الاخصاء اللغوي واستيلاء الشتيمة على اللسان !

سمير  صادق,  جورج   بنا  :

    لايمكن  توصيف  الحوار مع  الاخونج    الأ  بمفردة  “تعارك”,وفي هذا التعارك  تستخدم    مختلف   ألأسلحة   , من  بينها  ثقافة السب والشتم  والدونية الكلامية, ومن يبحث  عن  السبب  يجده متمثلا   بالعديد من  الأوجه  ,احد هذه الأوجه المهمة هو  الاعتقاد  بامتلاك الحقيقة المطلقة  , فامتلاك الحقيقة المطلقة لايسمح  لمدعي  مالكها الا  بامتلاكه للحق  المطلق  , والحق المطلق هو المسبب  للأفق الضيق  , الذي لايتسع الا  لفكرة واحدة واتجاه واحد , الأفق الضيق لايسمح  بتعدد الاحتمالات  , الأفق الضيق والذي يحتضن المقدس من الثوابت غير مؤهل  للتطوير  أو التغيير  , وطرحه في سياق حوار   أو نقاش لايخدم الا  مهمة “الاعلام”   به   أو  الاملاء  ومحاولة فرضه على الآخر بشكل من الأشكال .

تمرد الطرف الآخر على عملية “الاملاء” هو  زندقة  وحقد    , اذ كيف يتمرد  هذا  المخلوق على     خالقه  , وبغض النظر  عن مضمون  رأي هذا المخلوق  ,يكفي  أن يكون مجانبا   للنص والعقيدة حسب  ادراك المحاور, وما على الاخونجي  في هذه الحوار   الا تأنيب   المحاور  وشتمه  لمجانبته للنصوص  ,   لايرى  الاخونجي    المطروح   انما الطارح  الكافر  الزنديق  الذي يستحق التوبيخ  والشتم بأقسى الكلمات , هذا فضلا عن كون السب والشتيمة  حلال   تيمنا   بالسنة النبوية  التي   تذخر بالسباب  والشتم  بتعابير   يعف اللسان المهذب عن التلفظ بها,في  مايقال على  أنه دفاع عن الدين  لايوجد ماهو مستهجن  من المفردات النابية والتحقيرات  المقززة للنفس,  الشتيمة  استولت  على  اللسان  والحالة  ليست  الا تعبيرا    عن  اخصاء  لغوي!. 

النص المقدس  ملزم   بموقف جامد  , انه وجهة النظر  وليس وجهة نظر ,  اضافة الى   المقدس المعرقل  للابتكار  والتفكير  هنك تأثيرات لادينية على  عقل المحاور  الشاتم  , فالاخونجي   يعتمد  في  تثقيفه لنفسه  على السمع   أكثر من اعتماده على القراءة ,   أي  أن ثقافته  “شفهية” !,ومن  المعلوم عن الثقافة الشفهية  اقتصارها على نقل رأي واحد  يمثل المرجعية  الشفهية  , لقد تأخر  التداول المعرفي  عبر  التواصل  الكتابي  والثقافة المطبعية  الى نهاية القرن السادس عشر وكان  في بدايته   عرضة  للمنع   , فطباعة كتاب   الله  كانت محرمة  والسلطان سليم  اراد انزال عقوبة الاعدام  بمن يمارس الطباعة , لقد كانت البلاد  ثقافيا  كما  قال  مارتن لوثر عن الكنيسة   دار فم ولم تكن دار قلم .

التلقين الشفهي  لايزال  ساريا حتى اليوم ,مواعظ   وخطب  وارشادات  وأوامر   ثم  ترهيب  وترغيب  , خطبة واحدة من على منبر الجامع تكفي  لاعطاء  المؤمن  كل حاجته من المعرفة  والثقافة  ,يقولون عندنا كتاب   الله  ولسنا بحاجة الى هيجل  وجان لوك واسبينوزا  وروسو  وغيرهم  ,  ثم  أن  الديكتاتوريات لاتستسيغ  الكتب ولا   الثقافة  أو  الفكر  ,   مقارنة  عدد الكتب  التي تطبع في اسرائيل  بعدد الكتب التي تطبع في العالم العربي مثير للدهشة والاستغراب   ومسبب   للألم  ,.

انتشار الفضائيات  بالشكل  الوبائي  الذي نسمعه  ونراه   في  حاضرنا ليس الا دلالة على  احتكار الشفهي   لممارسة مهمة التثقيف   وتفوق  ثقافة  الشفهي  على   ثقافة  المكتوب  ,كل  ذلك يقود الى   تآكل  استقلالية الانسان  الفكرية   والى نشأة الفكر    القطيعي   ,القطيع   يتنصت  لما يقوله الشيخ  وليس  لما  يقدمه الكتاب  , الكتاب يفكر   وخطبة الجمعة تأمر .

   تشكل الثقافة الشفهية  مضافة الى  الثقافة التقديسية الدينية   الخلفية  المناسبة  لتحويل  اي حوار الى  جدل عقيم  ومشاجرة , يتم بها  التفريغ العاطفي الأرعن  الدوني  الانحطاطي   المتمثل بالشتيمة  والمماحكة, كلما ضاق الأفق  اتسع فضاء  الشتيمة والانتقاص والسباب,  ولا  مبالغة  في  القول بأن  مشكلتنا  مع  الثقافة  ومع  الحوار  وتعدد  الأفكار   من   أهم  المشاكل ,الزنا   ياناس   لغوي  فكري  قبل  أن  يكون  جنسي ,  التنمر   تأخر !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *