خطوات المعرفة العلمية وتطبيقها في دراسة المجتمع السوري !

سعادة عبد الرحيم :

مشاكل قطاع الصحة بالمغرب - www.le360.ma | كاريكاتيرقراءة في منهج أنطون سعاده ورهانات النهضة

مقدمة: سؤال المنهج
تبدأ المعرفة العلمية بسؤال بسيط: كيف نعرف؟ وقبل أن ندرس أي ظاهرة اجتماعية، علينا أن نسأل: بأي أدوات نقترب منها؟ هل نكتفي بالانطباعات والروايات الجاهزة؟ أم نخضع الموضوع لمنهج نقدي يفحص الفرضيات ويختبر النتائج؟
” فالمعرفة والفهم هما الضرورة الاساسية الاولى للعمل الذي نسعى لتحقيقه”
سعاده
في العلوم الإنسانية، تختلف أدوات المعرفة عن العلوم الطبيعية. لا يمكننا وضع مجتمع في أنبوب اختبار، ولا يمكننا إعادة إنتاج الأحداث التاريخية في مختبر. لكن هذا لا يعني الاستسلام للعشوائية. هناك خطوات منهجية يمكنها توجيه الباحث نحو معرفة أكثر صرامة:
1. الملاحظة ورصد الظواهر كما تظهر في الواقع
2. طرح السؤال الجوهري الذي يؤطر البحث
3. جمع المعلومات من مصادر متعددة (تاريخ، اجتماع، سياسة، فلسفة)
4. بناء الفرضيات القابلة للاختبار
5. الاختبار عبر المقارنة وتحليل الحالات
6. استخلاص النتائج مع الإبقاء على هامش للمراجعة
7. التواصل لعرض النتائج على النقد العام
هذه الخطوات تمثل الإطار الذي يمكننا من التمييز بين المعرفة العلمية والخطاب الأيديولوجي. لكن الأهم هو تطبيقها على أرض الواقع.
أولاً: أنطون سعاده وبناء المعرفة عن المجتمع السوري (سورية الطبيعية “مابين النهرين وبلاد الشام”)
في ثلاثينيات القرن الماضي، طرح أنطون سعاده سؤالاً جوهرياً على مجتمعه: “من نحن؟”
هذا السؤال لم يكن خطابياً عابراً. كان مدخلاً منهجياً لدراسة المجتمع السوري ، في زمن كانت الانقسامات الداخلية – الدينية والمذهبية والعرقية والمناطقية – اضافة للتخلف تعيق أي مشروع نهضوي.
1. الملاحظة الأولى: مجتمع منقسم
رصد سعادة واقع مجتمعه: متخلف غابت عنه حقيقته عصبيات متقابلة، كل جماعة تعرف نفسها بنفي الأخرى، هويات متصارعة تمنع تشكل أي مشروع جمعي. الملاحظة كانت واضحة: مجتمع يمتلك مقومات الوحدة (جغرافيا ،بيئة جغرافية، تاريخ طويل، مصالح متداخلة) لكنه يعيش حالة تخلف وتفسخ.
2. العودة إلى مصادر المعرفة
لم يكتف سعادة بالملاحظة السطحية. عاد إلى:
· علم الاجتماع: لدراسة بنية المجتمع وعلاقاته الداخلية
· التاريخ: لفهم التراكم الطويل لتجربته التي تشكل نفسيته وتفاعله مع هذه الجغرافيا التي حمت تفاعله وفعلت به
· السياسة: علاقات القوة والسلطة
· الفلسفة: لبناء رؤية كلية تتجاوز الجزئيات
هذا التعدد المنهجي هو عين العلمية. أي دراسة جادة للظاهرة الإنسانية تحتاج إلى أدوات متعددة لا تختزل التعقيد.
3. النتيجة: الأمة السورية كحقيقة تاريخية واجتماعية
خلص سعادة إلى أن المجتمع السوري هو مزيج سلالي تفاعلت مكوناته عبر آلاف السنين في بيئة جغرافية واحدة. هذا التفاعل الطويل أنتج أمة متجانسة في أعماقها، رغم تنوع مظاهرها السطحية.
الأمة السورية عنده هي:
.وحدة الحياة الاجتماعية
· وحدة نفسية
· وحدة مصلحية : وحدة المصير الااقتصادي والاجتماعي
· هذا وحد االاتجاه في الثقافة والحضارة
4. تشخيص المشكلة: العصبيات كعائق
إذا كانت الأمة موجودة كحقيقة موضوعية، فلماذا يبدو المجتمع منقسماً؟ الإجابة: غياب حقيقته عنه ونمو العصبيات الدينية والمذهبية والعرقية التي تغذي الانقسام والتخلف .
· أيديولوجيات انفصالية تخدم مصالح داخلية وخارجية
· غياب حقيقة المجتمع وعيه بالوحدة الطبيعية العميقة
· استغلال سياسي للاختلافات السطحية
5. الحل: مشروع نهضوي متكامل
طرح سعادة حلولاً على مستويات متعددة:
· على المستوى الاجتماعي: قال ان الاشتراك الفعلي بالحياة على بيئة جغرافية واضحة الحدود الطبيعية هو ما يولد الامة بغض النظر عن العرق والدين واللغة
فصل الدين عن الدولة، لتحييد الانقسامات الدينية والمذهبية وبناء مواطنة مدنية جامعة.
· على المستوى الفكري: محاربة التفسخ الروحي بين العقائد بفلسفة “المدرحية” (النظرة الكلية) التي تتجاوز الثنائيات المصطنعة روح ، مادة او روح ومادة وتؤسس لعقلية أخلاقية جديدة قادرة على استيعاب التنوع ضمن الوحدة.
. الدعوة لإقامة نظام جديد .
· على المستوى العملي الواقعي : اسس حركة (الحزب السوري القومي الاجتماعي) تحمل هذه الرؤية وتعمل على نشرها وتجسيدها في الواقع الاجتماعي.
هذه الحلول لم تكن نظرية مجردة، بل خطة عمل تستند إلى تشخيص علمي دقيق.
اختبار الفرضية في الزمن
ما يميز الفكر العلمي عن غيره هو قابلية فرضياته للاختبار. بعد قرن تقريباً على طرح سعادة رؤيته، يمكننا النظر إلى الواقع السوري لفحص مدى صحة تشخيصه وفعالية حلوله.
نرى ان المجتمع السوري لا يزال يحتاج الى
. نظرته الى الامة لتجاوز الصراعات المسماة بالعرقية .
. فصل الدين عن الدولة لتجاوز الصراعات الدينيةو المذهبية
. نظرته الاقتصادية لتجاوز الوضع الاقتصادي الذي تمر به سورية بكل كياناتها .
. العقلية الاخلاقية الجديدة التي دعا اليها .
1. التحديات التي واجهت المشروع
منذ تأسيس الحزب عام 1932، واجه الفكر السوري القومي الاجتماعي:
· محاربة داخلية: من قوى الانقسام المستفيدة من بقاء المجتمع ممزقاً (نخب طائفية، سياسيون تقليديون، أمراء حرب).
· محاربة خارجية: اغتيال المؤسس عام 1949، وحظر الحزب فترات طويلة، وتهميشه إعلامياً.
· تحولات إقليمية ودولية: صعود القوميات الأخرى(اللبنانية والعربية) بسبب فترات الحظر والإقصاء السياسي الطويلة التي أبعدته عن الساحة السورية/الشامية لعقود، وعن لبنان لفترات أقصر، ثم الحرب الباردة، والعولمة، والتدخلات الخارجية .
رغم ذلك، استمر الحزب و نما، وبقي فكره حاضراً في النقاش الثقافي والسياسي، خصوصاً في الأوساط المثقفة. هذه الظاهرة تستحق الدراسة: كيف يصمد خطاب الوحدة في زمن التفسخ؟
2. الاختبار الأقسى مثال سورية/ الشام: الحرب عليها
عام 2011، دخلت سورية/ الشام في نفق مظلم. ما حدث لم يكن مجرد أزمة سياسية عابرة، بل حرب تفكيك ممنهجة استهدفت المجتمع والدولة معاً. إذا نظرنا إلى الأحداث بعيون منهجية، يمكننا ملاحظة:
أولاً: استهداف التنوع السوري
لم تكن الحرب موجهة ضد نظام فقط،بل ضد النسيج الاجتماعي نفسه.
نتيجة هذه الحرب هجرة و تهجير الملايين، تدمير مناطق بأكملها، تفجير المساجد والكنائس معاً .
ثانياً: تدمير الدولة
ضربت البنية التحتية للدولة بشكل ممنهج:
· المشافي والمراكز الصحية (حرمان الناس من الخدمات الأساسية)
· المدارس والجامعات (استهداف مستقبل البلاد)
· محطات توليد الكهرباء، بما فيها المحطة المائية على الفرات (شل الحياة اليومية)
· البنى الاقتصادية (تدمير فرص العيش)
هذا التدمير لم يكن عشوائياً. كان يهدف إلى جعل الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها أو تقديم الخدمات لهم. النتيجة: “دولة تحكم خرابة” كما وصفها أحد المواطنين.
ثالثاً: اضاءة علىالدور الخارجي
اعترافات مسؤولين كبار(مثل رئيس وزراء قطر السابق حمد بن جاسم) كشفت عن حجم التمويل الخارجي للقوى المسلحة: أكثر من 130 مليار دولار من قطر وحدها، بالإضافة إلى تمويل خليجي آخر، ومئات الإذاعات والقنوات الفضائية التي حرضت على العنف والطائفية.
