ممدوح بيطار , ربا منصور :
هناك اختلافات كبيرة في الفقه حول الحجاب , منهم من يدعي أنه فرض ومنهم من يدعي أنه عادة درج الناس عليها لا أكثر , لذلك رأى العديد من النساء انه لاحاجة لهم بالحجاب ,وبالتالي خلعوه, وهذا حقهم وخيارهم , ثم ان استعباد المرأة لايقتصر على فرض الحجاب بحد ذاته , الحجاب احد مظاهر الاستعباد وليس كلها, لا يقتصر تحرير المرأة على الاطاحة بقطعة قماش وضعت امام عيونها , للهيمنة والاستعباد الذي تمارسه الذكورية ويمارسه الدين عليها العديد من الأوجه , التي يعتبر بعضها أهم من الحجاب .
المهم بخصوص التخلص من هيمنة الذكورية هو مقدرة المرأة على اعالة نفسها , بالرغم من وجود اعاقات أخرى بخصوص التحرر , من هذه الاعاقات اذكر الشريحة الاجتماعية الملفقة والمؤلفة بالدرجة الأولى من المحجبات , الذين لايتمكنون من خلع الحجاب للعديد من الأسباب , انهن الحاسدات !, ولماذا تنعم فلانة بالحياة بدون حجاب , بينما علي تقبل قبر الحجاب وأنا حية أرزق !!!, اضافة الى الحاسدات من قطيع المحجبات هناك قطيع العلماء , الذي لايريد افلات امرأة من قبضته .
مواجهة شريحة الحاسدات وشريحة العلماء ليس بالأمر المستحيل , الا أنه متعب حقا , احيانا تصبح المرأة المتمردة اي المطلقة عرضة لمخاطر جديدة مثل زواجها للمرة الثاني مرغمة بشروط زواجها للمرة الأولى , اي ان الحالة قد تتكرر , اي ان الزواج الورقي المهين والمحفوف بالمخاطر يتكرر, هنا نريد الاشارة الى كثرة حالات الطلاق بعد لجوء العديد من العائلات السورية الى بلاد اوروبية , تقول الاحصائيات انه تم تطليق ٥٠٠٠ زوجة من زوجها في الأشهر الثلاثة الأولى بعد الوصول الى المانيا , السبب هنا كان العامل الاقتصادي , الذي وفره الضمان الاجتماعي اي الأمان الاقتصادي للمطلقات , الذي مكنهن من الانفصال والتحرر من الهيمنة الذكورية.
لاشك أن العامل الاقتصادي مهم جدا , الا أن العامل الثقافي شديد الأهمية في تحرر المرأة من الوعي الجمعي القهري , الذي تخضع له, التعليم عامل شديد الأهمية , لأن التعليم يحقق العديد من شروط التحررفي آن واحد , منها المادي الاقتصادي عن طريق العمل وبالتالي الكسب المادي , ثم امكانية تحقيق الذات بارادة ووسيلة وهدف محدد ذاتيا ,اي تحقيق ماتريده المرأة , وليس الانصياع المطلق لما يفرض عليها .
يمكن ذكر العديد من العوامل التحررية الأخرى , باختصار يمكن القول ان تحرر المرأة مرتبط بتحرر المجتمع ككل وبالثقافة السائدة خاصة الفقهية, يجب أن نعلم أن المرأة السورية حصلت على حق الانتخاب قبل حصول المرأة لهذا الحق في العديد من الدول الأوروبية مثل سويسرا , لقد كان حصول المرأة على حق الانتخاب بعد أن ادخل الانتداب الفرنسي ممارسة الانتخاب , اذ لم تعرف الحقبة العثمانية ولم تعرف الحقبة العربية القريشية هذا الحق ,حتى الدين لايعترف بهذا الحق.
بالرغم من تقدم المرأة السورية الكبير في زمن الانتداب الفرنسي وبعد رحيل فرنسا لفترة قصيرة , تبخر العديد من هذه الحقوق , بعد ان تمكنت الأصولية الدينية من استرداد نشاطها بالتدرج بعد رحيل فرنسا , ففي انتخابات ١٩٥٤حصل الاخوان على ٥٪ من اصوات الناخبات والناخبين , وكان الحجاب شبه منقرض , الآن أصبح المجتمع السوري قبيسي ومحجب , كما أن نسبة ال ٥٪ لم تعد واقعية اطلاقا والأمر ينطبق على المجالات الأخرى.
لا تعود كل تلك التطورات الى انجازات الاخوان الايجابية في فترة الاستقلال , انما لعدم تمكن حقبة الانتداب الفرنسي من خلق وعي تقدمي صلب في المجتمع السوري , الوعي التقدمي كان ” هشا ” للعديد من الأسباب , منها قصر فترة الانتداب , مقارنة مع طول فترة الاستعمار العثماني والاستعمار العربي البدوي القريشي ,وما رافق ذلك من تجذر التأخر والهيمنة الذكورية ,لقد تركت فرنسا “قشرة” حضارية , بدأ اتلافها بأول انقلاب عام ١٩٤٩ , بالرغم من تكرر الانقلابات صمدت القشرة نسبيا حتى عام ١٩٥٨ , وبعد عبد الناصر والوحدة عام ١٩٥٨ بدأ الانهيار الشاقولي والعودة الى الروح العثمانية -العربية البدوية , الى أن وصلت البلاد الى ما وصلت اليه .

مها بيطار :وأخيراً …أظنّ أنّ المرأة المسلمة لا تستطيع أن تتحرّر في مجتمع مُستعبَد، تعاني فيه مع الرّجل من الارتهان لمفاهيم اجتماعيّة أو فقهيّة محدَّدة، أو من الخضوع لسلطة أوتوقراطيّة، وهو الشّرَك الّذي وقعت فيه كثير من الباحثات العربيّات في طرحهنّ لمسألة تحرُّر المرأة، لأنهنّ جعلْنَ الرّجل هو المسؤولَ عمّا تعانيه المرأة العربيّة من قهر مزدوَج، مُغفِلاتٍ أنّ الرّجل نفسه قد يكون مُستعبَداً هو الآخر، وخاضِعاً مع المرأة، الّتي يضطّهدها، لسلطة استبداديّة واحدة، وأنّهما قد يكونان معاً أسيرَين لمفاهيم فقهيّة واحدة، ويحتاجان إلى حِراك أو ثورة اجتماعيّة لتحريرهما معاً من كلّ ما يعوق وصولهما إلى (عصور إلْسَا) الّتي حلم بها آراغون، وتحدّث عنها شارل هاروش في كتابه ( فكرة الحبّ في مجنون إلسا وأعمال آراغون) الّذي ترجمه الدّكتور وليّ الدّين السّعيديّ، وصدر عن دار النّمير بدمشق عام 1988