ممدوح بيطار,سيريانو سيريانو :
موضوع التأخر هو عنوان عريض جدا , خاصة في البلدان العربية , لأنه شامل لكل جوانب الحياة اقتصاديا , سياسيا ,أخلاقيا ,اجتماعيا علميا ,وثقافيا الخ , لاوجود لوجه متقدم راقي من جوانب حياة شعوب منطقة الشرق الأوسط , حتى الخليج لاينتسب الى المجتمعات والدول الراقية , التحديث ونشاط الاستهلال ليس ذلك الرقي , الذي تتمثل به الحداثة .
مجتمعات المنطقة مليئة بالدين ومليئة في نفس الوقت بالخراب , لذلك من المنطقي رؤية صلة وصل سببية بين الدين والتدين وبين التأخر والخراب, أي أن الدين والتدين وما يرافقهم من احكام وقواعد وعدمية وايمان واهمال العقل بتقديم النقل علية , ذو علاقة اساسية مع التأخر , فشعوب هذه المنطقة من أكثر شعوب العالم تدينا , ومن أقل شعوب العالم تقدما ,لا يزال موضوع الديني والتدين غامض الأركان والأهداف والنتائج , لأنه في الأصل “غيبي” أي غامض , ولا يمكن شرحه وتوضيحه لأن لايخضع للنقد او الشك أو التحليل .
من ناحية أخرى هناك من يعتقد بأن الابتعاد عن تطبيقات الأحكام الدينية كان سبب التأخر الوحيد ,ولكن لو نظرنا الى مجتمعات ودولا أخرى مثل اليابان واوروبا وغيرهم, نرى أنه لاعلاقة لتقدم وتفوق هذه الدول مع الدين وتطبيقاته , ونفس الأمر نجده في الصين مثلا , التي تعتبر رسميا الدين والتدين مرضا نفسيا ,لم تنسب تلك الشعوب تقدمها أو سوء أو حسن اخلاقها او ديموقراطياتها او عدالتها للدين بل للمدنية واللادينية , ققنابل هيروشيما وناغازاكي لم تبرر بغضب الله أو لطفه , ثم أن المتقدمون لم يجلسوا للصلاة خمسة مرات يوميا, ولم يعتبروا عدم الصلاة خمسة مرات يوميا على الأقل سببا لسوء الأخلاق , لم يهتموا بالدين الحق وبالآيات المقدسات , لابل تحدوا الله واحتقروه ولم يعيروه أي اهمية طوال حياتهم الدنيوية , لاتعرف الشعوب المتقدمة ” قيم ” التكفير او التخوين , انما تعرف قيمة الفرد ثم حقوقه بالدرجة الأولى وواجباته بالدرجة الثانية, لاتقتصر كارثية التكفير والتخوين المنتشر حيث ينتشر الدين , على أمور ثانوية , بل يشمل نواحي في منتهى الأهمية, منها تكريسه لثقافة العداء عموما داخليا وخارجيا وما يرافق ذلك من أزمات قادت الى حروب واشكاليات عسيرة على الحل,
يفرض الدين التوحيد على المؤمنين , اي يفرض على المؤمنين التنكر للتعددية لابل محاولة تكريس ما يسموه “تجانس” , يحرصون نظريا على الانتماء الديني كظاهرة تجانس , وبما أن الدين يملأ حياة المؤمنين الموعودين بالجنة وحورياتها , لذلك يملأ التجانس عمليا مجمل جوانب حياة الانسان العربي , ولما كان التجانس والتوحيد ليسوا من طبيعة الانسان, كما أنهم بالدرجة الأولى ليسوا من مصلحة الانسان , لأن مصلحة الانسان تكمن بالدرجة الأولى بالتطور, الذي يعاق الى درجة الالغاء من قبل التوحيد والتجانس , هنا يتم تكوين المخلوق المعاق , الذي ينتهي به المطاف الى الانقراض .
اذن يعتبر التجانس والتوحيد قتلا للانسان , الذي يعيش من التطور ويترقى بالتطور ويتحول الى أكثر وأعمق انسانية بالتطور , وكيف ستتطور الشعوب العربية الى الأفضل عندما تعمل بالثوابت الرافضة للتطور , وعندما يكون هدفها الاساسي الجمود في مطب الثوابت , لابل الشغف بالعودة الى الماضي توهما منهم بكون الماضي أفضل من الحاضر , بالنسبة لمعايير البدوية البدائية كان الماضي حقيقة أفضل من الحاضر , لأنهم اعتاشوا على الغزوات وعلى السبي والنهب والسلب , وكانت علاقتهم مع ثلاثية العمل -الانتاج -العيش صفرية , لم يكن العمل والانتاج مهنة ايا منهم, اعتاشوا تطفلا على الغير ومن عرق جبين الغير وقهرا استعماريا متوحشا له , ولا يزالون يفخرون بذلك كدلالة على أنهم لم يتحولوا بعد الى بشر !!!!
لفتت انتباهنا يوم أمس مقابلة مطولة مع المافيوزي اللبناني نوح زعيتر, الذي يعيش من السرقة والسطو والغزو برفاهية مادية لم تتوفر حسب علمنا لأي من مشاهير العلماء أو السياسيين أو غيرهم , الا أنه ملاحق من القضاء بمئات مذكرات القاء القبض عليه واعتقاله , سبل عيش نوح زعيتر كسبل عيش البدو من السرقة والنهب والغزو والعنف , عموما تطور العالم وتناقصت فرص السلب والنهب بوسيلة العنف عموما, لذلك يتعرض نوح زعيتر للمضايقات ,كما تتعرض الثقافة البدوية وثقافة الحق البدوي للمضايقات , فأسلوب حياة نوح زعيتر كان اسلوبا بدويا ,ولكون نوح زعيتر وقد تحول الى مجرم كان من الضروري بالنسبة له الاحتماء بمن يحميه , ووجد في حزب الله تلك الحماية ,مقابل الحماية تحول الى مجاهد من أجل حزب الله اي قاتل باسم الله , هكذا كان الأمر مع البدوية الغازية , كلهم كانو نوح زعيتر !.
من يؤمن بالتوحيد لايؤمن بالتعددية سواء بالدين او الثقافة او الحضارات أو غيرهم , خرجت معظم التنظيمات في تلك المجتمعات من رحم الدين الواحد التوحيدي , والدين الواحد كان حسب اعتباره لنفسه دين الحق , وما سواه باطل متآمر يحض على الفسق والفجور, ولما كان الأمر كذلك , لذا لابد من اعتبار المؤمنين بهذا الدين خير امة على كوكب الأرض ,لذلك لامساواة بين المؤمن والكافر , ولطالما كانت الهيمنة على ما يسمى كافر ممكنة , لذلك استتب هدوء موت الآخر طوال العديد من القرون ,الى أن جاءت مرحلة الاسترخاء العسكري والطمأنينة الأمنية والاقتصادية وارتفاع مستوى مصاريف الجند بدون ارتفاع مستوى المداخيل عن طريق فتوحات جديدة , وخلال قرون عديدة من التنعم بالعيش الرغيد على حساب الشعوب الأخرى , لم يفكروا بالعمل المهني الانتاجي بالرغم من وجودهم في مناطق صالحة للعمل الزراعي مثل حوض مابين النهرين وحوض النيل وغيرهم , تمحوروا حول الدين ونسوا كل شيئ آخر وفشلوا في الاستمرار وتطوير ما قدمه العلماء القادمين من بلاد فارس , الى أن وصلوا في هذا العصر الى الفقر المدقع , الذي لم يحرض في دواخلهم سوى المقدرة على الاستجداء والتطفل على الآخرين ثم ممارسة الفساد والعنف داخليا , لأن ممارسة العنف خارجيا مستحيلة , العنف والقتل موروث ثقافي من ممارسات الغزو والفتوحات القديمة , اذ لافتح ولا غزوات بعد الآن !!.
البترول الذي اكتشف في بعض المناطق ساهم الى حد كبير في العديد من جوانب التحديث الاستهلاكي , الذي لم يترافق مع الحداثة ,بدون الحداثة يمكن اعتبار مستقبل مناطق آبار النفط مظلم , فالبترول سيجف يوما ما , اي أن العودة الى الناقة والجمل شبه مؤكدة , لم يساهم ريع البترول بالشكل الممكن في تكوين جيل جديد يمكنه الاستمرار في العيش من العلم والمعرفة والعمل المنتج دون الاعتماد على ريع البترول , دولة النرويج منتجة كبيرة للنفط , الا أن كل أموال النفط النرويجية توضع في صندوق استثماري لايمس , لاعلاقة لمستوى الحياة النرويجة الآن بريع البترول , تعيش النرويج في مستوى حياتي مرتفع عمليا بدون نفط , تصوروا السعودية بدون ريع النفط , الذي يغطي ٩٥٪ من الميزانية العامة .
لاتؤمن التنظيمات التي تولد من رحم دين التوحيد بالتعددية وحقوق المواطنين المتساوية في كل المجالات , فالمختلف يعتبر مشروع خائن, ولا يمكن لدين من هذا النوع الا أن يكون ديكتاتوريا ومحتكرا للثقافة العامة ومحورا لمضمون حياة الناس , من هنا تنشأ الأجيال المؤهلة لانتاج الديكتاتورية ثم احتضان هذه الديكتاتورية , اجيال فاقدة للأسس التي تبنى عليها الحضارة الحالية ,والحضارة الحالية مبنية على التعددية والاختلاف كضمان للابداع ,لاعجب في قيام ديكتاتوريات السلطة عندما يكون الانسان العادي ديكتاتوري الطباع مثلا في الأسرة مع الزوجة والأولاد وفي اتخاذ القرارات , لايمكن لديكتاتور الأسرة أن يكون ديموقراطي المجتمع , لايمكن لأب يميز بين ابنته وابنه أن يصبح اجتماعيا ,لأن الاجتماعي يعني المساواة بالرغم من اختلاف الجندر , لايمكن لمن يعتبر الابن خيرا من البنت الا ينطوي تحت شعار خير أمة , الذي يعني افضلية العرب على بقية شعوب الأرض .
يتناسل الشعور القاتل بالأفضلية على بقية شعوب الكرة الأرضية , ويولد مفهوم صلاحية احكام وافكار ولدت قبل ١٤٥٠ لكل زمان ومكان ,وهذا يعني جذب الحاضر الى ماض سحيق أواستحضار الماضي السحيق الى الحاضر ,وفي كلا الحالتين هناك جنون فاضح وواضح ومفسر لحالة التردي التي تعيشها الشعوب , لايمكن لشعوب الصلاحية لكل زمان ومكان سوى أن تتردى بتزايد حتى الانقراض ,الذي تتوفر له شروطا اخرى مثل الخرافة وفكرة اعتبار التفاعل مع الغير تلوث بالمنكر , ثم امر الاحتماء بالمؤامرة والقضاء والقدر الخ ذكر ما تحتاج اليه شعوب المنطقة يحتاج الى مجلدات لايتسع المجال هنا لذكرها بالتفصيل !
,
