ممدوح بيطار , سمير صادق :
من النادر وجود مجتمعات مشدودة الى ماضيها في هذا العصر على غرار ما هو عليه في الجماعات العربية , حيث يمسك جوهر الماضي بجوهر الحاضر, ويحدد شكل ومعالم المستقبل , حيث يجثم الأموات على الأحياء ويرسمون مسيرتهم ويحددون نوعية طموحاتهم . بالرغم من التقدم العلمي الهائل والتواصل الكثيف بين الشعوب بفضل التقنيات الحديثة , يبدو أن العرب قرروا الانغلاق على نفسهم والخروج من التاريخ والاكتفاء بما تم انتاجه في الماضي , لايهتم العرب بصناعة المستقبل , انما بالسكون في مستنقع الركود والاستسلام لثقافات كانت في سياقها التاريخي متأخرة ,وتأخرها النسبي يزداد مع الزمن بالرغم من بعض مظاهر التحديث , الذي لايعني حداثة , لأن التحديث يشترى بالمال, والمال في هذه المنطقة بترولي, لم يصنعه العرب حتى انهم لم يكتشفوه ولم يستخرجوه من باطن الأرض , بينما الحداثة لا تشترى انما تصنع في العقل والفكر .
يمكن وصف الواقع العربي بأنه نوعا من الثقافة التي تقيم في الماضي اي أنها ماضوية , ولهذه الثقافة الماضوية معالم ومسببات وعواقب وتجليات, المسببات ليست ولادية ولا علاقة لها بعضوية خاصة بالانسان العربي, انه ولاديا كغيره ,ولكن ظروفه مختلفة عن ظروف غيره , ومن الظروف ماهو جغرافي , مثل تواجده في الصحراء , التي لايمكنه تغييرها ويمكنها تغييره , أي عليه بحكم ظروف الصحراء الطاغية أن يمارس الاستسلام .
في زمن معين قبل ١٤٤٠ سنة ولد دينا بنموذج صحراوي , عبرت عنه عبارة “أسلم تسلم” أي استسلم , وكما أن الصحراء عصية على التغيير وجب على هذا الدين ان يكون عصيا على التغيير والتطوير , لذلك اخترعت له خاصة أو صفة “المقدس”, صفة المقدس مفشلة بطبيعتها للاصلاح والتطوير , وافشال الاصلاح والتطوير يتطلب تحييد العقل أو شله والتعامل مع كفائض لا لزوم له , أي أنه مغيب او أصبح غائبا , اي وضع خلف ابواب سجن , ومن المنطقي عندها أن يحرس العقل في سجنه من قبل اللاعقل , لكي يمنع العقل من الانفلات اي مجازا التحرر , اللاعقل يعني الخرافة والايمان والقطعية والغيبيات والأساطير والاقامة خارج الزمن , عقل اللاعقل يرفض تحمل المسؤولية عن الأوضاع البائسة التي تسبب بها , لذا لابد من متهم كان المؤامرة , التي ولدت من العقل الغربي ومن المصالح الغربية حسب زعمهم , وكأنه من العيب أن يكون للانسان مصالح يدافع عنها ولماذا كانت الفتوحات ؟ , اللاعقل المنتج للغيبية انتج القطعية والفصامية وعادى العلم والمادية ,العداء للعلم والمادية يعني العداء لأصحاب العلم والمادية , الذي تجلى بتقتيل الأكثرية الساحقة من رجال العلم , الذين اتو من مستعمرة بلاد فارس , التي كان لها حضارة متقدمة ومختلفة جدا عن الثقافة البدوية المنحطة في الجزيرة العربية .
لتقتيل العلماء الفرس في اطار رفض العلم خلفيات ودوافع لاتختلف عن الآليات والدوافع التي تمكنت من افشال المشروع النهضوي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين , لقد حاول رواد النهضة في ذلك الزمن كسر حلقة الماضوية المعيبة الموروثة من ماض معيب , عن طريق التبشير بأساليب غربية جديدة في التعامل النقدي مع المقدس النصي لكسر كهوف عصر الحجر وكسر التحجر , الا أنهم فشلوا للعديد من الأسباب منها عدم تمكن الصحراوية الدينية من التفاعل مع افكارهم ومساعيهم , ثم اتهامهم بالهرطقة والانحراف عن النص الذي قيل انه قويم , منهم كان محمد عبده وطه حسين وغيرهم , في هذه المحاولة خسرت العقلانية معركة التحضر , ولكنها استعادت بعض قوتها خاصة اثناء الحرب العالمية الأولى ومباشرة بعد القضاء على السلطنة العثمانية وتأسيس العديد من الدول حسب سايكس -بيكو , لقد كان لهذه الدول العديد من مقومات النجاح , التي بدأت
بالتنكص فورا بعد ولادتها ,خاصة بعد عام ١٩٢٨ , النتيجة هي مانراه الآن في دول سايسكس بيكو خاصة سوريا , التي تتخبط في مستنقع الاستبداد وتنتقل من تأخر الى تأخر آخر ومن استبداد لآخر , ومن بدائية اجرامية الى بدوية دينية مجرمة , لايمكن تفسير كل ذلك الا بالهوس بالاقامة في الماضي التعيس , الذي حجب الرؤية عن تطورات بقية العالم ومواكبة تطوراته , بالرغم من تمكن هذه التطورات والتغيرات من اختراق الحياة الخاصة عند العديد من أهل بلاد الشام خاصة سوريا ولبنان وبدون استئذان.
تحدث امور لايمكن تصورها في القرن الحادي والعشرين, كمثال على ذلك حكم الملالي في ايران والحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان وجماعة النصرة في سوريا الى جانب الملوك والامراء , الذين اثبتوا تقدمهم على ما يسمى جمهوريين , وضع غريب عجيب ومؤسس على التكاذب والخداع الفاضح , فذلك الماضي الذي ولد قبل ١٤٤٠ سنة وساد طوال ١٤٤٠ سنة كان اسود قاتم بلون انهار الدماء الحمراء , التي تسببت الحروب والعنف بها , الذي أهله الدين والجهاد بغزواته ليكون اسلوب ومنهج حياة ,على السؤال كيف يمكن للموت ان يكون حياة ؟,لايستطيع سوى الدين الخرافي الاجابة عليه, لايستحق ذلك الماضي التعيس التقليد, ولا يستحق الاقتداء به !.
قادت هزائم الحداثة العربية , الى العكس من المنتظر الضروري , فبدلا من تعاظم الجهود من أجل احياء الحداثة والالتزام بها ,كان هناك نوعا تكريس الادمان على التأخر , الذي تجلى بالجنوح الى المزيد من التعبد والخنوع وتعاظم حضور الخرافة والأساطير والغيبيات , باختصار عاد ابن عبد الله وساد مفهوم الجنة والنار والشهادة والتكبير , وزحفت جحافل الجنون باتجاه الكراسي لتجلس عليها ولتغير مفهوم الدولة او الوطن , لاخدمة للوطن انما للدين , لقد أصبح للضالين اسما محددا , والضلال تهمة في دولة دينية تعتبرالمواطن خادما للدين وليس للوطن , الذي تكن له العداء كما تكن العداء للأصنام , لذلك تم الغاء مادة التربية الوطنية ,لايجمعنا الوطن انما يجمعنا الدين , وماذا يفعل أهل الكتاب في هذه البلاد ؟ هنا نعود الى العبارة التي وردة في مقدمة المقال “أسلم تسلم ” …..
Post Views: 497