هذا الدعم لم يهدف إلى “مساعدة شعب” بل إلى توجيه الصراع لخدمة مصالح إقليمية ودولية. كل شيء كان معدا إعداداً جيداً ليس لهدم النظام فقط، بل لهدم المجتمع السوري/ الشامي.
ثالثاً: المقارنة بين التشخيص والواقع
إذا عدنا إلى تشخيص سعادة ومقارنته بالواقع الراهن، نجد:
ما تأكد من تشخيصه:
· صحة القول إن المجتمع السوري مزيج سلالي متشابك، وإن أي محاولة لتفكيكه ستكون دموية.
· صحة التحذير من أن العصبيات (خصوصاً الدينية والمذهبية) هي أخطر أعداء الوحدة الوطنية.
· صحة القول إن القوى الخارجية ستستغل هذه العصبيات لتمزيق البلاد.
ما تجاوز تشخيصه:
· حجم التدمير الخارجي الممنهج فاق ما كان متوقعاً.
· قدرة القوى الطائفية على تدمير الدولة والمجتمع معاً كانت أكبر مما تصور.
· ضعف المشروع الوطني أمام هذه العاصفة كشف حاجة ماسة إلى إعادة بناء الأدوات.
رابعاً: أين نذهب من هنا؟
السؤال المنهجي الآن ليس “من المسؤول عن الماضي؟” بل: كيف نبني مستقبلاً في ظل هذا الخراب؟
1. الاعتراف بالتعقيد
أي مشروع نهضوي اليوم يجب أن يبدأ بالاعتراف بأن:
· المجتمع السوري تعرض لحرب تفكيك ممنهجة استهدفت نسيجه الاجتماعي ودولته معاً.
· الجراح عميقة، والثقة بين المكونات شبه معدومة.
· القوى الإقليمية والدولية لا تزال تمارس دوراً تفكيكياً.
وهذا يدعو بشدة الى حضور سؤال سعادة “من نحن” بقوة والى حضور اجابته عليه .
2. العودة إلى المنهج
نحن بحاجة إلى إعادة تطبيق خطوات المعرفة العلمية على واقعنا الجديد:
· ملاحظة جديدة: ما هي طبيعة الانقسامات اليوم؟ كيف تغيرت بعد الحرب؟
· أسئلة جديدة: كيف نعيد بناء الثقة؟ كيف نحمي التنوع دون أن نقع في فخ التقسيم؟
· فرضيات قابلة للاختبار: هل يمكن بناء دولة مدنية بعد هذه التجربة المريرة؟
· أدوات متعددة: التاريخ، الاجتماع، السياسة، الفلسفة، كلها ضرورية لفهم ما حدث وما يمكن فعله.
3. استثمار ما تبقى
رغم كل شيء، ما زال هناك سوريون يؤمنون بوطن جامع. ما زال هناك من يحملون فكرة الوحدة في زمن التقسيم. ما زال الحزب السوري القومي الاجتماعي وفكره حاضرين، مع أعضائه من كل الأديان والمذاهب والأعراق، كشاهد على إمكانية التعايش ضمن رؤية كلية.
هذه جزيرة تماسك في بحر من التفسخ يمكن البناء عليها.
4. برنامج للمستقبل
أي برنامج جاد يجب أن يشمل:
· توثيق الجرائم: لما حدث ولما يحدث، لأن النسيان ليس خياراً.
· حماية ما تبقى: من مؤسسات وطنية ومن نسيج اجتماعي.
· بناء خطاب جامع: يتجاوز الطائفية ولا ينفي التنوع.
· إعداد كوادر: قادرة على إعادة البناء عندما تسمح الظروف.
خاتمة: العلم في خدمة النهضة
ما قدمه أنطون سعاده لم يكن مجرد أيديولوجيا، بل كان محاولة جادة لتطبيق المنهج العلمي على دراسة المجتمع السوري. تشخيصه للمشكلة كان دقيقاً، وحلوله كانت متكاملة. لكن الظروف الموضوعية – خصوصاً التدخلات الخارجية الممنهجة – حالت دون تطبيق هذه الرؤية.
اليوم، والواقع أسوأ مما كان عليه في زمن سعادة، نحن بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة مشروعه بعيون منهجية نقدية. لسنا بحاجة إلى تقديس الماضي، بل إلى استلهام المنهج: كيف نلاحظ بدقة، ونسأل بجرأة، ونجمع المعلومات من كل المصادر، ونبني فرضيات قابلة للاختبار، ثم نستخلص نتائج تخدم نهضة مجتمعنا.
الطريق صعب، والجراح عميقة، لكن لا نهضة بلا معرفة، ولا معرفة بلا منهج.
” المجتمع معرفة والمعرفة قوة”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *