مها بيطار :
مفهوم الأقلية غامض بعض الشيئ , فالأقلية ليست عددية فقط , انما هناك أقلية بوضع اجتماعي في اطار منظومة تفتقر الى المساواة , اي هناك اقلية عددية واقلية مهمشة بغض النظر عن نسبتها العددية , اعتبار المهمشين اقلية قاد الى تهجين وتناسل الوعي الأقلوي الذي لايعرف حدودا او سقفا.
الأصل في الأقلية هو أحد الخواص التي تعرف فئة معينة بها مثل الدين او اللغة او السلالة او الثقافة , هذا النوع من الأقلية هو النوع المادي الاثني المختلف عن النوع المتعلق بالوزن الاجتماعي , في هذه المنطقة هناك النوعان من الأقليات , الا أن النوع المادي هو الأكثر ملاحظة او وقوعا , تهميش اكثرية عددية يحول هذه الفئة الى أقلية وظيفيا وفاعلية , مثل العمالة الأجنبية في الخليج , الممثلة للأكثرية العددية , الا أن العمالة هناك تعتبر أقلية مضطهدة .
هناك في العالم العربي ظاهرة ما يمكن تسميتعها الأقلية المزدوجة , اي ان تتميز مجموعة او فئة بكونها اقلية عددية كالأمازيغ في المغرب او الأكراد في العديد من دول الشرق الأوسط , اضافة الى الاضطهاد بسبب العامل العددي , هناك اضطهاد آخر في مجال الوزن الاجتماعي -السياسي , فالأكراد مضطهدون لأنهم اقلية عددية , ولأنهم اكراد ايضا , خاصة في فترة مابعد عام ١٩٥٨ , قبل ذلك خاصة في فترة الانتداب الفرنسي وفي فترة مما اسميه فترة القشرة الفرنسية الديموقراطية في سوريا , والتي دامت عددا قليلا من السنوات , كان الأكراد مواطنين سوريون كغيرهم وكان منهم رؤساء جمهورية وضباط في الجيش وغير ذلك , المشكلة بدأت بعد يقظة التعريب , التي ابتكرها العروبيون من ناصريين وبعثيين.
مثلت هيمنة العروبين سياسيا وعسكريا في بعض الدول كسوريا والعراق والجزائر ومصر وليبيا السبب الرئيسي للتفتت ومطالبة بعض الفئات بالانفصال , فالعروبيون اعتبروا وجود هذه الأقليات خطرا على الأوطان , لذلك يجب ازالة هذه الأقليات من الوجود , والطرق التي استخدمت في عملية الازالة عديدة , كان التعريب القسري من أهمها , والتعريب القسري شابه اعتناق العديد من القبائل البدوية الدين الجديد تحت حد السيف ,وذلك على الرغم من عدم وجود كتاب للدين في ذلك الوقت , وبالرغم من كون الجميع اميون لايقرؤون ولا يكتبون , اقتصر اعتناق الدين الجديد على النطق بالشهادتين , اي انه كان اعتتناقا لفظيا هشا , مما قاد الى الردة وحروبها الدامية , ارادت السلطة العروبية -الاخونجية منع التكلم بالللغة الكردية تحت طائلة العقاب اي السيف سابقا , مما قاد الى النتائج التي نراها اليوم كنوع من الردة عن الوطن , الذي يعتدي على المواطن ,وبذلك فقد صيغته كوطن بالنسبة للاكراد , نفس المسألة تتكرر في الجزائر مع الامازيغ ومع الأقباط في مصر , وتكررت مع جنوب السودان وحتى في العراق ولبنان .
لايوجد مجمتع دولة في العالم بدون خاصة اقلية-اكثرية سياسيا , تمثل الأقلية او الأكثرية السياسية حالة عابرة ومتغيرة ومختلفة عن نموذج الأقليات -الأكثريات الأخرى كالأقليية -الأكثرية الدينية على سبيل المثال .
اهتمت المواثيق الدولية بمفهوم الأقلية -الأكثرية الثابت وليس بالمفهوم المتغير المرحلي للأقلية -الأكثرية السياسية , وتعريف اللجنة الفرعية لحقوق الانسان خص مفهوم الأقلية -الأكثرية الثابتة وليس السياسية المتغيرة , ونفس الشيئ فعلت دساتير بعض الدول مثل اعلان حقوقق الانسان في فرنسا عاام ١٧٨٩ ومعاهدة فييينا ومعاهدة برلين وسيفر واعلان الاستقلال الأمريكي ١٧٧٦ ….الخ .
بالرغم من التطورات التي عرفها العالم على مستوى المنظومات الدولية والمعاهدات الدولية ثم دساتير بعض الدول , وبالرغم من وجود اشكاليات الأقلية -الأكثرية في بعض الدول المتقدمة , الا أن حجم هذه الاشكاليات كان صغيرا , وقد تم حل معظمها بشكل ما وسلمي وبدون حروب , بعكس الاشكاليات في المنطقة العربية , التي تتطور مع الزمن باتجاه المزيد من التعقيد والتهديد لوجود هذه الدول , فالمشكلة الكردية وصلت الى مرحلة الانفصال وتقسيم البلاد , والمشكلة القبطية تعرف العديد من التلميحات بهذا الاتجاه , اما المشكلة السودانية فقد قسمت السودان الى دولتين ولا يزال مارد التقسيم نشيطا ايضا في ليبيا وفي الجزائر والعراق حتى السعودية وغيرهم .
Post Views: 429