سمير صادق, سيريانو :
تتطلب كل ظاهرة سياسية أواجتماعية -سياسية مخزونا معرفيا لفهمها وتحليلها ,والانسان ميال بطبيعته الى التبسيط والى مقاومة ماهو جديد ,لأن الجديد قد ينقض مسلكيةعقول اعتادت على نمط معرفي معين كالخرافة مثلا ولمدة طويلة ,حيث أصبحت الخرافة جزءا من خواص هذه العقول, التي يفاجئها الجديد في غفلة من الزمن ..يربكها ويأزمها ويصيبها بالخوف والهلع , خاصةعندما تكون هذه العقول مستقرة على تناول دواء صالح لكل زمان ولكل مرض , فالمؤامرة هي دواء عمومي لكل نكبة أو قصور أومشكلة , المؤامرة هي تعبير عن وجود أياد خفية قوية ومتربصة بالمنكوب أوالمهزوم ,عقار المؤامرة لذيذ ومريح وواسع الطيف في تأثيراته ويخفف من الشعور بالفشل والعجز , لأن تلك الأيادي الخفية من ناحية قوية ,ومن ناحية أخرى شريرة ولاتردعها عن القيام بالشرور أي رادع أخلاقي ! المؤامرة مريحة جدا لأنها تسقط مسببات الكارثة على سوء الآخر, دون المساس أو الشك بجودة الذات , فمن يتسلح بسلاح المؤامرة يعتمد في تسلحه على خاصة “الانكار” المعروفة في علم النفس, والتي تعني عدم الرغبة بمواجهة الحقيقة , لأن الحقيقة جارحة للنفس وللنرجسية الذاتية ,انكار الحقيقة هو بمثابة انكار لوجود المرض الذي يتم اسقاطه على الأيادي الخفية , هذا يعني على أنه متفوق على الأقل أخلاقيا على الظالم الخبيث الشرير الكاذب السارق ,المظلوم بريئ من كل تلك الموبقات .من يتسلح بالمؤامرة يقي نفسه من النقد الذاتي ويضع أمام عينيه سدا لمنع تسرب الحقيقة الصادمة الى داخله , وهذا السد يمنع اكتشاف المؤامرات الحقيقية التي يعرفها التاريخ البشري حقا , انه التفاف على الواقع وتجاهل أو جهل , انه مؤامرة ذاتية تقود الى فشل بعد فشل وكارثة بعد أخرى .
تمثل المؤامرة تداولا للاخبار والتفسيرات والتبريرات الكاذبة او الخاطئة, وبذلك تعتبر وسيلة تضليل , حيث تربط أحداث كبيرة بتبريرات صغيرة ومخالفة للواقع, وهذا يعرفه مخلوقات المؤامرة بشكل جيد , لذلك يحجمون عن الخوض في البراهين , انها كالدين الغيبي , الذي يبرهن عن صحة مواقفه بدلائل من نصوصه , انها كالخالق الذي يبرهن عن صحة نظراته وارشاداته بما يقال أنه انزله على انبيائه ومرسليه , هنا يمكن القول ان فرضية المؤامرة هي مؤامرة بحد ذاتها , المؤامرة ليست أصدق من تخيلات حكواتية اوانفجارات عاطفية أو حتى أنها مرضا نفسيا كالعصاب التوهمي , لاعلاقة للفكر الحكواتي المؤامراتي بالذكاء او الغباء.
من الملاحظ كثرة منظري المؤامرة عند الكثير من المنظرين الدينيين خاصة من اتباع الدين الحنيف , الذين يتحدثون على سبيل المثال عن الغرب الحاقد المتامر على ألمؤمنين وبلادهم وسعادتهم وخيراتهم , الغرب المتآمر يعمل من خلف الستار,لذلك لايرى ولا ضرورة للبرهنة على انه متخفي وراء الستار , لأن فرضية المؤامرة هي نظرية مبرهن عنها بدون برهان !!!!!
لفشل بعض الشعوب المستمر في هذا العصر العديد من الأسباب , وأحد أهم هذه الأسباب هو وبائية الخطاب “التآمري “, الذي اكتسح عقول مجموعات بشرية كبيرة , فكل التطورات التي تمر بها هذه المنطقة تخضع حسب المزاج الشعبوي الى نمطية واحدة تتلخص بتقسم اللاعبين على مسرح الأحداث الى طرف فاعل وطرف مفعول به , فالطرف الفاعل يملك أجندة خفية تملك الارادة والمقدرة على الفعل في حين يفتقر الطرف الآخر الى الارادة والقدرة على فعل أي شيئ ..مسلوب الارادة والفاعلية …مفعول به بشكل مطلق !
