ممدوح بيطار ,ربا منصور :
معارك الحاضر فكرية بالدرجة الأولى , فكيف سينجح العروبيون في معركة الفكر بعروبة لافكر لها , انما بعروبة تمارس اجترار الأوهام , عروبة فارغة , لم تنتج لحد الآن سوى بالفشل , وكم دعى مهاتير محمد العروبيين على ضرورة ملئ العروبة على الأقل بمواد المعرفة العصرية , وبالاستفادة من خبرات الآخرين , التي يمكن الحصول عليها بدون مقابل!, لاحياة لمن تنادي !!
التردي عام وشامل كامل, وله العديد من المسببات , سنقتصر على ذكر بعضها ,يمثل غياب الفكر أو مايسميه البعض المرجعية الفكرية أزمة حقيقية تاريخية وحضارية بتجليات متعددة , منها أزمة الهوية, ينتمون الى شيئ لاوجود ولا معنى ولا مضمون له , وبذلك خلقوا بما يخص الهوية فراغا , تم ملئه بقمامة البدوية والفردية والعشائرية ثم الطائفية ومفاهيم الفرقة الناجية ثم الولاء والبراء وخير امة , ثم عدم المقدرة والارادة على صنع الجديد ,معظم شعوب العالم تجاوزت التعريفات التقليدية المنتشرة في هذه المنطقة ,يبحث العروبيون في صنوق العتائق ليبعثوا في الصدئ حياة لايمكن لها أن تكون حياة بحيوية , ماتوا بالصدأ والعفن وبالغيب والورائية العتائقية والايمان قاتل العقل ,لا ينجح العقل المقتول سوى في صناعة المزيد من التردي , ولا انقاذ للعقل الجريح المغدور سوى باحياء الشك والنقد والابتعاد عن المطلق والمقدس.
يتم تعريف الهوية ضمن الاطار الوطني الواقعي, فقيام دولة بأي شكل كان يفرض اطارا سياسيا مواطنيا , يفرز هوية ملزمة لمن اختار العيش في الاطار الجغرافي القانوني لهذه الدولة , في هذه الحالة تفقد المكونات الثقافية او الدينية او اللغوية كل الأهمية , فالماهية سياسية قانونية والهوية سياسية قانونية , نزعة التجانس المفتعلة والقسرية كالتعريب لاتخلق هوية , بل تعمق الأزمات لأنها تريد قولبة المختلف في قالب توحيدي فوقي افتراضي .
الالتباس الأكبر كان في احتقار فكرة الدولة مقارنة مع فكرة الأمة , اعتبروا الأصل في الأمة والدولة ليست سوى نتوء مرحلي , يمثل تعريف الهوية بالأمة اغترابا معرفيا لاسوق له ولا تسويق , مصدر الهوية هو الدولة القانونية السياسية , الأصل في الأمة هو الدولة , وليس الأصل في الدولة هو الأمة, المفارقة تكمن في محاولة اقامة دولة على يد من يرفض الدولة في عصر تحولت به الدولة الى النموذج الوحيد لحياة المجتمعات , لاوجود لدولة امة الدين الحنيف ولا وجود لدولة الأمة العربية او القومية من المحيط الى الخليج .
بالمقابل كانت هناك سيول من الشعارات والخطابات البركانية , التي نتجت عن حركة اللسان دون أن ينطق بشيئ , هذا يسمى اللغط المسطح بخصوص المشاعر والاحلام , الذي خلط الديني مع القومي بشكل تحابب احيانا او تحارب احيانا أخرى بالتناوب , اللغط المسطح حول اللغة الى هوية وحول المقدس الديني الى هوية ,واعتبر الوحدة الاعتباطية نوعا من الخلاص أي الوحدة الخلاصية , التي يجب اقامتها ,لأن الشعوب تحلم بها وتنتظرها وتفرح بها ,من أوهم الناس بالوحدة الخلاصية الاعتباطية ؟؟؟
لقد انتظروا الفرج والخلاص , وخابت آمالهم !, دون ان يدرك العروبيون حتمية تلك الخيبة في ظل انتفاء الحاجة الموجبة للوحدة خاصة الوحدة المؤسسة على الموضوعية , ثم انتفاء المقدرة على اقامتها في ظل اعتماد الغوغائية في اقامتها , ثم تصدر الأوهام والأحلام على الواقعية , ودون ان يدركوا أنه لم يعد بين شعوب هذه المنطقة اتجاهات وحدوية حقيقية مدروسة وواقعية , الأمر كان مشاعر هيجها العروبيون بوسائل الخداع والكذب وتشويه التاريخ, بالفشل الحتمي للوحدة قضي على الاتجاهات المشاعرية قضاء مبرما, أصلا لم تتعد القضية حدود المشاعر , ولم تدخل فضاء الموضوعية , لا تكفي ادلجة التنظير القومي , الذي أرجع وجود امة عربية الى وجود قومية عربية أو بالعكس , ففكرة القومية العربية حديثة نسبيا , أي انها ولدت قبل قرن تقريبا , لم تكن هناك قبل ١٤٠٠ امة عربية شاملة لبلاد الشام وشمال افريقيا , انما كانت محصورة في الجزيرة العربية, ضم شمال افريقيا وبلاد الشام كان ممثلا لصيغة استعمارية الأبشع في تاريخ البشرية , والتي تمثلت بتملك مستعمرات الفتوحات كغنائم حرب.
لقد كانت وحدة ادارة المستعمرات, ولم تكن وحدة شعوب المستعمرات , كانت علاقة سوريا مع مصر كعلاقة سوريا مع اسبانيا , لم تشكل دول وشعوب الأمبراطولارية البريطانية أمة واحدة او شعبا واحدا أو مجتمعا واحدا , وحال اجزاء الأمبراطورية الحجازية مشابه, كذلك حال الأمبراطورية الرومانية مشابه , ففي كل الأمبراطوريات كانت هناك ادارة مركزية واحدة لشعوب ومناطق لم تكن واحدة , فبلاد الشام كانت منذ فجر التاريخ وحدة جغرافية ديمووغرافية , ولم تكن وحدة جغرافية – ديموغرافية مع الحجاز او مع وادي النيل او المغرب , كما انها لم تكن وحدة مع اسبانيا او الهند أو كازاخستان او غيرهم من اجزاء امبراطورية الحجاز , شأن القومية العربية كان صورة عن شأن الامة العربية , مجرد اختلاق لوضع ,كانت الفكرة القومية العربية مجرد ارتكاس دفاعي تجاه او ضد حركة التتريك العثمانية , اذ لولا نشاطات الاتحاد والترقي لم تكن هناك قومية عربية .
ينحصر وجود الأمة التي تترقى الى مجتمع تكافلي تضامني في جوهرها السياسي , الذي يعني جوهر الدولة السياسية , الأمبراطورية الاحتلالية ليست دولة بالمعنى الجغرافي لهذه الكلمة , والأمبراطورية العربية الحجازية لم تكن بالمعنى الجغرافي شبه دولة الا في الجزيرة العربية , اصلا لم تكن تلك الأمبراطورية شبه دولة بالمعنى الديموغرافي ايضا , اذ لاعلاقة للديموغرافيا الهندية او الاسبانية او السورية او الشامية ببدو الجزيرة العربية , لا تتأسس الدولة على اللغة او على الانتماء الديني , انما على المواطنة والجغرافيا , وهل خالد ابن الوليد مواطن سوري بالمعنى القانوني او السياسي أو الأخلاقي للمواطنة , لا معنى لأمة تقع خارج حدود الدولة الجغرافية , اي لامعنى لأمة الاخونج , اي لاوجود لأمة عربية , اذا ارتكز تعريف هذه الأمة على الدين وعلى اللغة فقط .
أخفق الاختلاق في فبركة أمة ليست بالأمة , اخفق المشروع القومي العربي لأنه لم يملك الأسس الداخلية الذاتية للنجاح , هنا أتت اختلاقية جديدة لتبرير الاخفاق , هنا اختلقت العوامل الخارجيىة , التي غلفت بغلاف المؤامرة اللعينة الكيدية , ونصبت كصنم ورمز وتبرير للاخفاق , الذي لم يصنعه حقيقة صنم المؤامرة , انما اصنام الداخل , الذين عبدوا انفسهم وارغموا الشعوب على عبادتهم , انظمة فردية شخصية لم تتمكن من الحفاظ على الوحدة داخل الدول التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى بدون جهودهم , فكيف ستتمكن هذه الأنظمة من انتاج وحدة مع دول أخرى ؟؟؟ , الفشل لم يكن بسبب الخارج انما بشكل رئيسي بسبب الداخل .
اول انتاج لسياسات ناصر كان انفصال السودان , وأول انتاج لسياسات صدام كان انفصال الشمال العراقي ,والأمر كان مشابها في العديد من الدول العربية الخرى مشابها, بالنسبة للمغرب كان بخصوص الأمازيغ شبيها , لذا يمكن القول ان هزيمة الوحدة والتقدم والنهضة كان بسبب الداخل , الداخل فشل في الحفاظ على الوحدة الداخلية بسبب اهماله لها وبسبب انهماكه بالوحدة الخارجية , التي لاتحقيق لها , وبالتالي فشلت الوحدة الداخلية والخارجية ايضا .
