المرشد لوبون , وضرورة بناء    الوطن  السماوي   على  الأرض   !

ممدوح  بيطار  :

نعم للثورة الفكرية: الوطن والصوصيروي  راوي  في مديح لوبون قوله : ”حين كان المؤمنون متمسكون  بدينهم كانوا سابقين أيضاً في الدنيا, ولما ابتعدوا عن دينهم وتعاليمه صاروا تابعين لغيرهم وعالة عليهم, فالمؤمنون  يدفعهم دينهم إلى التقدم,ويتأخرون بتأخرهم عن دينهم!

لا عجب لو نسبت هذه المقولة ايضا الى سيد قطب أو حسن البنا او بن لادن أو البغدادي وكذلك الى العرعور وغيرهم ,لم  نعد  نعرف  ان  كان  هناك   محمدديين بعد ,    أوانه  لم  يعد هناك منهم   أحد  ,فواقعهم المتأخر    يعني  حسب  لوبون   بأنهم  تركوا الدين  وبالتالي  لم  يعد  هناك مؤمنين  ,   وذلك  بعكس   ادعاء  كاتب الرواية  عن   لوبون ,  الذي    تحدث  باسم  المؤمنين وبصيغة  الجمع  اذ  قال  على  سبيل  المثال   ,  نحن الاخوان  سنحولكم   الى  مواطنين  من  الدرجة  العاشرة ! والمقصود    بالمرشحين   للتحويل  الى  الدرجة  العاشرة   هم  بالطبع الكفرة  والمشركين من  أهل  الكتاب     والملاحدة  وغيرهم   من  غير  المؤمنين .

من  نتائج  الابتعاد   عن  الدين  حسب   الراوي عن   لوبون كان  التأخر    ,وتحول   المؤمنين   الى  التبعية  للغير , والأنكى  من  ذلك كان   تحولهم   الى  عالة  على  غيرهم ,    أي  عالة  على  البشرية   , وفي  هذه  النقطة   أصاب  لوبون  وله من  الخالق    على  الأقل  أجرا  واحدا  ,ان لم  يكن  ضعف  ذلك !

دعونا  من  لوبون   وأقواله  وحكمه وارشاداته   بخصوص الدين  وممارساته    ,التي   ارى  بها   نوعا من استلاب ارادة  وعقل   المؤمن  الملتزم   ,     لم يكن هذا   الاستلاب   أقل  من  تأهيل  هذا  الملتزم   دينيا والمهمل  لدنياه  للتأخر وبالتالي ممارسة العنف  والتطرف, الاستلاب يحول   المخلوق البشري   الى  مستعمرة  دينية ,  فالدين   هو   المنتج   الرئيسي   لمفاهيم  المحظورات والممنوعات   واستلاب  الارادات  وبالتالي  الغرق  في  التناقضات   منها  على  سبيل  المثال   تناقضات  الجنس  والسياسة  في  الدين   ,  منها ايضا   اطالة  المرحلة  الغريزية في  حياة   المخلوق  البشري ,  لتتجاوز  هذه  المرحلة  الطفولة   , وتصل   في    هيمنتها   على  الانسان  في مرحلة  الشباب   وحتى  البلوغ    أو  الكهولة . 

على  العكس  من     المرحلة    الغريزية التي   تمتد   الى سن   التمايز  الجنسي  , اي   الى  سن  السابعة   تقريبا ,  هناك  بعد   هذا  السن ماتسمى   المرحلة  السياسية  المطورة   للنظم  الخاصة   بالتعامل من   الغريزة وبعملية   ما  يطلق   عليه  اسم   المرحلة ” السياسية” بعد  مرحلة  التمايز الجنسي  ,اي   مرحلة  البناء والتعليم  والتربية , نرى في   هذه   المجتمعات   اصرارا  على  البقاء  في  المرحلة  الغريزية   وتطويلا   لهذه  المرحلة ,مما  يتناقض    مع   انسنة   الانسان   ,    الأنسنة  تعني   تحول  المخلوق  البشري   من  الفطرة   الغريزية  الى  العقل  , والبقاء  في  الغريزة  والفطرة    هو   بمثابة   انتفاء  للعقل  وبالتالي   تحجر  وتكلس  الرأس   وترسيخ  القطعية والدوغماتيكية   في   المسلكية , 

