سمير صادق :
من معالم الانحطاط التاريخي استتباب الظلم الاجتماعي , الذي انعكس على العمل السياسي وعلى ترتيبة توزيع الثروات, استتباب الظلم الاجتماعي انعكس على وضع المرأة , التي ارغمتها الترتيبات التيولوجية ,ان كانت سلفية أو صوفية أو نقشبندية أو غير ذلك ,على الاستقالة من دورها الاجتماعي , الذي يجب أن يكون طبيعيا موازيا لدور الرجل , لاحتواء الهاربات المستقيلات من الحياة والمتوجهات الى الآخرة ,هناك مراكز الأسر والمعتقلات الذكورية , حيث يقضي فيلق النسوة مرحلة الاعتقال والأسر بين ممارسة الصلاة وبين السرير وفي المعطف الكحلي التي تتوارى به القبيسية عن الأنظار في طريقها الى المهجر السماوي .
كل ذلك تم تحت سماء مايسمى “الدعوة ” , التي يجب على المرأة ممارستها والتقيد بها ,عليها أن تجد معراجا لروحها التواقة الى المغفرة,المغفرة من ماذا ؟ولماذا؟ وأمام من !, وكأن الخالق خلق المخلوق البشري ناقص ومذنب , وما على هذا المخلوق سوى الاستغفار من الذي خلقه بهذا الشكل , خلقه مع الذنب وبالتالي عليه الاستغفار منه لتحرير ذاته من ربقة الذنوب , وأي ذنوب هذه ؟؟؟ , وهل يتحول الانسان الى مذنب بمجرد انه ولد ؟؟؟.
قافلة المذنبات المستغفرات سارت تحت مختلف الرايات , منها راية القبيسيات , التي انطلقت من سوريا , وأحدثت لها فروعا في الأردن , هناك تسمى القافلة قافلة الدعويات , وفي لبنان تدعى قافلة السحريات , وفي الكويت بنات البيادر الخ , قوافل مغلقة ومنغلقة على ذاتها , والتي تشبه الى حد ما قصور الحرملك العثمانية , الانغلاق والاغلاق هو الصفة المميزة لكامل قوافل القبيسية ,وهو من أهم القواسم المشتركة بينهن , اضافة الى ذلك البنية النسوية البديهية للقبيسيات , ومن القواسم المشتركة أيضا بعض العزوف عن الزواج طلبا للعبادة والتقرب من الخالق , وكأن الزواج يبعد الانسان عنه !! , من القواسم المشتركة ايضا يمكن ذكر الميول الى طبقة الأثرياء وصانعي القرار , ميول أثار حفيظة المسؤولين في الأمن السلطوي والأمن الديني كالسلفية وحركات الاخونج الجهادية ,فالقبيسيات من منظور نسبي هي حركة دينية مشكوك بأمرها دينيا وسياسيا واجتماعيا , سياسيا ازدادت الحركة انتشارا وقوة بعد عام ٢٠٠٠ , اجتماعيا اجتذبت الحركة انتباه الكثير الناس , خاصة بسبب ولوج القبيسيات في طبقة الأثرياء وفي ممارسة الدعوة النقشيندية (كفتارو) .
صلة الوصل بين القبيسيات والسلطة كانت المؤسسة التيولوجية خاصة المتوفي الشيخ البوطي , الذي تبنى القبيسيات , ولم يترك مناسبة الا وأبدى اعجابه بهم ,لأنهم يحفظون عن ظهر قلب صحيح البخاري سندا ومتنا وصحيح مسلم سندا ومتنا , الشيخ البوطي اعتبر هذا الانجاز , فريدا من نوعه في هذا الزمان , والذي لم يتحقق في أي زمن كان !!!
نشأت الحركة القبيسية على يد الآنسة منيرة القبيسي المولودة عام ١٩٣٣ , في أوج انتشار الصحوة في سوريا في ستينات القرن الماضي , منيرة القبيسي كانت تلميذة مفتي الجمهورية الشيخ كفتارو , التركيز على الأوساط الثرية ساعد الحركة على الانتشار , فالطبقة الثرية وجدت طريقها بعد عام ٢٠٠٠ الى السلطة أيضا , السلطة مارست حماية القبيسيات وأعطت التراخيص لمدارسهم , التي يتجاوز عددها أربعين مدرسة وبالتالي تسيطر القبيسيات على حوالي ٤٠٪ من المدارس الخاصة في دمشق ,تسمى هذه المدارس “الدار ” مثل دار الفرح في المهاجرين أو دار النعيم في المزة ,ودار المجد الخ , كل هذه المدارس بعيدة توجها عن الاستقطاب , بحيث وجد معظم الكليروس الحركة ومدارسها قريبة منهم , وبعيدة عنهم بآن واحد ,قريبة من البوطي ومن اعدائه وبعيدة عنهم جميعا, للقبيسيات بنية هلامية تلوي رقبتها أمام الجميع , وذلك لتسيطر على الجميع , قربهم من الأثرياء مكنهم من تأمين المال الضروري لبناء المدارس , ثم تمويل نشاطات أخرى من بينها حفلات التحجيب,والمال أولا وأخيرا يجر المال ,فالمدرسة أصبحت مؤسسة رابحة ,كما أن ممارسة الوساطة بخصوص التزويج أصبحت من المصادر المادية المهمة للحركة , التي أصبح انفاقها أقل من دخلها !
يقال ان القبيسيات حركة “دعوية” , أي انها ليست” سياسية ” وهذا لايمت للحقيقة بأي صلة , عدم تدخل القبيسيات مباشرة في السياسة ليس برهانا على عدم تاثيرهم على السياسة , فهم أولا وأخيرا الاحتياطي الذي يغذي الاخوان المسلمين بالكوادر ماديا وبشريا, وذلك بالرغم من وجود خلافات بين الاخوان والقبيسيات , لا أعرف قبيسية أصبحت شيوعية الى جانب انتمائها القبيسي , وانما أعرف العديد من الآنسات القبيسيات المواليات للاخوان وتنظيمهم الهرمي وخلاياهم العنقودية, التي تمثل أهم القواسم المشتركة مع الاخوان , فالقبيسية على سبيل المثال مؤهلة لتكون اخونجية وغير مؤهلة لأن تصبح سورية قومية.
تتميز البنية الهرمية للقبيسيات بالانصياع التام والكامل الى الآنسة الأكبر أي للآنسة منيرة , التي تصطف في صف الألهىة من حيث تقديسها والخضوع الكامل لها , لذا لاتمت بنية القبيسيات لما يسمى ” ديموقراطية” بأي شكل , ومن هذا المنطلق يمكن تصنيف الحركة بأنها معادية لأي تطور تحرري أو أي تطور ديموقراطي , انها رديف للاستبداد السلطوي السياسي , وقربهم من السلطة يماثل قرب الشيخ البوطي من هذه السلطة ,له مايريد وللسلطة ماتريد, شراكة متوازية متكاملة متبادلة , هدفها هو الواقع الذي يعيشه الشعب الآن , والذي يتمثل بتسلط ديكتاتوري ذو قواعد تمتد من الأرض الى السماء !.
لاتعرف الحركة القبيسية مرجعية فقهية معينة , وهذا ما جعل رجال الفقه يتهافتون للتقرب اليها بهدف تملكها والسيطرة عليها , كما أن التنظيم الهرمي المحكم جذب الكليروس الى هذه الحركة , بهدف توظيفها في خدمتهم , كون الحركة تمثل احتياطيا غير مستقطب , جعل منها هدفا مهما لذلك الكليروس التقليدي الباحث عن مؤيدين ومريدين ومتبرعين , القوة المادية للحركة جذبت العديد من المؤسسات التيولوجية , ثم أن النفوذ السلطوي جعل الحركة جذابة جدا لمن يريد التقرب من السلطة , ناهيكم عن التخصص النسوي للحركة , الذي لامثيل له في الحركات الأخرى التي يغلب عليها الطابع الذكوري .
لاتقتصر جاذبية القبيسيات على ماذكر , وانما تتعدى ذلك الى الناحية العلمية , فالقبيسيات لايرفضون العلم قطعا , والعديد منهن متعلمات وحائزات على شهادات علمية عالية , نسبة المتعلمات منهم أعلى من نسبتها عند الحركات الأخرى , من هذه الناحية اخترقت حركة القبيسيات حاجز الجهل التقني , وأصبحت حركة لها طابع علمي لايمكن تجاهله , وبالرغم من ذلك تبقي الحركة القبيسية النقيض الأكثر تطرفا للحركة العلمانية,عندما يريد المواطن السوري انشاء مدرسة مدنية تبشر بالعلمانية,يصطدم باستصدار الترخيص الذي هو من المستحيلات ,وكيف هو الحال مع القبيسيات ومدارسهم , والسماح لهم باعطاء دروس في العديد من دور العبادة ؟, انهم يستصدرون التراخيص بدون أي عقبات, ما هو السر في تمكنهم من لوي رقبة السلطة وفي الترخيص لهم والغاء الاتحاد النسائي ؟؟؟.
برر المتوفي البوطي ذلك بالدعاء المستمر الذي تمارسه القبيسيات للرئيس , دون التطرق للسياسة , وهل يمكن اعتبار الدعاء المستمر لسياسي على أنه ليس تطرقا للسياسة ؟؟نعم انه تطرق واضح جدا ,انه دعاية لجهة سياسية معينة , واتخاذا لموقف داعم لهذه الجهة ,البوطي قال ,ان ولاء القبيسيات للرئيس لاغبار عليه , الا أن هناك من يضيف الى ذلك بالقول , انه للشيخة الكبيرة منيرة القبيسي علاقة مع المخابرات وعلاقة مع عائلة الرئيس ,كل ذلك يفسر بعض الألغاز , في حين تبقى ألغاز اخرى غامضة !.
