الهوية الوطنية والحياة المشتركة ….
مها بيطار , روبا منصور :
لاشك بأهمية الهوية الوطنية , ولا شك بكونها تعبيرا عن خصائص شعب او جماعة , اضافة الى كونها حاضنة لأفق متقدم وراقي , افق يختاره الانسان طوعا وعن قناعة , عمليا لاوجود لشعب بدون هوية خيارية باستثناء بعض المستعمرات , التي فرض المستعمر عليها هويته وهذا الأمر لايجوز , كل استعمار بدون حق , حتى ولو قيل انه فتح بأمر من الله , الفتح لايعني احتلالا فقط , انما تملكا للأرض الجديدة , التي تعتبر غنيمة حرب حلالا زلالا لمن غنمها وسرقها ,ولكون الفتح احتلالا تملكيا تم منعه من قبل عصبة الأمم قبل قرن تقريبا .
لقد فرضت هوية الفاتحين البدو على سكان بلاد الشام لغة ودينا وحياة اجتماعية , مثل تعدد الزوجات واشكال الزواج الأخرى الست عشر تقريبا , والتي تعتبر كنخاسة اكثر منها كزواج مثل زواج المسيار وزاج المتعة وغيرهم , ثم سياسيا من خلال سلطة الخلافة الدينية -الدنيوية ومن خلال ممارسات تمثلت بمضامين العهدة العمرية المتوحشة ,عاش الناس في القهر والاذلال ودفع الجزية وهم صاغرون .. ثم اما الأسلمة او الحرب !! , لم يكن لأهل الحرف والأبجدية أي امكانية للدفاع عن انفسهم ضد أهل السيف , فالغلبة في الحرب تكون عادة لأهل السيف خاصة عنما تقتصر الامكانيات العسكرية على السيف , بالسيف ذبحوا كل من وقف في وجههم , تعداد مذابيح ابن الوليد على سبيل المثال تجاوزت مئات الألوف , كما اعترف العديد من المشايخ بالكثير من الفخر والاعتزاز ,لم يكن عسكر ابن الوليد أو عسكر عقبة بن نافع او عمرو ابن العاص مختلفا عن غيرهم , فكلهم كانوا قتلة من نوع” وجعل رزقي في ظل رمحي” !.
لقد ترك الاحتلال البدوي تراثا , حمل المستعربون لوائة بعد اقامة دول سايكس-بيكو , وحكموا باسمه وبالشراكة الضمنية أو المعلنة مع الاخوان بأشكال مختلفة في مختلف الدول التي قامت بعد الحرب العالمية الأولى , وفي لحظة سميت لحظة الاختطاف التاريخي تمكن هؤلاء من تكريس العروبة , التي تحولت مع كم هائل من الأكاذيب والوعود الى هوية هذه الشعوب , الشعوب جربت العروبة وأعطتها الكثير من الفرص , وغفرت اخطائها , ولكن ثبت لهذه الشعوب مؤخرا أن العروبة كانت طبلا فارغا , طبلا للوحدة الخلاصية والنتيجة كانت التجزئة الواقعية , طبلا للرخاء , والنتيجة كانت الفقر والتأخر , طبلا للديموقراطية والديكتاتورية كانت النتيجة , طبل للتحرر واذ بالعروبة تصبح استعمارا داخليا أسوء من الاستعمار الخارجي , لالزوم لذكر المزيد .
اذن افلست العروبة كهوية , ماتت وقبرت , وحل محلها ما يسمى الهوية القطرية كالهوية السورية والهوية المصرية وغيرهم , اي هويات مجربة كانت ناجحة جدا , وللعديد من الأسباب يمكن توقع نجاحها في الحاضر والمستقبل , تمثل هذه الهويات عملية تحرر من المرض العروبي , لكونها مختلفة جدا عن هذا المرض العروبي البدوي , انها بمثابة ثورة على الداء العروبي او التراث العروبي , الذي يجب التخلص منه بأي وسيلة كانت , التخلص نجح جزئيا لحد الآن , اذ هناك تغيرات مجتمعية كبيرة جدا , لم يعد هناك من يحمل لواء العروبة كالبعث والاتحاد الاشتراكي الناصري وغيرهم , لقد انقرضوا ودفنوا على مزابل التاريخ .
اما عن التاريخ وما يسمى التاريخ المشترك , فلم يكن لبلاد الشام تاريخا مشتركا مع بدو الجزيرة , لأن المشترك يفترض وجود الشراكة او الاشتراك في صنع الوجود , لا شراكة بين الاستعمار الاحتلالي التملكي الفتوحي وبين شعوب المستعمرة السورية او مستعمرة بلاد الشام , التي لم تعرف من الفاتح البدوي سوى التحكم والظلم والجمود وتطبيق ماجاء في العهدة العمرية المتوحشة , على عكس الوضع مع بدو الجزيرة , كان وضع بلاد الشام مع روما مختلفا ومؤسسا على المساواة في القانون ,الذي ساوى بين روما وبقية اجزاء الامبراطورية , وبالنتيجة حكم روما عدة قياصرة سوريون وغير سوريون , ثم أن صياغة القانون الروماني كانت على يد السوريين بالدرجة الأولى مثل بانيبال , لا تزال القوانين الأوروبية تسمى قوانين رومانية , لم يقتصر امر الكرسي القيصري على السوريين انما كان هناك يمنيون وليبيون ايضا , العمران كان ايضا بالتساوي , لذا لاتختلف الآثار في بلاد الشام عن الآثار العمرانية في روما وفي حوض المتوسط عموما , هذه هي ما تسمى الحياة المشتركة في ظل المساواة .
Post Views: 295