العلمانية تعني اصطلاحا فصل المؤسسات الدينية عن السياسة, وتعمل على عدم قيام الحكومة أو الدولة بإجبار أي على اعتناق أو تبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب ذاتية غير موضوعية,كما تكفل الحق في عدم اعتناق دين معين وعدم تبني دين رسمي للدولة ,ويشير هذا المصطلح بان الأنشطة البشرية والقرارات وخصوصا السياسية أن تكون غير خاضعة لتأثير المؤسسات الدينية .
التحدث بشكل تفصيلي عن تاريخ العلمانية ونشوء الفكرة نتيجة للصراع مع الكليروس في أوروبا ليس ضروري تفصيليا , فالكليروس اعتبر السماء والارض وحدة, كما هو في السماء كذلك على الأرض , قوانين السماء هي قوانين الأرض وسلطة الأرض مصدرها السماء الخ ,المهم الآن هذه المنطقة حصرا ,حيث التراث محمدي ومعظم البشر ينتمون الى الدين الحنيف ,وهؤلاء او قسم كبير منهم يرى ان تأثير العلمانية الواردة من الخارج كان في منتهى السوء على المؤمنين في دينهم ودنياهم ,لماذا ؟؟
العلمانية ترفض الحكم بما أنزله الله وتريد اقصاء الشريعة عن كافة المجالات الادارية والسياسية, ثم استبدال الوحي بالقوانين الوضعية ,هنا فهم الاخونج ماتريده العلمانية فعلا ,لكنهم بالمقابل يخاتلون ويراوغون وادعوا حديثا بعد الصحوة رغبتهم في اقامة دولة مدنية , وعند السؤال عن خواص هذه الدولة المدنية لايجيبون تارة , وتارة أخرى ينسبون الدولة المدنية الى “دستور المدينة” الا أنهم لايريدون دولة جان لوك المدنية ولا يريدون دولة روسو المدنية , انهم يريدون دولة الصحوة الدينية المدنية , أي نسخة عن دولة الملالي الايرانية , دولة مدنية بمرجعية دينية ! , كيف ؟.
معظمهم يرفض العلمانية , لأن العلمانية برأيهم تحرف تاريخ القرون الأربع عشر الأخيرة وتصوره وكأنه همجي ,وتعتبر الفتوحات احتلالات استعمارية , وهذا صحيح تماما ,فالعلمانية تدرس التاريخ موضوعيا ,ولا شيئ يرغم التفكير العلماني على تزوير التاريخ ,والعلمانية ليست ملزمة بتقديس الأشخاص, ولا وجود في العلمانية لما هو غير قابل للنقد والنقاش والتطوير ,فعندما يكون الحجاج أو القعقاع أو ابن الوليد مجرما قاطع طرق فستعتبره العلمانية مجرما , وعن المجرم لايقال رضي الله عنه وأرضاه , العلمانية تعتبر الأنبياء بشر ,ومن الواجب انتقاد البشري عندما تكون هناك حاجة للنقد .
التهمة الفظيعة كانت تهمة افساد التعليم !, وكيف تفسد العلمانية التعليم ؟ تفسد التعليم عن طريق بث العقلانية في ثنايا المواد الدراسية وعن طريق العمل على الغاء مادة التدريس الديني في المدارس , ثم طريق اعتبار الدين وكأنه لايعارض العلمانية لعدم وجود علاقة بين الدين والعلمانية , ثم احتقار علامات مادة التربية الدينية وجعل هذه العلامات غير مؤثرة على تقييم الطالب, نعم هذا ماتريده العلمانية وهذا مايريده الانسان التواق الى التقدم والتحرر من أغلال الغيب ,ممتازة تلك العلمانية التي تريد ذلك !! .
يتجلى اجرام العلمانية بعملها على “إذابة الفوارق بين حملة الرسالة الصحيحة,وهم المؤمنون وبين أهل التحريف والتبديل والإلحاد,وصهر الجميع في إطار واحد وجعلهم جميعا بمنزلة واحدة من حيث الظاهر وإن كان في الحقيقة يتم تفضيل أهل الكفر والإلحاد والفسوق والعصيان على أهل التوحيد والطاعة والإيمان!”, فالمؤمن والكافر والشيوعي والمجوسي وغيرهم في ظل هذا الفكر العلماني في منزلة واحدة يتساوون أمام القانون,لا فضل لأحد على الآخر ,وفي ظل هذا الفكر يكون زواج الذمي أو البوذي أو الشيوعي بالمؤمنة أمراً لا غبار عليه ولا حرج فيه, وكذلك لا حرج عندهم أن يكون الذمي او العبري أو غيرهم من نحل الكفر حاكماً على بلاد المؤمنين , نعم تريد العلمانية مساواة الجميع أمام القانون ,وأين هو الخطأ في ذلك؟ , والعلمانية ترفض التكفير , وأين هوالخطأ في ذلك؟ ,العلمانية تريد الزواج مدنيا كما هو الحال في جميع انحاء الدنيا ,وأين الخطأ في ذلك ؟؟.
