جورج بنا , سيريانو :
الديكتاتورية في سوريا وغيرها من الكيانات العربية ليست “تهمة ” انما واقع لاينقصه أي برهان , واذا لم يكن الحكم في هذه الكيانات ليس ديكتاتوريا , ومن أسوء أشكال الديكتاتوريات ,فما هي طبيعة هذا الحكم !, هل كان ديموقراطي ؟؟ وهل يمكن لمخلوق , مهما كان تأخره العقلي , أن يدعي بأن الحكم كان ديموقراطي ؟, حتى رأس سلطة الأمس في سوريا لم يدع يوما ما بأن حكمه كان ديموقراطي ,لا بل علل ديكتاتوريته بعدم تأهيل الشعب لممارسة الديموقراطية , أي أن ديكتاتوريته كانت “ضرورة” , مذكرا بهذيان صدامي مشابه , حيث اطلق صدام حسين على نفسه اسم الرئيس “الضرورة” , أي الديكتاتورية الضرورية , فشعب الفهيم صدام كان بحاجة ماسة الى ديكتاتوريته , والبرهان في العراق انطبق على البرهان في سوريا ,الديكتاتورية اذن كانت “ضرورة ” هنا وهناك ,انظروا الى ماحل بالبلاد والشعب هنا وهناك !, حقيقة لالزوم للديكتاتورية الا في تهديم البلاد والفتك بالشعوب , وهذا مارأيناه طوال عشرات السنين !.
للديكتاتورية خصائص عدة , من أهمها خاصة الاستماتة في الدفاع عن نفسها , ولو كلف ذلك انهيار الوطن أو الدولة, هكذا علمتنا قصص الديكتاتوريات في كل انحاء العالم , والخاصة الثانية هي ممارسة العمل على احداث الفرقة في صفوف الشعب ضمانا لتسهيل عملية القضاء على كل معارضة , واحباط كل محاولة للقضاء على تلك الديكتاتورية.
لو اعتمد حكم على ارادة الناس لما حق لنا وصفه بالديكتاتورية , فالديكتاتورية أصلا هي ممارسة الهيمنة والسيطرة على ارادة الناس او الشعب وحكم الشعب ضد ارادته , لذلك لايعقل أن تسعى الديكتاتورية الى تحقيق وتكريس الاندماج الاجتماعي , ديكتاتورية تعتمد على بنادق زبانية أقلية غير مؤهلة , حتى أخلاقيا , لممارسة عملية الدمج , الدمج لايتم بالكرباج والساطور وانما بممارسة العدالة الاجتماعية والمساواة , وأين هي تلك الديكتاتورية التي مارست المساواة أو العدالة الاجتماعة ؟, لاشرط أن تكون المساواة والعدالة الاجتماعية من مستوى أوروبي في البداية , انما يجب ان تكون هناك ” بداية” لممارسة المساواة والعدالة الاجتماعية , مهما كانت هذه البداية بدائية !!!.
لايمكن لسلطة ديكتاتورية تعريفا أن تكون وطنية , لتعارض وجودها مع ارادة الشعب , وبصفتها هذه تمثل الديكتاتورية نوعا من الامبريالية “الداخلية ” , التي تتميز عن الامبريالية الاحتلالية الاستعمارية الخارجية بكونها أسوء بدرجات من الخارجية , لأن القضاء على الداخلية أصعب من القضاء على الخارجية ,ولأن الداخلية تمزق المجتمع بسبب تعاطف البعض معها لأسباب طائفية أو جهوية أو استغلالية أو شخصية أوعائلية عشائرية الخ , بينما يقودالاستعمار الخارجي تلقائيا الى نوع من التعاضض بين كافة أطياف المجتمع للتخلص منه.
تميز حال العديد من الشعوب تحت الاستعمار الخارجي ومباشرة بعد الاستقلال والتخلص من الاستعمار الخارجي بكونه أفضل من حال هذه الشعوب بعد وقوعها تحت سيطرة الامبريالية الداخلية, التي مثلتها الديكتاتورية , واذا جاز الحديث عن حقبة ذهبية سورية في القرن الأخير فقد كانت الحقبة بين 1946 و1958 , وذلك بالرغم من الارتجاجات الانقلابية العديدة التي حدثت بها , والحقبة الثانية من حيث االأفضلية كانت الحقبة مابين 1918 و1946 , هنا سيصاب من يقرأ هذا الكلام بنوع من الهيستيريا التهريجية النفاقية , التي لاتستقيم ممارستها الا مع خشبية عقلية وسطحية شعاراتية وتبريرية قبيحة لما هو موجود من سلطة لاوطنية واستعمارية داخلية , فمن يتراكض لهذه الساعة وراء مخاتلة شعار “وحدة حرية اشتراكية “, لايملك من النضوج مايمكنه من ادراك الواقع , انه ذاك الذي لايزال راكبا في مركبة البعث الأسدي ومركبة الأسد أو نحرق البلد أوالأسد أو لا احد , وهل يمكن للانحطاط الفكري -الثقافي-السياسي -الاجتماعي أن يكون اعمق عند انسان يؤمن بمقولة الأسد أونحرق البلد أو الأسد أو لا احد , فمجرد رفع هذا الشعار البربري من قبل شخص ما يعني اصابته بلوثة عقلية .
هكذا كان أمر الأسدية كامبريالية داخلية , والآن لدينا الجولانية التي نجحت في الحلول مكان الأسدية , ولكن هل نجحت في تنظيف البلاد من الامبريالية او نجحت في تحقيق ابسط اشكال الحكم الذاتي , لا نرى بوادر اي تحول او نجاج سوى في تغيير اسماء الطغاة , فمن يسمي نفسه محرر ومقرر لايسمح لنفسه حتى بالتلفظ بمفردة “ديموقراطية ” والمهزلة الوقحة تجلت مؤخرا بالشروع بتسمية وتعيين اعضاء ما يسموه مجلس شعب , أي مجلس نواب عن هذا الشعب .
لاتعرف الأدبيات السياسية في العالم منذ حوالي 500 سنة قبل الميلاد حتى هذه اللحظة هذا النوع من مجالس ممثلي الشعب او البرلمانات , لقد كانت في اليونان القديم ديموقراطية مباشرة تحت اسم “اكليسيا” , لم يكن هناك ” ممثلين ” للشعب , انما كانت هناك ديموقراطية مباشرة , حيث يدلي كل مواطن بصوته بشكل مباشر , وقد استثني من الادلاء بالصوت النساء والعبيد , لاوجود الآن في العالم لتلك الديموقراطية المباشرة سوى في سويسرى , ففي هذه البلاد تدلي المرأة بصوتها كالرجل , الآن لاوجود للعبيد في سويسرى , لاتجاه العالم الى مجالس النواب عن طريق انتخاب ممثلين عن الشعب العديد من الموجبات , التي لامجال لبحثها تفصيليا في هذا المقال .
من يراقب في هذه الأيام عملية اقامة مجلسا للشعب او مجلس نيابي عن طريق ” التعيين ” في سوريا يصاب بالذهول من ذلك الاستهتار بالقيم والاحتقار للناس ثم استجحاشهم , فالمؤسسة التي يريدون اقامتها تسمى مجلس الشعب, دون أن يكون للشعب أي علاقة باقامتها , لقد كانت الأسدية الطف بعض الشيئ , اذ قررت أن يكون نصف اعضاء المجلس من البعث والنصف الآخر من بقية الشعب مع الحرص على تزوير كل النتائج , ان كانت نتائج انتخاب النصف البعثي او نتائج انتخاب النصف الآخر , أي عمليا لافرق بين مجلس الأسد وبين مجلس الجولاني , هكذا بدأت الاسدية وهكذا بدأت الجولانية , والنهاية ستكون متشابهة …!