ممدوح بيطار:
قد يكون التكفير من أهم الممارسات في هذه البلاد , ولربما أكثرها انتشارا , ولا أعرف كم من المرات وردت مفردة تكفير وكفرة الخ في النصوص , الا أنه يقال عن٥٢٤ مرة وفي الحديث الموثق ٢١٨٠ مرة, وفي العشرات او المئات من كلاهما كان هناك حضا على الجهاد بالسيف ضد الكفر والكفرة , لذلك يمكن القول بأن التكفيركان ركنا مهما من أركان الدعوة حتى اليوم , وما أكثر من مناسبات تكفير الآخرين وتهديدهم والدعاء عليهم بالفناء خاصة ايام الجمع .
هناك فروقا أساسية بين الخيانة والتخوين وبين الكفر والتكفير, الكفر ظاهرة والخيانة ظاهرة , أما التكفير فهو تهمة والتخوين تهمة , وأساس هذه التهمة هو التجني , أي أن الخطأ في الاتهام هو من صلب تخوين الغير , ثبات صحة التخوين , ينفي عنه صفة التهمة ,ويحوله الى ظاهرة الخيانة , أي أنه لم يعد تخوينا وتجني , انما خيانة مبرهنة , وبذلك تطور التكفير الى تخوين والى خيانة , مقابل كثرة التخوين والخيانة في هذه المنطقة يلاحظ عدم وجود هذه التهمة في مناطق أخرى من العالم مثل اوروبا في هذا العصر .
الخيانة هي عمل يقوم به الفرد عن عمد وقصد واصرار وتصميم , ضد ابناء وطنه ووطنه الشكلي أو الحقيقي , كأن يرحب أو يروج أحد المحسوبين على الشعب السوري باحتلال تركيا لأجزاء من سوريا , أو يفرح لتمكن تركيا من اقتطاع أجزاء من سوريا كاسكندرون أو الشمال السوري, أو أنه يروج لاحتلال بدو قريش لسوريا في الفتوحات قبل ١٤٠٠ سنة , او يروج لاستمرار هيمنة تراث هذه الفتوحات حتى في هذا العصر تحت شعار بعث الأمجاد من جديد , الذي يمارسه العروبيون والاخونج , يفخر البعض باحتلال او فتح بدو الجزيرة لأوطانهم وتملك هذه الأوطان , واعتبار قادة الفاتحين رموزا وطنية , ينشد لهم في النشيد الوطني ويعبر عنهم تمجيدا في الوان العلم الوطني , وتسمى المدارس والشورع والمعاهد باسمهم , هنا جامع خالد ابن الوليد وهناك مدرسة عقبة بن نافع , وفي الكتب المدرسية يتم اعتبار من ذبح مئات الألوف من ابنااء الوطن بطلا , على الخالق ان يرضى عته ويرضيه , خالد مخلد وله مكان مؤكد في الجنة , بالمقابل لايعرف تلميذ المدرسة السوري شخصية سورية بهذه المواصفات , اي لزوم رضى الله عته وارضائه ثم خلوده في الجنة .
تثقف البعض في اللفظيات , واعتبروا ان التخوين ليس سوى “وجهة” نظر مسموح بها ومختلفة عن وجهة النظر بخصوص اغتصابات ابن الوليد او غيره , فمن غير المسموح أن تتضمن وجهة النظر حول خالد وعمر الا الثناء …رضي الله عنهم وأرضاهم ! يقولون ان الدافع لتقد ورفض هؤلاء كان الحقد على العروبة وعلى المعتقد , حتى ولو غضينا النظر عن أصل ودلالات مفهوم الحقد حتى معجميا , فلا أعرف سببا وجيها لعدم الحقد على الغزاة مهما كانت اسباب وتبريرات غزواتهم , اننا نحقد على من احتل ارضنا وتملكها واستعمرنا وجمدنا للعديد من القرون , وهل اجتياج اوطاننا وسبي النساء والبنات ووضع السيوف على الرقاب وتذبيح البشر عملية حب او انها مسلكية مفعمة بالحقد والعدوان والبربرية , الا تحقد العروبة والدعوة على كل البشرية ؟؟.
أما عن الخيانة كوجهة نظر فالأمر أشد تعقيدا , يتطلب الأمر في البدء تعريف الواقعة , مثلا مواطن سوري “شكلا ” ير حب ليس فقط باحتلال سوريا أو بلاد الشام سابقا , انما يملأ الرضى والفرح قلبه لو حدث ذلك آنيا , لقد ألغى السياق التاريخي وتبريراته الممكنة نظريا , وتحول الى الحاضر وتمني الاحتلال حاضرا , شأنه شأن من رحب بالاحتلال التركي الأخير لشمال سوريا , أو من خفق قلبه فرحا وانطرابا , لأن اسكندرون أو عفرين او دير عابدين او غيرهم قد تحول الى جزء من تركيا .
خضع مفهوم “وجهة النظر” قديما وحديثا الى الالتباس , لذلك سعت البشرية الى تقسيم الأحداث , فوضعت قسما منها في خانة وجهات نظر , والقسم الآخر في خانة الخيانة , التي لاتمت لوجهة النظر بأي صلة , الدساتير حددت مضمون الخيانة , فكل تعامل مع أجنبي بقصد الحاق الضرر بالأرض والشعب هو خيانة وليس وجهة نظر , لذلك لايمكن في هذه الحالة الحديث عن “تخوين” انما عن خيانة , تعتري التخوين افتراضات قد تكون خاطئة , وبالتالي قد يكون التخوين جائرا , أما الخيانة فلا تخضع للافتراض والجور , خاصة عندما يكون المضمون واضحا ويكون الاعتراف حاضرا , يوم أمس واجهتني سيدة كريمة بهجمة من الفخر بصلاح الدين وغيره من الفاتحين وتساألت بصيغة النفي عن مآخذي على فتوحات عقبة بن نافع لبلاد الأمازيغ ,انها مؤيدة لفتح بلادها من قبل عقبة , لذلك يمكن القول ان الخيانة مستوطنة في هذه المنطقة ولا عجب هنا من استوطان المفاهيم الخاصة بالخيانة والتخوين في لغة شعوب هذه المنطقة , حقيقة لايمثل امر من هذا النوع تخوينا , انما ممارسة للخيانة بامتياز, بالمقارنة لا أظن بوجود مخلوق بشري في اوروبا يرحب بما قام به هتلر , وان كان هناك فعلا من يكرس فتوحات هتلر فلا نجده خارج السجن .
بالصدفة تعرفت على تعليق لأحد الأصدقاء , كتب في نهايته مايلي : أرى ان اجلاء العرب من اسباتيا كان درسا لم يستفيدوا منه ولم يتعظوا ويعقلوا ,ان العنف والعنف المضاد على ساحات المناطق الساخنة فيما يسمى بالوطن العربي الكبير , تشير الى ان احداث الاندلس وتنظيف البلاد من الدخلاء قد بدأ بشكل أو بآخر, ما كتبه الصديق ليس دعوة لأندلس جديد في سوريا , انما تحذيرا من مغبة الخيانة , سوف لن تسمح دولة القانون , التي ستقوم بالتأكيد في سوريا بتعريف مريض للمواطن , من يرحب باحتلال البلاد اي الوطن او جزءا منه من قبل أجنبي ليس مواطن انما خائن
من سخرية الزمن ان توضع الدولة الناشئة بيد من لايريد هذه الدولة ويرفضها من العروبين والاخونج, لذلك شارفت هذه الدولة على الاندثار, ليس للسوري سوى وطنا واحدا هو سوريا , ولاوجود لوطن آخر للمواطن السوري , هناك للاخونج وللعروبي اوطانا أخرى ليست في سوريا
