سمير صادق ,ممدوح بيطار :
يمكن التعرف على خاصة الغلبة عن طريق دراسة الشخصية البدوية الممثلة لثالوث القبيلة , الغنيمة , والغلبة , فمعالم هذه الشخصية البدوية المفرزة للقبلية وللغلبة والغنيمة كانت محصلة للتراكمات مجتمعية وتأئيرات بيئوية , لينتج عنها نمط معيشي ومسلكي حياتي متعضي ومتجذر باعماق النفس ,معالم تبفى ثابتة بالرغم من التحضر والعمران والتحديث الاستهلاكي , تسكن العقلية البدوية أحيانا في ناطحات السحاب البعيدة عن الصحراء , الا أن السكن في ناطحة سحاب لايطال البنية التحتية للعقلية البدوية لساكن ناطحة سحاب , يبقى بدويا بدون ناقة أو جمل , البنية التحتية للعقلية البدوية , هي الحصن الأخير الذي يجب اختراقه , عندما نريد طرد هذه البدوية من كيان الشخص أو المجتمع ,تتجذر البدوية المنتجة لمفهوم الغنيمة..الغلبة والقبيلة في عمق اللاشعور , كنظام وثقافة مايسمى البدوية الذهنية ,
البدوية الذهنية هي حالة ثقافية ونظام رمزي وقيمي شديد التأثير على السلوك البشري بشكل عام , وكون البدوية الذهنية ثقافة بشكل عام يجعلها صعبة الاقتلاع عن طريق قوانين ومراسيم ,تتميز البدوية الذهنية بكونها عصية على التأقلم والتجانس مع منظومات كالدولة والقانون والمؤسسات , فما يهم البدوية الذهنية بشكل رئيسي وعام هو مفهوم “الغلبة” ,فمنصب أو كرسي الفرد المصاب بالبدوية الذهنية في الدولة والمنظومة هو تمثيل ونتاج لغلبة قبيلته , لذا يتعامل هذا الفرد مع المنصب بارتجالية وغوغائية وفوقية كما تتعامل قبيلته مع القبائل التي أخضعتها لهيمنتها , مطبقا نظام القبيلة , ومتجاهلا مفهوم منظومة الدولة,الادارة هي غنيمة جاءت عن طريق الغلبة أي غلبة القبيلة أو العائلة , لذلك ينقل السيد المدير قبيلته ومصالحها وحتى شخوصها الى الادارة , فالحاجب من قبيلته والكاتب من قبيلته والمحاسب من قبيلته الغالبة , ولو لم تكن قبيلته غالبة لما كان له هذه الادارة .,
لاتنحصر الغلبة على المشاعر والمعنويات ,فللغلبة قوة تنفيذية , تحرص على اختلاق وتأسيس الهيمنة وتطبيقها, وعلى السيطرة واستفرادها , ترفض المنافسة السلمية , وتكره بذل الجهد خارج ساحات الوغى واستعمالات السيف والعنف , قليلة الحماس للعمل والانتاج , وكثيرة الشغف بالسطو وتجميع غنائم الحرب , فالمنصب السياسي ليس منصب الفرد لكفاءته , وانما منصب قبيلته وعائلته وطائفته , لذلك يصبح هم الفرد الموظف ضمان لأقصى مايمكن من الريعية والخدماتية والمنافع المادية لقبيلته وعائلته , وهكذا تنتقل قرية بكاملها الى الوزارة او الى القصر , بمجرد تحول أحد أفرادها الى مسؤول أو وزير أو رئيس أو زعيم , الزعيم لايحكم لوحده, انما تحكم قبيلة معه , انه بذلك البدوي الأول في البلاد.
تأسس مفهوم الفتح على مفهوم الغلبة ,وعلى مفهوم الحق عند البدوية الذهنية في تملك البلاد المفتوحة , فالبلاد المفتوحة تحولت الى غنيمة حرب,حلال زلال لمن تمكن من الانتصار بالسيف واحتلالها بالغزوة وبأداة الغلبة , فتملك بلاد الغير هو حق بدوي ,وكم من دماء سالت على الأرض المفتوحة , يقال لقد دفع الفاتحون ثمن الأرض بدمائهم الطاهرة !!!!! , أو بالأصح بدمائهم العكرة , لذلك لايعتبر الاخونج الأرض المفتوحة أقل من أرضهم التي اشتروها بالدم وعرق الجبين ,ومن كان هنا البائع ؟وهل اتفق الشاري مع البائع على السعر المكون من الدم وعرق الجبين , .
بخصوص مفهوم التملك بالسيف وعرق الجبين , اصطدمت ثقافة الفتح مع ثقافات بقية البشر على هذا الكوكب ,مما دفع عصبة الأمم في بداية القرن الماضي على تنظيم الاشكالية , فبعد الحرب العالمية الأولى وشيوع مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الأربع عشر, تم الاتفاق في عصبة الأمم على الغاء حق الفتح , وعلى تجريم هذا المفهوم, الى جانب الغاء مفهوم الفتح , اعلنت عصبة الأمم رفض الاستعمار والتملك عن طريقه ورفض الاستعباد , ثم اعلاء مفهوم الوطن والمواطنة وحصانة الوطن , تحول الاستعمار والاستعباد الى ممارسات ممقوتة ومرفوضة منبوذة حتى في سياقها التاريخي , اذ لايجوز الالتفاف على رفض الاستعمار عن طريق مفهوم السياق التاريخي , الاستعمار والاحتلال والفتح ممنوع اينما كان وفي أي زمن كان وفي أي حالة كانت , لقد قضي على ثقافة الفتح كما قضي على نموذج ماقبل الدولة المدنية , فلا تبرير للحروب ولا تبرير لاحتلال القدس أو فتحها من قبل عسكر ابن الخطاب , الاحتلال والفتح ليس تحرير وانما استعمار ممنوع قانونيا ومرفوض أخلاقيا , التحرير تلفيقة تبريرية , لا يمكن أن يكون الفتح تحريرا من استعمار موجود , عندما يحل “المحرر” الجديد مكانه كمستعمر ويبقى مكانه كمستعمر ومستبد جاهل وبربري لعشرات القرون .
لقد كان العرب حقيقة من أكثر المستفيدين من هذا التطور , المتمثل بانهاء حق أو مفهوم الفتح , واقرار حق تقرير المصير , الذي فسح المجال للعرب من أن يصبحوا أحرارا, وأن ينتهي استعمارهم من قبل الفاتح العثماني , الا أن العرب أحرقوا أوراقهم الرابحة عن طريق ازدواجيتهم وانفصاميتهم , التي دمرت سمعتهم ومصداقيتهم وأخلاقهم ومنطقهم , لايمكن للمنطق السليم تحمل تفاخر العرب بفتوحاتهم , التي امتدت من ريف باريس الى حدود الصين , وفي نفس الوقت استنكار احتلالات غيرهم لأراضيهم .
الغاء حق الفتح كان مناسبة جيدة لأنسنة الوعي السياسي والانساني لشعوب هذه المنطقة , الغاء مفهوم الغلبة المكثفف لمفهوم حق القوة , كان مناسبة جيدة لتعلم اساليب التداول السياسي السلمي , وبالتالي تجنب العنف الذي قضى على العديد من الدول العربية ..من اليمن الى ليبيا الى سوريا والعراق والحبل على الجرار , الغاء مفهوم الغلبة كان من مصلحة الجهة التي لاتتمكن من التغلب , لكن يبدو وكأن المنطق البدوي لايسمح بالانحياز للتحضر,انه مدمن على مفاهيم الغالب والغلبة , دون التمكن من التغلب بسبب ضيق الحال ,أمة صوتية تتغلب بالضجيج والزعيق والسباب , وفي ساحات الوغى هروب !