اتهام العلمانية بتشر الاباحية والفوضى ليس بالجديد , فالسيدة التي ترتدي لباسا عاديا بدون حجاب أو نقاب تعتبر “عارية”كالعنزة ,العلمانية ترفض القيود على اللباس, فاللباس أمر شخصي لاعلاقة لأحد به , ثم ان فرض الحجاب من قبل جهات دينية هو أمر ترفضه العلمانية, ومن يريد من الاخوان رجم الزانية ستكون القوانين العلمانية في انتظاره لينال من أجل ذلك أقسى العقوبات .
وسائل الاعلام من صحف ومجلات وتلفزة وتواصل اجتماعي مزعجة جدا للاخونج , فهذه الوسائل تنشر الرزيلة ليلا نهارا , لذلك يجب منعها وجعلها متفقة مع الشرع الديني ,الذي لايحب الموسيقا ولا يحب النحت الحجري ولا الصور ولا الرسوم ويمقت الفن التشكيلي والمسرح والسينما , بالمختصر يجب أن يكون الحال كحال قندهار , ففي بيوت قندهار العامرة تدخل الملائكة كل بيت لعدم وجود الصور والتماثيل أو غير ذلك مثل الكلاب , العلمانية لاتريد قندهار وتريد تشجيع الفن ,المسرح والسينما والرسم والنحت والموسيقا , ولاتهتم العلمانية برفض الملائكة الدخول الى بيت تعلق على أحد جدرانه صورة ,لاتهتم العلمانية بالملائكة ولا ترى ملائكة .
أحد شرور العلمانية كان تصييق الخناق على الدعوة عن طريق محاربة الكتاب الديني, والسماح للكتب الضالة المنحرفة التي تشكك في العقيدة , ثم افساح المجال للعلمانيين المنحرفين لنشر كتبهم المتزندقة , العلمانية تحترم الفكر ايا كان مصدره وموضوعه , انظروا الى أوروبا والى حرية الفكر بها ,هكذا تريد العلمانية ممارسة احترام الفكر , ومن يحترم الفكر كما تحترمه أوروبا قادر على انقاذ البلاد من البلاء ذو المصدر التجهيلي الأصولي .
اتهام آخر!العلمانية تتنكر لفريضة الجهاد في سبيل الله !!! , نعم العلمانية لاتعترف بمفهوم الجهاد في سبيل الله ,انما فقط في العمل من أجل البلاد والانسان والانسانية , والعلمانية تدعو الى الوطنية والى انتماء الانسان المواطن الى وطنه ,ولا تعترف بوطن الدين وتتنكر لتمييز المواطنين حسب انتمائهم الديني الثانوي ,كما أن العلمانية تكرس المواطنية ,التي يعتبرها الاخونج جامع وهمي , فالجامع الحقيقي هو الدين , في حين تعتبر العلمانية الدين والغيبية والطائفية من أكبر عوامل التفرقة والشقاق , نعم العلمانية لاتنتظر من الطوائف والطائفية أن تجمع , لأن الطوائف والطائفية لاتجمع انما تفرق !!
يعتبر الاخوان التشريع والحاكمية من اختصاص الله ولا يحق لأي انسان أن يحكم الا باذن الله , وهذا ماترفضه العلمانية بشكل قطعي , التشريع والحاكمية هي بيد الانسان ومن أجل الانسان , حاكمية الله هي حصرا في مملكته السماوية وليس كما هو في السماء كذلك على الارض !.
وضع الدين قوانين شاملة لجميع شؤون الانسان الفردية والاجتماعية , وفي الرؤية التوحيدية لايحق للسلطات الأربعة أن تتصدى لأي قانون الهي , العلمانية لاتعترف بمصدر للقوانين باستثناء الانسان ,الانسان هو الذي يصيغ القوانين التي تناسبه وتقود الى تقدمه والى تحقيق العدالة الاجتماعية بالشكل الذي يناسب الانسان .
من يلقي نظرة عابرة على قندهار يجد بأن هذه المدينة تمثل حسب مزاج الاخوان مدينة سقراط الفاضلة أو بالأصح العلاج الشافي لما تعاني منه الشعوب من تأخر , أما على المستوى الشخصي فالأمر مختلف ,فرجالات الأصولية مثل الحويني يفضلون مشافي برلين على قندهار عندما يصابوا بوعكة صحية , أما الرجل المعجزة والمؤلف لموسوعات الاعجاز العلمي زغلول النجار فيفضل المعالجة في مشفى امريكي بدلا من العلاج في احد مراكز بول البعير , بول البعير مخصص للبعير وليس لزغلول النجار قدس الله سره وأطال من عمره !