قراءة في مسار التضليل السياسي في سورية والمنطقة….

تمهيد: بين وهمين
على مدى القرن العشرين، تعرضت سورية والمنطقة العربية لمشروعين كبيرين من “الأوهام” السياسية: الوهم العروبي الذي تغنى بوحدة شاملة دون مقدماتها المادية، والوهم الماركسي الذي استورد صراعاً طبقيًا من بيئة أوروبية مختلفة تماماً. وإذا كان الوهم العروبي قد كرس التبعية والتشرذم تحت شعارات الوحدة البراقة، فإن الوهم الماركسي كان أكثر خطورة لأنه جاء بقناع ثوري أممي، بينما مارس في العمق عنصرية عرقية وطائفية، وكرس الانقسامات، وكان أداة طيّعة بيد القوى الاستعمارية. غير أن الماركسية في منطقتنا لم تكن كتلة واحدة؛ فقد شهدت تناقضات حادة، منها مشاركة ماركسيين لبنانيين في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، مما يستدعي تحليلاً دقيقاً لفهم طبيعة هذه التناقضات.
أولاً: الوهم العروبي – البديل الآمن للاستعمار
لقد كان الوهم العروبي عروبة عاطفية تتغنى بالوحدة الشاملة الفورية، بينما تبقى التجزئة واقعاً قائماً. وصلت أنظمته إلى السلطة بالانقلابات العسكرية وليس بالثورات الشعبية، وتبنت معاداة ظاهرية للاستعمار مع تبعية خفية له. وظفت الدين لاكتساب الشرعية، وحجبت المشروع العلماني التحرري الذي قدمه سعاده. كانت، باختصار، أفيون الشعوب الذي ألهى الجماهير بشعارات الوحدة بينما كرس التبعية والتشرذم.
ثانياً: جذور الوهم الماركسي في سورية – نظرة تأسيسية مشوهة
الحزب الشيوعي السوري لم يولد من رحم حركة وطنية عفوية، بل تشكل على يد مجموعات وافدة. فقد تألفت مجموعته الأولى (عصبة سبارتاكوس) من الأرمن المهاجرين حديثاً، الذين لم يستطيعوا تجاوز هويتهم الأرمنية رغم الشعارات الأممية. أما مجموعته الثانية (حزب الشعب اللبناني) فقد تشكلت بدعم من شيوعيين يهود قادمين من فلسطين. هذا التكوين جعل الحزب ينظر إلى المجتمع السوري ليس كأمة واحدة، بل كمجموعة أقليات، ومن ضمنها أقلية يهودية وافدة. وقد خدمت هذه النظرة المشروع الصهيوني مباشرة، لأنها شرّعنت الوجود اليهودي في المنطقة كـ”أقلية” من حقها الحماية والتمثيل، ونفت فكرة الأمة الواحدة المتجانسة.
علاوة على ذلك، تبنى الحزب الشيوعي السوري النموذج السوفييتي “مجلس القوميات” الذي كان يعترف رسمياً بالتعددية الإثنية ويمنحها تمثيلاً مستقلاً. هذا النموذج يكرس التعددية ولا يصهرها، بل يحافظ على الحدود القومية ويمنحها شرعية مؤسساتية، مما عزز النظرة التفتيتية للمجتمع السوري.
ثالثاً: النتائج الكارثية لهذه النظرة التأسيسية
عندما صوّت الاتحاد السوفييتي لصالح تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947، انقلب الشيوعيون العرب فجأة ليؤيدوا القرار.
أيد الحزب الشيوعي السوري/ الشامي بقيادة خالد بكداش التقسيم تبعاً لموسكو، مما أثار مظاهرات غاضبة وقراراً بحل الحزب. هذا الموقف لم يكن مجرد تبعية سياسية، بل كان تعبيراً عن نظرة ترى في فلسطين ساحة لصراع أقليات، وليس جزءاً عضوياً من الأمة. القبول بالاستيطان كان نتيجة طبيعية لرؤية تشرعن الوجود اليهودي كأقلية.
كما أن الحزب قبل بتقسيم نفسه وفق الرغبة الاستعمارية الفرنسية. في الأربعينات، رغبت فرنسا الاشتراكية (الاستعمارية) في إبقاء سورية/الشام ولبنان منفصلين، وبموافقة الاتحاد السوفييتي، تم تقسيم الحزب الشيوعي إلى حزبين: سوري/شامي ولبناني. هذا التقسيم كان ضد منطق الوحدة الوطنية، لكنه تماشى مع المصالح الاستعمارية الفرنسية ومع النظرة التأسيسية للحزب.
وانعكس منطق “مجلس القوميات” داخل الحزب نفسه، فشهد انقسامات متعددة، بعضها اتخذ طابعاً قومياً (عربي-كردي). وهكذا تحول حزب يفترض أن يكون طليعة ثورية إلى مرآة تعكس الانقسامات التي كان يفترض أن يعمل على تجاوزها.
رابعاً: التناقض الماركسي – أممية الشعار، عنصرية الممارسة
نظرياً، الماركسية أممية تضع الصراع الطبقي فوق القوميات. لكن في تطبيقات الشرق الأوسط، وجدت الحركات القومية غير العربية في الماركسية غطاءً مثالياً: تقديم المطالب العرقية كـ”نضال ضد الاضطهاد القومي”، واكتساب شرعية ثورية ودعم دولي. النتيجة: حركات ماركسية في الظاهر، عنصرية عرقية في الجوهر.
ويتجلى هذا التناقض بوضوح في حزب العمال الكردي (PKK)، الذي بدأ كحركة ماركسية لينينية في السبعينيات، لكن خطابه النظري الأممي أخفى جوهراً قومياً كردياً ضيقاً. وقد تحالف مع القوى الإمبريالية (أمريكا) ضد الدولة السورية، وقاتل إلى جانب القوات الأمريكية، وأسس كياناً انفصالياً تحت الحماية الأمريكية. المفارقة الصارخة: حركة ماركسية تتحول إلى أداة بيد أقوى قوة إمبريالية في العالم، فتسقط الأممية ويبقى العرق.
خامساً: إضاءة على تناقض آخر – ماركسيون لبنانيون يقاتلون إسرائيل
غير أن الصورة ليست أحادية الجانب. ففي عام 1982، عندما اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان ووصل إلى بيروت، شاركت الأحزاب الماركسية اللبنانية بفعالية في المقاومة المسلحة. الحزب الشيوعي اللبناني، ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان، والحزب التقدمي الاشتراكي، الحزب السوري القومي الاجتماعي تحالفت مع منظمة التحرير الفلسطينية في إطار “الحركة الوطنية اللبنانية”، وقدموا شهداء في معارك بيروت والجنوب. هذا الموقف البطولي يبدو متناقضاً مع صورة “التابع للإمبريالية” التي قد ترسخ في الأذهان.
فكيف نفهم هذا التناقض؟
أولاً: الفرق بين المراحل التاريخية مهم. بعد حرب 1967، شهدت الحركة الماركسية العربية تحولاً نحو تبني قضايا التحرر الوطني والقضية الفلسطينية بشكل أكثر جدية. كما أن وجود منظمة التحرير والمقاومة الفلسطينية في لبنان خلق تحالفاً عضوياً بين اليسار اللبناني والفلسطيني. وعندما يغزو جيش احتلال أرضك، يصبح القتال واجباً وطنياً حتى على الأحزاب التي لديها تناقضات مع الدولة.
ثانياً: ليست كل التيارات الماركسية متشابهة. فهناك تيارات ماركسية قومية (مثل بعض فصائل المقاومة الفلسطينية) مزجت بين الماركسية والتحرر الوطني، وتيارات ماركسية أرثوذكسية ظلت أكثر تبعية لموسكو، وتيارات ماركسية مستقلة حاولت التوفيق بين التحليل الطبقي والنضال الوطني. الاشتراكيون اللبنانيون الذين قاتلوا عام 1982 هم أقرب إلى التيار الأول والثالث.
ثالثاً: الماركسية تحمل تناقضاً داخلياً بين النزعة الأممية (التي قد تدفع نحو التبعية لموسكو) والنزعة التحررية (التي تدفع نحو مقاومة الاحتلال). هذا التناقض يفسر كيف يمكن لنفس الأيديولوجيا أن تنتج مواقف متناقضة: تأييد تقسيم فلسطين عام 1947، ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 1982.
ولكن، رغم الاعتراف بمشاركة الماركسيين اللبنانيين في المقاومة، يبقى النقد الجوهري للماركسية قائماً. فهذه المشاركة كانت جزءاً من سياق خاص: وجود مقاومة فلسطينية قوية، واجتياح إسرائيلي مباشر، وتحالفات داخلية مع الحركة الوطنية. وهي لا تنفي أن الماركسية كأيديولوجيا أنتجت في سياقات أخرى مواقف كارثية. كما أن المقاومة اللبنانية عام 1982 كانت مقاومة وطنية جامعة شاركت فيها قوى متعددة (إسلامية، قومية، مستقلة، وماركسية)، ولا يمكن اختزالها في البعد الماركسي وحده.
والأهم أن الماركسية اللبنانية نفسها كانت استثناءً نسبياً، تأثرت بالخصوصية اللبنانية (التعددية الطائفية، الانفتاح على الغرب، وجود مقاومة فلسطينية) مما جعلها أقل تبعية لموسكو من نظيرتها السورية/الشامية في بعض المراحل. ومع ذلك، بقيت التناقضات قائمة داخلها، في علاقتها المعقدة مع النظام السوري/الشامي، وانقساماتها الداخلية، وتراجع تأثيرها بعد اتفاق الطائف.
سادساً: مقارنة بين الوهمين – أيهما أخطر؟
إذا تأملنا المشروعين الوهميين، نجد أن الوهم العروبي يقوم على وحدة عاطفية شاملة مع بقاء التشرذم واقعاً، ويعتمد على انقلابات عسكرية بدعم خارجي، ويتبنى معاداة ظاهرية للاستعمار مع تبعية خفية، ويوظف الدين لاكتساب الشرعية، ويرفع شعارات الوحدة بينما يكرس التقسيم فعلياً، ويكتفي بشعارات تحرير فلسطين مع تخاذل عملي.
أما الوهم الماركسي فيقوم على صراع طبقي مستورد مع تكريس العرق والطائفة في التطبيق، ويتجسد في تنظيمات عرقية تتحالف مع الإمبريالية علناً أحياناً، ويتبنى علمانية شكلية تخفي عنصرية عرقية، ويعمل على تكريس الانقسامات العرقية، واقترف جريمة كبرى بتأييده تقسيم فلسطين عام 1947.
وإذا كان الوهم العروبي “أفيون الشعوب” الذي ألهى الجماهير، فإن الوهم الماركسي كان أكثر خطورة لأنه قدم نفسه كبديل ثوري، بينما مارس تفتيتاً عرقياً وتحالفاً مع الإمبريالية، وكرس الانقسامات تحت شعارات التحرر. لكن المشاركة البطولية لبعض الماركسيين في مقاومة الاحتلال لا تعني براءة الأيديولوجيا، بل تكشف عن عجزها البنيوي عن تقديم مشروع متكامل، إذ تترك أتباعها في حيرة دائمة بين الأممية والوطنية، بين التبعية والاستقلال، بين الطبقية والعرقية.
خاتمة: مشروع سعاده – البديل الواضح والمتسق
في مقابل هذين الوهمين، قدم أنطون سعاده مشروعاً قومياً اجتماعياً فريداً يقوم على بناء القوة الذاتية للأمة السورية أولاً، ويهدف إلى صهر المكونات في بوتقة الأمة الواحدة، ويرفض التبعية لأي قطب دولي، ويتبنى علمانية تحررية تفصل الدين عن الدولة، ويرى في فلسطين جزءاً من سورية الطبيعية، ويدعو إلى جبهة عربية تقوم على أمم قوية متحالفة، لا على أوهام الوحدة الشاملة الفورية.
هذا الوضوح هو ما جعل سعاده خطراً وجودياً على الاستعمار وعلى أوهامه معاً، ولذلك اغتيل. وبينما كرس الوهم العروبي والوهم الماركسي التبعية والتفتيت، ظل مشروع سعاده شاهداً على طريق التحرر الحقيقي الذي ما زال ممكناً.

السؤال الجوهري: بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وفشل مشاريع العروبة الوهمية، وتكشف الوجه العرقي للماركسيات المحلية، وتبخر التناقضات التي علقت بها، هل آن الأوان لإعادة اكتشاف المشروع القومي الاجتماعي كبديل وحيد لبناء أمة موحدة قادرة على مواجهة التحديات؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *