مها بيطار, سيريانو سيريانو:
يتدخل الدين السماوي في الشخص الأرضي وفي وجوده وسلوكه وممارساته, وحتى في علاقة الرجل بالمرأة , وفي تنظيم علاقات الزواج والطلاق , وفي طريقة المأكل والمشرب والملبس ,باختصار, يتعامل المعتقد مع الناس باعتبارهم أدوات…أشياء, يمكن قولبتهم وصياغتهم كيفما أراد المعتقد , أي إنه يتعامل معهم على أنهم “قاصرين ” ,وبحاجة إلى استيراد وعيا خارجيا, من خارج ارادتهم وتطلعاتهم ,وعي مستورد يعاوض عن القصور الذاتي, بمعنى أن تكوينهم العقلي والنفسي ناقص , لذا يجب ترميمه وفق رؤية الهة السماء ليكون وفق تصوراتهم ,الموصوفة في نصوص كتبهم ,ليس هذا فحسب , إنما فتح المعتقد لهم خط انتقال مباشر مع السماء, لتأمين راحتهم ورغباتهم خاصة الجنسية منها في مكان مملوء بالأسرار والطقوس والنسوان , لذ يحرص بعض البشر على الاستفادة من عروض السماء بالخلود في حياة بعد الموت الأرضي , لاخلود في الحياة قبل الموت , والموت حسب الخرافة السمارية بداية وليس نهاية !!يصادر الدين المجال العام وخصوصية الفرد وحريته , ويضعها في إطار علاقات عامة,ترتبط بنهج المعتقد وتصوراته , مما يقود الى خلق مجموعات نمطية متجانسة ومستلبة ,منفصلة ومنغلقة عن شروط زمانها ومكانها , لذا يتعذر على الأفكار الأخرى الرادفة او الوافدة اختراق جدران المعتقد أو تفكيك نصوصه التاريخية المعبأة بكتل كبيرة من المصالح والغايات والأهداف , بشكل عام يمكن القول بأن ثقافة الدين الشخصي لاتنتج سوى الأشخاص أي مجموعة الأشخاص , وليس أشخاص في المجموعة اي المجتمع , هذا هو النقيض من التشكيلة البشرية الضرورية للحياة الاجتماعية , حياة التكافل والتضامن والعقد الاجتماعي , لاتسمح طبيعة الدين الشخصي اقامة مجتمعات, انما قطعان منصاعة وبدون ارادة ذاتية, انما بالشكل الذي يريده الوهم السماوي , الذي لم يراه أحد من البشر !.
لانهاية للتعبأة المفهومية القائمة على الأوامر والنواهي , ثم التهديد والوعيد وممارسة الارهاب والترهيب من النار , ليتحول الانسان الى خائف مضطرب ومطارد من الجن والشياطين , وبذلك يتم تليينه وتحويله الى مجرد شيئ“هلامي” , قطعةً يمكن قولبتها أو لفها وبرمها كما يشاء المعتقد , قطعة لاقوام لها ولا شخصية ولا شكل يريده انما الشكل الذي يراد له .
انفرد المعتقد الديني باحتلال واحتكار المجال العام في العديد من حقبات التاريخ مثل القرون الوسطى ,بعد أن قضى على عصر الآلهة المتعددة الغني بالقيم الإنسانية غير المؤدلجة وبالأفكار المنفتحة, والمليء بحقول الفلسفة ,والنظرة النقدية إلى الانسان والكون, كانت حضارة وادي النيل ووادي الرافدين وغيرهم مثل الحضارة الصينية والهندبة الخ من أقدم وأرقى الحضارات البشرية ,التي نشأت وتطورت في ظل التعددية الالهية الوثنية , التي اقترنت بتطورات عملاقة آنذاك , تاريخيا فشلت فكرة التوحيد , التي اخترعها الفرعون أخناتون , ولم يكن الانتقال من تعدد الآلهة الى التوحيد موفقا ,يتآكل التوحيد في هذا العصر , والبديل ليس تعدد الآلهة , انما الغاء الآلهة , واقامة الحرية الخادمة للانسان , يحق للانسان ان يعتقد كما يشاء , ولا يحق لأي كان فرض اي عقيدة عليه .
لقد برهن الانسان طوال ملايين السنين على أنه “الحل”, ولولاه لما وجدت الأديان , ولما وجدت الحياة , الأديان حديثة وفي حقبة ما تم صنع منظومات عقائدية سميت حقبة التوحيد لتخدمه وليس ليخدمها, وليس لتستعبده وتهيمن عليه وتستغله , صنع صنيعة ليسيطر عليها , وليس لتسيطر عليه , الصنيعة تمادت وتطاولت وعربدت وزورت وقتلت وأجرمت , والنتيجة كما هو متوقع نجاح الانسان عموما في عزل الصنيعة ووضعها في فضائها الخاص بها , باستثناء بؤر صغيرة وقليلة في هذا العالم , كبؤرة هذه المنطقة , التي لاتزال تحارب الانسان وتحاول تحويله الى دابة أو قطعة هلامية لاقوام لها ولا شخصية او ارادة او كيان, انتصر الانسان في كل مكان في العالم تقريبا ولكنه انهزم في هذه المنطقة وبقي تابعا للخرافة وعبدا لها .
