العروبيون واشكالية المواطن الشكلي …
لاأكثر من الهويات الفرعية الممكنة والطارئة في سوريا ,فاليوم تتصارع الهوية السورية الأساسية التي يبلغ عمقها التاريخي حوالي٨٠٠٠ سنة مع الهوية العربية الطارئة التي بلغت من العمر ١٤٠٠ سنة , والتي احتضنتها الهوية السورية كما أحتضنت غيرها مثل الرومانية والبيزنطية , ذهبت كل الهويات الطارئة , أما الهوية العربية فترفض الذهاب الى ذكريات التاريخ , بالرغم من ضحالتها الحضارية مقارنة بغيرها .
في البدء أريد التأكيد على أنه لاوجود لجوهر ثابت للمعالم التي ترتكز عليها الهوية الوطنية أو هوية بلاد وشعب , في حين ان جوهر الهوية الوطنية بالنسبة لكل وطن محدد ثابت , فهوية الانسان بشكل عام هي أمر لاعلاقة له بالولادة انما بالاكتساب والخيار ,القوانين الوضعية في مختلف الدول تحدد بعض الشروط لاكتساب الجنسية التي تتطور وتتحول الى شكل أكثر تعقيدا هو الهوية , بعد الاقامة خمس سنوات في الدول الأوروبية يصبح الانسان فرنسيا أو ألمانيا , وحتى أنه لاكتساب الجنسية السورية شروطا مماثلة , عندما يتجنس الانسان سوريا على هويته أن تصبح هوية سورية , هكذا بكل بساطة .
عندما لاتتطور الجنسية الجديدة الى هوية جديدة يحدث الخلل , وتتحول الجنسية الى “اذن” اقامة دائمة في البلاد أي مساكنة دائمة , وهذه المساكنة محفوفة بالعديد من المخاطر , وأكبر المخاطر تتمثل بممارسة المواطنية الشكلية , انه سوري شكليا ويعمل من أجل دولة أخرى واقعيا , وهذا هو أمر العروبي أو الاخواني حقيقة , هذه المواطنة الشكلية حولت الوطن السوري الى وطن شكلي انتهى باقترابه من الاندثار عمليا.
عودة الى الهوية السورية والعربية وتناقضاتهم وتوافقاتهم , فالأمر لايتعلق برفض أو تفبل الهوية العربية , وانما بالمحاولات القسرية لفرض هذه الهوية العربية على ألآخرين بعد فشلها , لقد تقبل معظم الشعب السوري هذه الهوية طوعا لمدة طويلة جدا , رحب بها وأعطاها العديد من الفرص وغفر لها أخطائها وتعاون معها , وليس من العجيب أن تخطئ العروبة ويخطئ العروبيون , ولكن من العجيب أن لايتعلموا من أخطائهم ,لقد فشلوا وأفشلوا البلاد معهم من خلال ممارسات قاصرة , بالرغم من ذلك يصرون على عربنة البلاد تحت راياتهم , فالعروبة كثقافة مسيسة تحولت بحد ذاتها الى هدف , ولم تعد وسيلة للوصول الى هدف آخر يتمثل بالرقي والتقدم والحياة الأفضل .
بالرغم من الفشل الفاضح يجب سؤال العروبيين عن أفكارهم الجديدة بخصوص الوصول الى أهدافهم , وما هي هذه الأهداف ؟ , وكيف يريدون الوصول اليها ؟ , مع الأسف لانسمع شيئا محددا عن وسائل الوصول الى الأهداف , الا القول بأنهم عرب يفخرون ويعتزون بعروبتهم , وسينتصرون على المؤامرات وعلى الأعداء , كيف ؟؟ومن هم هؤلاء الأعداء ؟؟؟وما هي الخطة التي ستضمن الوصول الى الأهداف , وما هو تأثير الاعتباطية والتهور الذي قاد الى الفشل وقضى على الكثير من الآمال والأحلام ومن أهمها فكرة الوحدة العربية بالذات , فخبرات الماضي لم تتضمن الا الكوارث , وبالرغم من ذلك يصر العروبيون- الاخوان على مواقفهم القديمة , لايبرر هؤلاء ضرورة العروبة كسياسة بنجاحاتها , وانما بكونها صفة عرقية تمتد جذورها الى ماقبل تاريخ ١٤٠٠ سنة , عمليا لاقيمة لهذه التبريرات , لأن المهم هو نجاح التجربة بغض النظر عن جذورها العرقية والتاريخية , في هذه الحالة يتوجب التأكيد عن ضعف وهزالة أمر الجذور والعروق , التي تمثل جوهر وأساس اهتمام العروبيين , ولا تمثل بالنسبة للعقلاني الا هوامش لاقيمة لها .
لما أصبحت سوريا جزءا من الخلافة , تغلغل العرب بعد ذلك في الداخل السوري , بالرغم من ذلك كانت نسبهم قليلة , بعد غزوات السلاجقة في القرن الحادي عشر وغزوات العثمانيين في القرن الخامس عشر تم توطين بعض التركمان لأغراض عسكرية في سوريا , وفي القرن التاسع عشر خلال الحرب الروسية العثمانية تم توطين بعض شركس القوقاز في المناطق الكردية للمساعدة في مجابهة الانتفاضات الكردية , وفي القرن العشرين تم توطين من بقي وهرب من الأرمن في سوريا .
أول من أنتج سوريا بحدودها الحالية كان سايكس-بيكو , اذ تم تأسيس الاتحاد السوري سنة ١٩٢٢ والدولة السورية ١٩٢٥ الى يوم الجلاء ١٩٤٦ ,من الملاحظ بأن الدولة المستقلة عام ١٩٤٦ سميت الجمهورية السورية ولم تسمى الجمهورية العربية السورية , ادراكا من النخب الحاكمة بأن سوريا ليست انتماء للعرب فقط , وانما هي انتماء لعدد كبير من الفئات والشعوب التي وجدت قبل ١٤٠٠ ولزمن طويل .
اقحام لفظة “العربية” حدث في فترة الاختطاف العربي , حيث تم سلخ سوريا عن مكوناتها الأخرى قبل وبعد الدعوة وتطويبها باسم المكون العربي والمستعرب , لقد أصبح من المفروض على الكردي والتركماني والفينيقي الخ أن يحمل بطاقة مكتوب عليها اسم المدعو بأنه عربي سوري أي عربي رغما عن أنفه , وفي الهوية كتب قبل ذلك مفردة “سوري ” فقط , لقد كان الوئام والتفاهم بين السوريين من مختلف الأصول تحت اسم “سوريا” أفضل بكثير من التفاهم تحت اسم الجمهورية العربية السورية , الذي تآكل بشدة .
من لاتاريخ له ليس له حاضرا أو مستقبلا, لاوجود في تاريخ هذه البلاد الا قاسما مشتركا واحدا هو ” سوريا” لمن عاش في هذه البلاد منذ أقدم العصور ولحد هذا اليوم , لاعلاقة للانتماء السوري الأساسي بأي طارئ تاريخي كالوجود العربي البدوي الذي بلغ من العمر ١٤٠٠ سنة , فقبل هذه المرحلة كانت هناك حالات طارئة عديدة منها الرومانية والبيزنطية والفارسية والكثير غيرهم , لاعلاقة للانتماء للوطن السوري بالعرق أو الجنس أو الدين أو العشيرة , وانما فقط في هذا العصر بالجنسية التي تمثل قانونيا نوع الانتماء للمجتمع الذي يشكل الدولة , لاوجود في المجتمع لمن هو أصيل ومن هو دخيل , فكلنا دخلاء أو كلنا أصلاء ...
Post Views: 479