سمير صادق , ممدوح بيطار :
لم يكن هناك مايعرف بالهلال الخصيب , فهذه التسمية تخص عالم الآثار الأمريكي جيمس هنري برستد , والتسمية ليست المشكلة , المشكلة تتعلق بمفهوم الارث , فالمفهوم تقليدي, والارث هو بقية الشيئ بعد موت مالكه للورثة , هذه المواصفات لاتنطبق على وراثة عرب الجزيرة للهلال الخصيب أو بلاد الشام , فعندما أتى عرب الجزيرة قبل مايقارب ١٤٠٠ لم تكن بلاد الشام ميتة بشريا , لم يتعامل عرب الجزيرة مع بلاد الشام وأهل بلاد الشام كورثة وأقرباء انما كمغتصبون وقتلة ,ولا يحق لهم أصلا وراثة بلاد الشام , لأن أهل بلاد الشام كانوا في ذلك الوقت على قيد الحياة .
جاء عرب الجزيرة الى بلام الشام بالسيف ,واحتلوا بلاد الشام بالسيف , وحكموا بلاد الشام بالسيف وغيروا عقول وانتماء أهل بلاد الشام بالسيف أيضا , انه احتلال اتى عن طريق غزوة, والبدو لم يمارسوا في حياتهم سوى الغزو , سمي فتح لاضفاء شيئا من القدسية والجبرية على الاحتلال , فالله أمر بنشر الرسالة , لذلك كان الفتح ضروري , والفتح المتضمن للتملك والقدسية كان ضرورة أرثية , الله أمر بتغيير ديانة أهل بلاد الشام , انطلاقا من اعتبار الدين الأخير هو دينه , والله أراد أن يتحول المؤمن بابن مريم الى مؤمن بابن عبد الله , هكذا كان الأمر,ان كان ذلك نهبا واستعمارا وسرقة لأرض الغير , فالله هو الناهب المستعمر السارق .
عرب الجزيرة غزاة حسب وصفهم لنفسهم وحسب تسميتهم للعملية ب ” غزوة “, وللغزو مدلولات تتمثل بالانقضاض على الشيئ عنوة ثم سلبه واعتباره ملكا للفازي حسب مفهوم غنائم الحرب الشنيع ومفهوم الحق البدوي المنحط , والأشنع من ذلك كان مفهوم التحرير ,اذ يدعي اتباعهم من العروبيين أن بدو الجزيرة حرروا بلاد الشام من المحتل الفارسي -الروماني , الا أن عرب الجزيرة لم يرحلوا بعد تحريرهم لبلاد الشام !! , انما بقوا بسيفهم المسلط على رقاب الناس حتى عام ١٩١٨ , الحلفاء حرروا بالفعل بلاد الشام من الاستعمار العثماني , ورحلوا بعد فترة قصيرة نسبيا , ولو لم يرحلوا لكان من المنطقي اعتبارهم محتلين وفاتحين وارثين ومتملكين , وبادعائهم تحرير البلاد منافقين , فاستبدال مستعمر بآخر ليس تحريرا , والكارثة الأعظم تكمن في كون المستعمر الجديد أسوء من القديم بدرجات .
كل احتلالا بالقوة مرفوض مبدئيا , وكون الاستعمار أحيانا كالقدر , الذي لايترك لشعب المستعمرة سوى الخيار بين مستعمر وآخر , لذلك لو طلب من الانسان السوري أن يختار بين الاستعمار والاحتلال العربي -العثماني وبين الانتداب الفرنسي , فسيكون خياره للانتداب الفرنسي , الذي تميز بالعديد من الايجابيات النسبية مقارنة باحتلال الخلافة القريشية لبلاد الشام , الموقف أو النظرة تجاه الانتداب الفرنسي تغيرت في السنين الأخيرة , هناك من يأسف لرحيل فرنسا , فما قامت به دولة الانتداب كان في العديد من الأوجه ايجابيا , طبعا كانت هناك سلبيات أيضا , لايقارن ماقامت به فرنسا خلال ٢٥ سنة , بما قامت به الخلافة خلال ١٤٠٠ سنة.
من يسكن الآن بلاد الشام المنكونة اي الدول التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى , هم شعوب بلاد الشام , بغض النظر عن أصلهم وفصلهم , ففي اطار الدولة هناك المجتمع السوري أو العراقي ..الخ وفي كل مجتمع من هذه المجتمعات هناك شعوب متعددة محتضنة من قبل الدولة التي سميت الدولة السورية أو الدولة العراقية … وفي هذه الدولة السورية لاوجود لما يسمى مكون أساسي , فالاعتراف بمكون أساسي يتلازم حتما مع وجود مكون غير أساسي أو ثانوي , وما هو تعريف حالة المجتمع في دولة يعيش بها مواطن أساسي الى جانب مواطن ثانوي أو غير أساسي ؟ انها عدم المساواة والعنصرية التي ستدمر الدولة التي تمارسها , وفعلا تدمرت هذه الدولة على يد العنصرية الدينية التي تقول بغلبة المؤمنين , والقومية التي تقول بغلبة العنصر العربي.
اندثار هذه الدول أو مشاريع الدول كان حتمي لعدة أسباب , منها مفهوم الغلبة أي الهيمنة المشرعنة رقميا , فمفهوم الدولة الحديث لايستقيم الا مع مفهوم المواطنة , ولا وجود لمفهوم المواطنة في ظل مفهوم الغلبة القديم والأقدم من مفهوم الدولة , لايقتصر مدلول مفهوم الغلبة الدينية أو القومية على العامل الرقمي , فأهم مايتضمنه هذا المفهوم هو شرعنة الهيمنة سياسيا , بوسائل غير سياسية , فالدولة هي كيان ومشروع سياسي , , والأكثرية المذهبية ليس أكثرية سياسية ,كما أن الأكثرية العرقية القومية ليست أكثرية سياسية .
تتمثل الاشكالية باختصاربمحاولة رعاية دولا اسسها الحلفاء قبل قرن من الزمن تقريبا بوسائل بدوية قبلية عشائرية وبوسائل ليست سياسية كالانتماء الديني , والنتيجة كانت تحول هذه الدول المتواجدة في طور التأسيس الى قبائل وعشائروالى كيانات دينية تتنكر للوطن السياسي وللمواطنة , فالقبيلة وزعامتها الوراثيىة ثم الدينية لاتنسجم مع الدولة الوطن .
في الصراع بين القبيلة والدولة وقفت القبائل والعشائر والدين الى جانب القبلية والدينية , وبالتالي فشلت عملية الانتقال من القبيلة والدينية الى الدولة , والغي مفهوم المواطنة واستبدل بمفهوم التبعية,لم يتم الانتقال من مفهوم الحماية الى مفهوم الرعاية , وسمح للقبيلة والدين بأن يبتلعوا الدولة ويخضعوها الى قيمهم ومفاهمهم ومعايرهم مثل الولاء القبلي المفرط , ثم الجمود الفكري والنفور من القانون واالضدية للحداثة,لذلك لا عجب من اندثار الدولة ,ولا عجب من انتشار العشائرية والعائلية والتدين الشكلي التجاري ,هل هناك حقيقةهناك من تآمر على هذه الدولة من الخارج ؟, وهل بامكان تلك العقليات اقامة دولة ورعاية هذه الدولة, التي يتناقض وجودها وتطورها مع العشائرية القبيلية ومع الدين ,فالعشيرة ليست دولة والدين ليس دولة , وسيفشل مشروع اي دولة يراد اقامتها على العشيرة وعلى الدين , حتى لو دعم الخارج هذا المشروع .
