمعات , فشل العرب كان عموما ترجمة لفشل البداوة القبلية ,تبدون اهل بلاد الشام بفعل الغزو والاحتلال لمدة 1000 عام …. وتحولوا الى بدو في منطقة خضراء بدون صحراء!, تلك هي المفارقة القاتلة !