عن الحاجة للعلمانية في المجتمعات المتأخرة ؟

ممدوح   بيطار :

الالحاد والانقاذ .. – syriano      ترافقت ولادة العلمانية في أوروبا مع حركة النهضة , وحركة النهضة لم تقم في أوروبا على حذف الله وقطع الصلة مع الدين , انما تجلت في انهاء احتكار الدين من قبل  رجال الدين , ووسعت أفق الدين عن طريق تمكينه من استيعاب العلم ثم تقبله وتقبل تطورات العقل البشري , ثم    الاحتكام لهذا العقل والتصالح معه ,
لقد كان العلم     مقموعا   ومهيمن   عليه   من   قبل الديني , تحرير العلم من احتكار رجال الدين ومن الغيب سمح للدين أن يتحول الى أمر   اجتماعي  , لقد عاد رجال الدين الى حلة الانسان العادي , فالانسان العادي يستطيع أن ينتمي لدين غيبي وفي نفس الوقت يتمكن من الانصياع في دنياه لمتطلبات وحيثيات وأحكام العلم , بذلك زال التأزم بين الروحانيات والماديات وحل السلام بينهما , فأوروبا بعد النهضة وفي ظل العلمانية لم تفتقر الى الروحانيات , التي لم تعد طرفا في نزاع استمر لمئات السنين ,وقاد الى مفارقات القرون الوسطى الأوروبية ,مثل     سجن غاليليو ,  الذي  احتفظ برأسه في سجنه,
مكنت النهضة رجال الدين لأن يصبحوا جزءا من المجتمع واستمدوا كموظفين في الدولة شرعيتهم  كالسلطة,    وتحولوا الى جزء من حركة المجتمع وتطوراته , استبدلوا شرعية وهمية سماوية مشكوك بأمرها بشرعية    ارضية  حقيقية , تحولوا الى شريك للعلمانية وتأقلموا معها الى يومنا هذا , بدلا من التعارك حل التعاون الذي قاد الى الازدهار الذي نراه هذه الأيام ,
الانتماء الى الدين الذي هو بطبيعته “شخصي” تحول الى انتماء اجتماعي , وبالتالي نظريا الى عامل سياسي , الا أن الدين الذي تحرر من السياسة وحررها لم ييبد أي رغبة في التدخل بشؤون الحياة من منطلقات دينية , لاوجود في أوروبا لقانون يمنع رجال الدين من ممارسة السياسة , وهكذا كان رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية السابق كاهنا أي رجل دين , قلائل من الشعب الألماني يعرفون بأنه مهنيا كان رجل دين , لأنه لم يمارس السياسة كرجل دين وانما كانسان مدني كغيره من الساسة .
العلمانية  مكنت الدين ورجاله من ممارسة وظيفة اجتماعية , وبذلك تحول الدين الى عامل اجتماعي ولم يعد شخصي , الدين تحول الى مصدر من مصادر الأخلاقيات والقيم الدنيويية التي تعتبر شبه مقدسة , قدسيتها تتناسب طردا مع مقدرتها على خدمة الانسان والمجتمع وتتناسب طردا مع قدرتها على التطور , لاشرط أن يكون المقدس ثابت , بل بالعكس فالمقدس الخادم للانسان والحياة يجب أن يكون تطوري  , لأنه لايمكن لخدمة الانسان والحياة الا أن تخضع لأحكام التطور , فالثوابت التي خدمت في سياق تاريخي معين سرعان ماتتحول بسبب جمودها الى مخدوم من قبل الانسان والحياة , لايمكن للقيم المخدومة أن تخدم , ولايمكن للمخدوم الا أن يكون مستبدا ظالما , المفاهيم الدينية المخدومة لاتدفع للخادم ماهو ملموس كأجر , وانما ماهو موعود , لم يخبرنا  أحد  لحد الآن بأنه قد نال أجره حقيقة    في   الجنة  والوعود بقيت وعود , عمليا   احتيال !!!
انما خلقتكم لتعبدوني ! على أنه خلقنا فهذا ليس من المؤكد , المؤكد هي عبادته والتي يطالب دوما بالمزيد منها , وقد يتطرف في مطالبه الى حد    المطالبة  بالتضحية بالحياة من أجله , وهل هناك صفقة أكبر من صفقة التضحية بالحياة ! وما هو السبب في انتشار هذه الصفقات بشدة حيث ينتشر الجهل والأمية بشدة (60% من الشعب العربي أمي), وهل ابرام هذه الاتفاقييات مرتبط بعامل الجهل ؟, وهل من المستغرب في هذه الحالة الاحتيالية نشوء طبقة أو فئة من الشباب المثقفين الذين يلجؤون الى الاديولوجيات العلمانية التي تسأل وتتقصى , ليس كفرا بالدين ! وانما من منطلق الحرص على حياة الناس ومن منطلق مقاومة الغش والاستحمار.
هناك من يفسر نجاح العلمانية في الغرب وتعثرها في الشرق العربي الاسلامي بالتباين بين    الأديان  وببعض الخصوصيات   المحمدية , التي لاشك بوجودها والتي تلعب دورا مهما في مواجهة  العلمانية بما يخص ادارة الحياة الارضية ,العلمانية ليست مقدسة لنخدمها , وانما في جوهرها خادمة للحياة , وكلما تعرضت الحياة على الأرض لتأثيرات سلبية , ازدادت الحاجة الى خدمات العلمانية خاصة في البيئات   حيث تتعرض حياة البشر على الأرض لهجمات الدين السياسي السلبية في طبيعتها الجامدة , لذلك يمكن القول بان حاجة المجتمعات العربية   للعلمانية أكبر بكثير من حاجة المجتمعات الغربية الأوروبية , درجة مقاومة العلمانية في المجتمعات العربية تتناسب طردا مع حاجة    هذه    الشعوب الحقيقية للعلمانية .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *