من الواضح بأن الحياة الاقتصادية والادارية والسياسية والاقتصادية التي تعيشها الشعوب المسماة عربية مختلة ومتهالكة بشكل لم تعد “الحلول” الترقيعية كافية, المواطن يرزح تحت وطأة غلاء المعيشة , فراتبه الرسمي كموظف أو مستخدم أصبح كما يقال “كنكتة ” اشتراكي , بينما الأسعار أصبحت ” رأسمالية “اضافة الى تحول السياسة الى ” مذهبية “, انه من المحزن أن تتحول النكتة السمجة الى حقيقة محزنة ومؤلمة, ومن المحزن ان يتم استبدال السياسة بالمذهبية الدينية, وأن تنقلب القيم السامية الى ممارسات سامة سادية !.
احد الأدوية التي تقدم في هذه الحالة المرضية الكئيية كانت “الترقيع” , وللترقيع بعض الفوائد للمرقع في بعض الحالات , المرقع يعتبر ترقيعه كافيا لحل أزمات كبيرة , أو وسيلة لتأجيل حل الاشكاليات , لامانع من الترقيع المؤقت ! , عندما يلوح الفرج في الأفق , وعندما يمكن القول ستأتي مرحلة جيدة , وستتحسن الأوضاع المعيشية بشكل يرضي المواطن على الحد الأدنى .
لايبدو أنه للترقيع في الوضع المعيشي السوري الحالي المتهالك اي فائدة شخصية او موضوعية تذكر , فالفقر يتزايد بسرعة هائلة , والحلول تتناقص, والأمل بتزايدها يتلاشى ,لم تات المساعدات الخليجية او الغربية ولم ترفع العقوبات القيصرية, وتوقفت المساعدات الايرانية بسبب الخلافات العقائدية وبسبب افلاس ايران , حيث وصلت نسبة الفقرالمدقع هناك الى ٣٠٪ من الايرانيين, هناك ايضا تسارع جنوني في طباعة المليارات من اوراق النقد السوري بدون رصيد أو تغطية , مما يبشر بارتفاع مستوى التضخم اي الافلاس , اي عندما تفقد العملة المحلية قيمتها الشرائية , فالسلعة التي تكلف ٥٠٠٠ ليرة سورية اليوم سيصبح سعرها بعد وصول المليارات المطبوعة بدون تغطية الى أكثر من الضعف , وارتفاع الرواتب او الدخل سوف لن يكون بنسبة ١٠٠٪ أو أكثر , اي أن مستوى الفقر والفاقة سيرتفع أكثر مما هو مرتفع الآن ,وصلت القيمة الشرائية لراتب موظف برتبة عالية الى ادنى مستوى في العالم , لافائدة من زيادة الراتب عندما يترافق ذلك مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتدني القيمة الشرائية بهذا الراتب .
تدل تلك التطورات على عدم تمكن الجهات المسؤولة من فهم أبسط القواعد الاقتصادية , انهم يعرفون كيف يصلون ويصومون ويحاولون ارغام غيرهم على الاشتراك بالصيام بشكل ما , أو انه في الأمر محاولة لاستجحاش الانسان وتحويل اهتمامه وانتباهه الى الصوم والصلاة بدلا من التفكير في الأزمة الخانقة ,وكأن الصوم والصلاة أطعمت يوما ما جائعا , فالرغيف لايسقط من السماء , انما يخبز على الأرض , وعلى الجائع اما أن يموت جوعا , أو أن يسرق ويمارس الاجرام اي الفساد لكي يستطيع الاستمرار في الحياة الذليلة .
اضافة الى كل ماذكر من مسببات للحالة المذرية , يجب ذكر انقضاض الجيش على ٨٠٪ من الميزانية العامة لشراء الأسلحة والمفرقعات وغيرهم من ادوات القتل والتخريب وغير ذلك , اشتبشرنا خيرا بحل الجيش وبالتالي انقاذ ٨٠٪ من الموازنة القزمة اصلا , لم تدم الفرحة أكثر من ثواني, بعد الثواني ظهر خطأ تلك المقاربة , لقد تم حل الجيش , ولكن لم يتم التخلص من مصاريف العسكر , لابل ارتفعت تقديرا المصاريف العسكرية عن طريق انضمام مقاتلين اجانب الى العسكر مثل الشيشان والأفقان وغيرهم , وبعضهم برتب عسكرية عالية , هؤلاء المرتزقة مكلفون بتحريرنا وتثقيفنا وبالتالي تحويلنا الى الموضة الشيشانية أو الافغانية او غيرها .
الى جانب كل ذلك هناك تناقص شديد في الموارد,مثلا عن طريق السياحة او البترول أو الزراعة , وبالكثير من الخجل والشعور بالذل نذكر موارد المخدرات مثل الكبتاغون ( ٣ مليارات دولار سنويا ), عموما بقي الفساد منتصرا وسيد الموقف بشكل آخر اضافي اسمه ” الاختطاف” , الذي يتطلب دفع الفدية, لاوجود لمن يريد اصلاح موضوع الاختطاف ولا وجود لمن يتمكن من الحد منه , ولا منطق في انتظار القضاء عليه على يد العصابات التي تعتاش منه , لذلك لاتحسن على المدى المنظور , ومنطقيا يجب توقع المزيد من الفقر والتقهقر .
الى جانب كون الفساد مصدرا لافقار الأكثرية الساحقة من الناس , ومصدرا لاثراء القلة القليلة , انه اضافة الى ذلك تعبيرا على نوع من الانحطاط الحضاري الأخلاقي الاجتماعي , لم تكن عند الملياردير ماهر الأسد حاجة مادية, ولم تكن عند اخيه بشار حاجة مادية لكي يسرقوا , لقد كانوا ولا يزالون اثرياء , وثرواتهم تقدر بعشرات المليارات من الدولارات , لقد انفلت الجشع عندهم , وانفلات الجشع يعني انفلات السرقة واللصوصية , عندما يفقد الجشع الحدود تفقد السرقات ايضا الحدود , يشعر هؤلاء بالفقر حتى ولو امتلكوا ربع الكرة الأرضية , فقير النفس هو فقير المال شعوريا مهما امتلك من هذا المال .
الفساد قيمة اجتماعية وحالة نفسية , لم تتكون خلال السنين العشرة أو الخمسين او المئة الأخيرة , الفساد والجشع حالة متجذرة بشكل أعمق بدرجات في لاشعور هذا الشعب المبتلي بثقافة غنائم الحرب , يولد الجشع من رحم الخوف والشعور بعدم الأمان المادي ,فالبدوية التي تطبعت الشعوب بها لاتشعر بالأمان المادي , لأنه ليس لها دخلا منظما مستمرا , تعتمد البدوية على اقتصاد المغازي , الذي يعتريه عادة العنف واعلان ملكية المقنوص المسروق, كما يعرف عن مايسمى الحق البدوي, فالسارق الناهب البدوي الذي لايشعر بالأمان المادي , ينهب ويسرق بمستوى جشع عالي , لأنه لايعرف متى ستأتي مناسبة الغزوة التالية , والخلفية الشعورية عند ماهر وبشار مشابهة, لقد نهبوا بشراهة وجشع لاشبيه له , بدون اي رادع وجداني اخلاقي, وذلك انطلاقا من البدائية الاعتبارية , التي تقول كلما ارتفعت كومة المسروقات ارتفعت بنفس النسبة قيمة السارق ,حتى اجتماعيا يجاب على السؤال من انت ؟أنا بما هو في جيبي , أنا الشاطر الذي عرف كيف يستفاد ولا يفيد , أنا الأب الحريص على مستقبل اولاده , الذي أمن لهم مستقبلا ماديا جيدا , وكلما انتفخت الجيبة ارتفعت القيمة الاجتماعية , لذا تم تدجين الفساد عموما الى فضيلة ووسيلة للسمو الاجتماعي ,والثنائي ماهر وبشار هم من هذا المجتمع , عجبا كيف يمكن في هذا البلاد أن يقود التدني الأخلاقي الى السمو الاجتماعي ! , وماذا ننتظر من شعب متدين !, عندما تقول الآية “وكلوا مما غنمتم حلالا طيبا “…مفهوم الغنيمة والعنف والغاية البدوي هو الأب الشرعي للفساد , فغاية البدوية تبرر واسطتها !.
كان الفساد فرعا من فروع هذه العقلية , التي تعني تطبيق مايسمى منظومة الحق البدوية , أي اقتناص الممكن بالوسيلة الممكنة وبدون حدود , فالسارق الناهب البدوي لايشعر بالأمان المادي , لذلك ينهب ويسرق بجشع لا مثيل له , لأنه لايعرف متى تأتي مناسبة الغزوة الثانية, والخلفية الشعورية عند ماهر وبشار مشابهة , يولد الجشع من رحم الخوف والشعور بعدم الأمان الذي يعتريه عادة العنف واعلان ملكية المقنوص المسروق , كلما ارتفعت كومة المسروقات ارتفعت قيمة اللص اجتماعيا , من أنت ؟ أنا بما في جيبي ! أنا الشاطر الذي عرف كيف يستفاد , أنا الأب الحريص على مستقبل اولاده , الذي أمن لهم مستقبلا ماديا جيدا , وكلما تضخم مافي الجيب ارتفعت القيمة الاجتماعية , تحول الفساد الى فضيلة ووسيلة للسمو الاجتماعي ,عجبا كيف يمكن في هذا البلاد أن يقود التدني الأخلاقي الى الارتفاع الاجتماعي ! , وماذ ننتظر من شعب متدين عندما تقول الآية “وكلوا مما غنمتم حلالا طيبا “…!
مفهوم الغنيمة والعنف والغاية البدوي هو الأب الشرعي للفساد , فغاية البدوية تبرر واسطتها ! ,ما العمل ؟ لابد من قيم جديدة معاكسة للقيم السائدة , وهذا لن يتم عن طريق فرامان, ولن يتم بين ليلة وضحاها , يتطلب الاصلاح أو التجديد مواجهة حاسمة مع التراث وثورة عليه واقتلاعه من جذوره , الأمر لايتعلق بشخص أو وانما بشخصية اجتماعية مريضة لاينفع في معالجتها سوى اجتثاثها !
Post Views: 588
Count per Day
7682281 Total reads:
3821 Reads today:
704803Total visitors:
2192Visitors today:
5Visitors currently online:
Count per Day
489This Post:
7682290 Total reads:
3830 Reads today:
704806Total visitors:
2195Visitors today:
9Visitors currently online: