التكبير والتعبير ثم التفجير …
هناك في الصراع العربي-العربي عدة جبهات ,منها الجبهة الاخوانية السياسية , التي تتقوى بالمقدس وتوظفه في خدمتها على ساحة صراع شعبية بسيطة تخشى لأسباب ايمانية نقد المقدسات وتفكيكها ,المعركة عمليا بين أهل “التكبير ” مضافا اليهم االمرسلين والنصوص والآيات والتراث , وبين أهل “التعبير ” بدون اضافات مقدسة وبدون رسل وصحابة وتراث.
يطرج الاخونج نفسه من خلال تزاوج الدين كعقيدة والسياسة كدولة دينية مؤسسة على الشريعة , يحتكرالاخونج بمساعيه الدينية والسياسية التراث ويوظفه في مشروعه ويقدسه ويتعامل معه توحيدا وواحدا وموحدا ,بالتالي يكفر كل شيئ غيره ويجعل الغير عدوا له , ويخلق بالتالي وضعا انعزاليا عدوانيا لاتنفع في التخفيف من حدته وصفات الترقيع من تسامح وتعايش وطمأنة ووعود , سرعان ما ماينقلب التسامح والتعايش والوداعة الى وحش االشريعة المنفلت عندما يتثنى للاخونج أن يحكم .
لا يهدف الاخونج الى أسلمة الدولة فقط ,وانما الى اسلمة المجتمع من خلال فرض قواعد خاصة للحياة اليومية , التي على الكافر المشرك الالتزام بها قسرا ,هوية المجتمع هي هوية الغالبية ,والغالبية تعني في قاموسهم “الغلبة”, والتغلب هو الذي يملي وما على المغلوب الا الانصياع ,لايمكن للاخونج سوى أن يهيمن على الآخرين عندما يحكم ,اذ أنه من غير الممكن أن يمارس الاخونج المساواة بينه وبين أتباع انتماء ديني آخر عندما يتم اعتبار الآخرين كفرة ,عدم قطع رقاب الكفرة فورا أو تأجيل بتر رقابهم هو نوع من مكرمات الاخونج ,انه تنازل عن حق من حقوقهم…انه لطف وعطف ,أو مايسمى سماحة , في ظل دولة الاخونج قد يعيش الآخر كضيف او مستوطن وليس كمواطن , أي مخلوق من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة وما فوق ,ليس لمواطن الدرجة الثانية وما فوق أن يعارض, لأنه أولا من الأقلية وثانيا لأن المعتقد المقدس لايسمح أصلا بأي معارضة .
التوظيف السياسي للمقدس الديني قديم قدم الدين , الا أن ابعاد التوظيف السياسي التي نلمسها ونعرفها اليوم هي حديثة بعض الشيئ , انها من انتاج خطاب دعاة الاخوان العصريين , بدأ من سيد قطب وليس نهاية بالقرضاوي.
مهما كانت ظروف توظيف المقدس في السياسة ومهما بلغ اضراره بالآخر,بالنتيجة يمكن القول على أن هو ايضا ضحية من ضحايا هذا التوظيف, فالدين الحنيف والسياسة يشكلان ثنائية متنافرة تنتج صراعا سياسيا واجتماعيا وتلحق أضرارا بالغة بالقيم التي تنظم علاقة الدولة بالمجتمع بشكل عام , الدولة تصاب بالتشوه من خلال تعرض كينونتها الأرضية الى تأثيرات سماوية بعيدة عنها وعن طبيعتها بعد السماء عن الأرض.
مهما حاولنا تبرير أو تلطيف اسباب التأخر في هذه المنطقة , لابد لنا الا أن نصطدم بخليط الدين والسياسة المتناقضة القاتلة , لم يحسن الاخونج للدين ولم يحسن للسياسة , قيادة الدين للسياسة تنتج منهجية متجمدة ثابتة لايمكن أن تتوفر بها شروط السياسة, التي هي فن الوصول الى الممكن , لذلك فان توظيف الدين في السياسة عمليا هو توظيف الدين في قيادة البلاد , هذا التوظيف نسميه مجازا “سياسة” ,والسياسة بمفهومها الكلاسيكي براء من الدين , تعبير الاخونج هو تعبير يحمل التناقض في ذاته ,اذ أنه لايمكن للسياسة التزاوج مع تجمد الدين وقطعيته ,ولا يمكن لتجمد الدين التزاوج مع مرونة وديناميكية ونسبية السياسة , اذن لاسياسة في الدين ولادين في السياسة .
كان ضعف الأداء السياسي أحد مسببات انتهاك الدين لحرمة السياسة ومحاولة الحلول محلها حتى في المجال اللغوي , ففي ادبيات السياسة نجد الآن الى جانب الحوامل اللغوية السياسية كالرجعية والرأسمالية والاشتراكية والعلمانية والعمالة والخيانة الخ , مفردات أو حوامل لغوية أخرى جديدة وقديمة بآن واحد, كالتكفير والزندقة والردة والحد والزكاة والجزية والشورى والشريعة والمبايعة والعهد والولاية الخ .
من يتابع مايكتب في مواقع التواصل الاجتماعي يكتشف فورا عمق الكارثة,فمهما كان موضوع الحوار مع الاخونج نراهم بتوجهون فورا للبرهنة عن صحة احكام دينهم وعظمة نصوصه وبالتالي صحة توجههم المؤسس على نصوص دينية ملوية الرقبة, فالنص هو الصانع لرؤيتهم وهو الضامن لصحة توجهاتهم , النص هو برهان عن صحة النص, الآية هي برهان عن صحة هذه الآية, الصحة ليست بالمنطق انما بالمقدس .
عندما يقعون في مرمى نيران معارضيهم يجن جنونهم , يعتبرون ذلك في كل الحالات طعنا وازدراء بالمقدس , انهم لايناقشون الفكرة وانما يصنفون صاحب الفكرة , انه زنديق لكونه ليس من قوم المؤمنين , وأفكار الزنديق زندقة , الغرب كافر لذلك أفكاره كفر , أما منتجات فكره من سيارة أو طائرة فليست كفر , من ينوه الى الجو العلماني الذي رعى الفكر ومكنه من الابداع والاختراع يقع في حقل الانفجارات العاطفية ليحترق في بركان التخوين والتكفير والاتهام بالعمالة للصهيونية, هؤلاء حاقدون ويحاربون الدين , ليسوا منا وعليهم أن ينقلعوا من بلادنا .
لايفهم الاخونج بمشروع دولته الدينية العالم , ولا يفهم العالم دولة الخلافة الدينية , لأنها منهجية غيبية وغبية مخبولة بالتكبير , وتوظيف الدين كبديل عن السياسة ,الذي قضى على الدين والسياسة معا , انظرا الى تلك المساة دولا !
Post Views: 502