التسليم  بوجود  الخيارات   هو   أساس  التقدم والأساس  الذي يعمل  العقل في   اطاره ,  والمرشد   لوبون   رأى  العكس  من  ذلك  اذ  قرن    التقدم  مع  الالتزام الديني   ,  الذي لايعني  الا    أقصى  الالتزام بممارسة   التلقين  والنقل  , وأقصى    الابتعاد  عن  العقل,  لايستطيع الالتزام  تقديم اكثر  من  الايمان ثم  الطاعة والانصياع  والعطالة العقلية  , العقل  لايؤمن  لأن  الايمان  منافي   لعمل  العقل, ولأن   العقل   لايستطيع  الالتزام  بالانسان  ذو  البعد  الواحد, ولا  يمكن   للانسان  ذو  البعد  الواحد    أن  يكون ديموقراطيا  مثلا   , فجوهر  الديموقراطية  هو  الخيار   بين  عدة  خيارات ,  ولا معنى  للديموقراطية  عندما  تتقلص   الخيارات  الى  خيار  واحد,كالانتخاب  في  حالة    مرشح  واحد.

لاعلاقة  للايمان  الذي  يريد  المرشد  لوبون  ترسيخه  عن  طريق   خلق المؤمن   الملتزم   بالوصول  الى  الحقيقة ,  فالايمان  وجهة  نظر فقط , الا   أنها  وجهة  نظر لاغية   لوجهات  النظر  الأخرى,  لايسمح  التوحيد  الا  بمصادرة   المجتمع   ليتحول  هذا  المجتمع  الى  خادم  للايمان  الذي   يكرس  جهود  الناس   من  أجل   احتلال   موقع  مناسب  في  السماء ,  فهل   التقدم   الذي    يعنيه  المرشد  لوبون  هو   تقدم  في  السماء   أو  على الأرض؟وهل  هناك  تقاطع    بين   التقدم   في  السماء  والتقدم  على  الأرض؟؟   أو  أن  الأساس  هو   التعارض  بين  التقدم  في  السماء  والتقدم  على  الأرض , فالدين  يعتبر  الأرض   مرحلة  أو  حالة  عابرة   لايجوز   التفاني  في تخديمها ,  لابل  يعتبر  الدين   التفاني  في خدمة  الأرض   نوعا     العبث   الذي    لامعنى  له   ,  الأساس  هو  الزهد  بالأرض   والعمل  من  أجل  السماء  .

عندما  يمتلئ    المجتمع  بالدين وبالمؤمنين   ,يتقدم  اعتبار  الايمان  على  كل  شيئ   ,  بل  يصبح  هو   الاعتبار  الوحيد ,  ويتقدم  اعتبار   المؤمن    حجر  الأساس   في  بناء  الوطن  بدلا من  المواطن  ,  ولكن أي  وطن  يريد  المؤمن   بنائه ؟  هل  هو  وطن   الخلافة   أو  وطن  السماء على  الأرض  أو  غير  ذلك؟ ,   بالتأكيد   ليس   الوطن  البشري على الأرض  ,لايتم   بناء  الوطن  السماوي  على   الأرض سوى   بوسيلة   العنف والقسر,  المرفوض   من   قبل  الانسان   ذو  العقل .

يمثل واقعا من هذا  النوع   الفقاسة   التي  تنتج   التشنج    الذي  يتطور  الى  العنف  وبالتالي   الى  الحروب , تاريخ  هذه    البلاد   يؤكد علاقة  الايمان  في  مجتمع   امتلأ  بالدين    بالعنف  وبالتالي  بتأهيل البشر   لممارسة  الحروب  التي  تضع  نهاية  للأوطان , لذا  فالمرشد  لوبون يرى    التقدم   بدون أوطان ,  هنا  يلتقي   لوبون  مع  الاخوان في  مفهوم  الأمة   العابرة    لحدود  الوطن  والمتنكرة   أصلا    لوجود  الأوطان  .

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *