الإسلاميّة والعلم – محاضرة ألقيت في السوربون يوم 29/03/1883
أرنست رينان (من الأكاديمية الفرنسية)
سيداتي سادتي
لقد خبرت مرات عديدة لطف اهتمام هذا المجمع من المستمعين فتشجعت على أن أطرح للدرس أمامكم اليوم موضوعا من أكثر المواضيع دقّة، مليء بالفروق الرقيقة التي لا مناص من الخوض فيها إذا أردنا أن نخلّص التاريخ من الآراء التقريبية. إنّ نقص الدقّة في استعمال الكلمات التي تسم الأعراق والأمم هي من أهمّ أسباب الالتباس في التاريخ. نتحدث عن الإغريق وعن الرومان وعن العرب وكأنّ هذه الكلمات تحيل إلى مجموعات بشرية ذات هويات قارة فلا نحسب حسابا للتغيرات المترتبة على الفتوحات الحربية والدينية واللغوية وعن الأذواق الجديدة والتيارات الكبرى من مختلف الأنواع وهي تخترق تاريخ الإنسانية. لا يمكن التحكّم في الواقع بمقولات في مثل تلك الدرجة من التبسيط. نحن الفرنسيين مثلا رومان باللغة وإغريق بالحضارة ويهود بالدين. قضية العرق التي تأخذ في المبدأ أهمية كبرى لا تنفكّ تفقد أهميتها بسبب ظهور ظواهر كونية تدعى الحضارة الإغريقية والزحف الروماني والغزو الجرماني والمسيحية والإسلامية والنهضة والفلسفة والثورة، هذه جميعا تمرّ مثل الإعصار على التنويعات البدائية للأسرة البشرية فتجبرها على الانصهار في مجموعات متفاوتة التجانس. أودّ أن أحاول أمامكم توضيح واحدة من أكثر الأفكار غموضا وتشابكا في هذا السياق، أقصد الخلط الحاصل عند استعمال الكلمات: علوم عربيّة، فلسفة عربيّة، فنّ عربي، علوم إسلاميّة، حضارة إسلاميّة. يترتب على الأفكار الملتبسة الكثير من الأحكام المضللة بل الأخطاء العملية الخطيرة أحيانا.
كلّ إنسان يتمتع بالحدّ الأدنى من الاطلاع على شؤون العصر يرى بوضوح الدونية الحالية للبلدان الإسلامية والانحطاط الذي يميّز الدول التي يحكمها الإسلام والبؤس الفكري للأعراق التي لا تقتبس ثقافتها وتعليمها إلاّ من هذه الديانة. كلّ الذين زاروا الشرق أو إفريقيا يصدمهم الانغلاق الذي يميّز عقل كلّ مؤمن صادق، حتى كأنّ دماغه قد أحيط بسوار معدني يمنع عنه العلوم ويحظر عليه التعلّم ويدرأ به أن ينفتح على فكرة جديدة. والطفل المسلم قد ينشأ بعقل يقظ لكنّ التربية الدينيّة تحوّله في سنّ العاشرة أو الثانية عشر إلى كائن متعصّب يدعي حمقا أنّه يمتلك الحقيقة المطلقة ويسعد بوضعه الدوني الذي يحسبه امتيازا. تمثّل هذه العزّة الجنونيّة الرذيلة الجذريّة للمسلم. والبساطة التي تبدو عليها عباداته تملأه باحتقار غير مبرّر للأديان الأخرى. يحتقر المسلم التعليم والعلوم وكلّ ما يميّز العقل الأوروبي لأنّه يعتقد أنّ الله يمنح الثروة والسلطان بمطلق مشيئته فلا دخل في ذلك للتعلّم ولا للاستحقاق. هذه العادة الرديئة التي رسختها العقيدة الإسلاميّة بلغت من القوّة حدّا جعل الفوارق بين الأعراق والقوميات تختفي باعتناق الإسلام. من يدخل الإسلام من البربر والسودان والقفقازيين والماليين والمصريين والأحباش يفقد هويته. ولا استثني من هؤلاء إلاّ الفرس الذين نجحوا في الاحتفاظ بروحهم الأصلية. وقد احتلت فارس في الإسلام مكانة فريدة لكنّها في العمق شيعيّة أكثر منها مسلمة.
يسعى العديد من الناس إلى التخفيف من الاستنتاجات المؤسفة المترتبة ضدّ الإسلام على هذه المعاينة العامة فيقولون إنّ هذا الانحطاط قد لا يكون في آخر المطاف إلاّ حالة عابرة. وهم يستنجدون بالماضي ليطمئنوا أنفسهم حول المستقبل. يقولون: هذه الحضارة الإسلاميّة التي نراها اليوم منحطّة قد كانت في عهد سابق حضارة شديدة التألّق. كان فيها علماء وفلاسفة وكانت لعدّة قرون معلمة الغرب الإسلامي. ما الذي يمنعها من استعادة أمجاد الماضي؟ هذا هو الموضوع الدقيق الذي أرغب في أن يكون موضوع نقاشنا. هل وجدت حقا علوم إسلامية أو على الأقلّ علوم قبلها الإسلام أو تسامح معها؟
إنّ الوقائع المعروضة لا تخلو من بعض الحقيقة. أجل ظهر في الأمصار الإسلاميّة علماء ومفكرون من ذوي المكانة المرموقة من سنة 775 تقريبا إلى حدود منتصف القرن الثالث عشر، أي في فترة امتدّت خمسة قرون تقريبا. بل يجوز القول إنّ العالم الإسلامي كان في تلك الفترة متفوّقا على العالم المسيحي من جهة الثقافة الفكريّة. لكنّ هذا الأمر جدير بأن يحلّل بعمق كي لا يكون مطيّة لاستنتاجات خاطئة. يتعيّن أن نتابع بين القرن والآخر تاريخ الحضارة في الشرق كي نميّز العوامل المختلفة التي ساهمت في هذا التفوّق المؤقت الذي انقلب بعد ذلك إلى دونية متأصلة.
لم يكن شيء أكثر غرابة عن مسامع المسلمين في قرنهم الأوّل من الفلسفة والعلوم. كان الإسلام حاصلة صراع ديني متواصل منذ عدّة قرون ترك الوعي في الجزيرة العربيّة معلّقا بين مختلف أشكال التوحيد السامي. جاء الإسلام في معزل عما يسمّى العقلانيّة والعلم واعتنقه الفرسان العرب وتعلقوا به لتبرير الغزو والنهب فكانوا في زمانهم الأوّل المحاربين الأكثر شجاعة في العالم لكنّهم كانوا بالتأكيد الأقلّ اهتماما بالفلسفة بين البشر. وكتب أديب مشرقي من القرن الثالث عشر يدعى أبو الفرج هذه الكلمات في وصف الشعب العربي: علوم العرب التي تفتخر بها هي علوم اللسان والبلاغة وقرض الشعر وإتقان النثر، أمّا الفلسفة فلم يهبهم الله منها شيئا ولم يجعلها من خصالهم.
لا شيء أصدق من هذا القول. فالعربي البدوي هو من أكثر الناس شاعرية لكنّه من أقلّهم ميلا للتأمّل والتصوّف. يكتفي العربي المتديّن تفسيرا للكون بإله مبدع يدير العالم بنفسه ويتجلّى للبشر عير رسله المتتابعين. وعندما كان الإسلام منحصرا في العرق العربي طوال الفترة الممتدّة من الخلفاء الأربعة إلى العصر الأموي لم تنشأ في صلبه حركة ثقافيّة مستقلّة عن الدين. على عكس ما يقال غالبا، لم يأمر عمر بن الخطّاب بإحراق مكتبة الإسكندريّة فهذه المكتبة في عهده لم يكد يبقى منها شيء. لكنّه انتصر لمبدأ مدمّر للبحث العالم والعمل الفكري.
لقد حصل التحوّل في حدود سنة 750 بانتصار الفرس ونصرتهم أسرة بني العباس على أسرة بني أميّة وتحوّل مركز الإسلام إلى بلاد الرافدين. كانت هذه المنطقة قد احتفظت بآثار إحدى أبهى الحضارات التي عرفها الشرق، حضارة الفرس الساسانيين التي بلغت أوجها في عهد كسرى أنو شروان. كانت المنطقة قد حفلت بالفنون والصناعات منذ قرون وأضاف إليها كسرى النشاطات الفكريّة. وكانت الفلسفة قد التجأت إلى بلاد فارس بعد أن أطردت من القسطنطينية. أمر كسرى بترجمة الكتب الهندية. كان الجزء الأبرز من السكان على مذهب المسيحيّة النسطوريّة ضليعين في علوم الإغريق وفلسفتهم ماسكين بناصية الطبّ وكان رهبانهم يتقنون المنطق والهندسة. تروي الملاحم الفارسيّة التي تواصل الروح الساسانيّة أنّ رستم عندما عزم على بناء جسر دعا كاهنا نسطوريّا ليكون مهندس الأشغال.
أوقف الزحف الإسلامي بقسوة هذا المسار الفارسي لمدّة قرن ثم جاءت الدولة العباسيّة لتمثّل انبعاثا جديدا لملك كسرى. لقد استولى بنو العباس على السلطة بفضل كتائب فارسيّة يقودها رجال من الفرس. وكان مؤسسو الدولة، أبو العباس ثم خاصة المنصور، محاطين دائما بمستشارين من الفرس. كان هؤلاء بمثابة ساسانيين منبعثين من جديد. وكان المستشارون المقربون والوزراء الكبار ومعلمو الأمراء من أسرة البرامكة وهي من الأسر الفارسيّة القديمة تميّزت بالانفتاح الذهني والوفاء لثقافتها القوميّة واعتنقت الإسلام في فترة متأخّرة ودون كبير اقتناع. أحاط النساطرة بعد ذلك بهؤلاء الخلفاء ضعيفي الإيمان وأصبحوا أطباءهم الشخصيّين واحتكروا هذا الامتياز. وكان لمدينة حرّان في تاريخ العقل البشري مكانة لا مثيل لها إذ ظلّت على وثنيتها محتفظة بالتراث العلمي للعصر الإغريقي وهي التي منحت المدرسة الجديدة فيالق العلماء الغرباء عن أديان التوحيد وخاصة منهم علماء الفلك.
لقد قامت بغداد عاصمة لهذه الحضارة الفارسيّة المنبعثة من جديد. لم يكن ممكنا تجنّب استعمال لغة الفاتحين أي اللغة العربيّة ولا رفض الدين الجديد رفضا صريحا. لكنّ روح هذه الحضارة الجديدة كانت روحا مختلطة. وقد تغلّب الفرس والمسيحيّون وكانت المناصب الإداريّة، والشرطة خاصة، بأيدي المسيحيّين. كلّ الخلفاء العباسيين المعاصرين للأسرة الكارلفنجية بفرنسا، ومنهم المنصور وهارون الرشيد والمأمون، كانوا من المسلمين ضعيفي العقيدة وكانوا يتظاهرون بالدين لأنهم زعماؤه لكن تفكيرهم كان بعيدا عنه. كانوا يتطلعون لمعرفة كل شيء وخاصة ما كان غريبا وثنيا. كانوا يسائلون الهند وفارس القديمة واليونان خاصة. صحيح أنّ أصحاب التقوى من المسلمين نجحوا أحيانا في توجيه البلاط نحو ردود فعل غريبة، فكان الخليفة يتظاهر بعض الأحيان بالتقوى ويضحي بأصدقائه من الكفار والملحدين. لكن نسمة الحرية ما تفتأ تستعيد الغلبة فيدعو الخليفة مجدّدا العلماء والخليعين وينهمكون مجدّدا في الحياة المتحرّرة ولا يملك المسلمون الأتقياء غير الإدانة.
هذا هو التفسير لحضارة بغداد التي تبدو غريبة جذابة. وقد رسخت معالمها في كل المخيّلات بفضل قصص ألف ليلة وليلة. إنها خليط عجيب من التشدّد الرسمي والتسيب المكتوم، فترة شباب وعبث ازدهرت خلالها الفنون الجديّة والفنون المرحة بفضل رعاية قادة مارقين عن ديانة متعصبة. كان الشخص المتحرّر في هذه الحضارة واقعا تحت تهديد العقوبات الأشدّ قسوة لكنه يعامل في البلاط كشخص ذي حظوة. ازدهرت الزندقة في ظل هؤلاء الخلفاء الذين كانوا متسامحين أحيانا وأحيانا أخرى جلادين بالرغم عن إرادتهم. ظهر المتكلمون وأقاموا المناظرات يخضعون بها كلّ الأديان للتعقّل. إنّنا نحتفظ بإحدى هذه المناظرات وقد سجلها أحد العلماء واسمحوا لي أن أسردها على مسامعكم كما وردت في ترجمة السيد دوزي (Dozy): طلب عالم من القيروان من متكلم أندلسي تقي قدم إلى بغداد هل حضر مجالس الكلام فأجاب أنه حضر مجلسين ولم يعد بعدها فسأله عن السبب فقال المسافر: حضرت مجلسا ضمّ مسلمين من السنة ومن المبتدعة وكفارا ومجوسا ودهريين وملاحدة ويهودا ونصارى فكانت ملل الكفر جميعا حاضرة. ولكلّ ملّة رئيسها يذبّ عن عقائدها وإذا دخل أحد الرؤساء قام الجميع احتراما ولا يجلسون حتى يأخذ الرئيس مقعده. فلما انعقد المجلس قام أحد الكفرة فقال: لقد اجتمعنا للمناظرة وأنتم أعلم بقواعدها، فليس لمسلم أن يحتجّ بآيات كتابه وأحاديث نبيه فإنّنا لا نؤمن بها، وإنّما دليلنا ما وافق العقل. فرحب الجميع بكلامه. وقال الأندلسي: عرض علي حضور مجلس ثان فكان من نفس القبيل، فهل أعود لمثل هذه المجالس؟
كان من نتائج هذا التوقف المؤقت لسلطة التقوى أن برزت حركة فلسفية وعلمية حقيقية. كان الأطباء السوريون المسيحيون متضلعين في الفلسفة المشائية والرياضيات والطب والفلك وهم ورثة آخر المدارس الإغريقية. فاستعملهم الخلفاء ليعرّبوا مجموع أعمال أرسطو وإقليدس وجالينوس وبطليموس أي علوم الإغريق التي كانت متوفرة آنذاك. بدأت بعض العقول النشطة مثل الكندي تتأمل مشاكل كونية يطرحها الإنسان دون أن يجد لها جوابا فسُمي هؤلاء الفلاسفة ومنذ ذلك الحين وهذه الكلمة العجيبة تحمل دلالة مشبوهة وتشير إلى شيء غريب عن الإسلام. أصبحت كلمة فيلسوف عند المسلمين تسمية خطيرة يمكن أن تجني على صاحبها الموت أو الاضطهاد، شأن كلمة زنديق أو بعد ذلك كلمة ماسوني. لا مناص من الاعتراف أنّ ذلك كان قمّة العقلانية الحادثة داخل الإسلام فقد نشأت ما يشبه الجمعيات الفلسفية وتُرك أخوان الصفا ينشرون موسوعة فلسفية مهمة بما تميزت به من حكمة وأفكار راقية. ثم جاء رجلان عظيمان هما الفارابي وابن سينا ليحتلا رتبة المفكرين الأكثر اكتمالا بين الفلاسفة. وتطور الفلك والجبر تطورا حثيثا خاصة في فارس. وواصلت الخيمياء تجاربها الدفينة التي كانت تبرز أحيانا إلى العلن في شكل مذهل، مثل التقطير وربما البارود. وحملت الأندلس بعد المشرق هذا المشعل وقدّم يهودها مساهمات نشيطة. ورفع ابن باجة وابن طفيل وابن رشد الفكر الفلسفي في القرن الثاني عشر إلى رتبة لم تبلغها منذ العصر القديم.
هذا هو المجموع الفلسفي الذي تعوّدنا أن نطلق عليه صفة العربي لأنه مدوّن باللغة العربيّة. لكنه في الحقيقة تراث إغريقي ساساني. وقد يكون أكثر دقّة أن نصنفه إغريقيا لأنّ العناصر الأكثر حيوية في هذا كله قد أتت من اليونان. في عصور الانحطاط تلك كانت قيمة العالم تتحدّد بما تتوفر لديه من معرفة بعلوم اليونان القديمة وكانت اليونان المصدر الوحيد للمعرفة والتفكير السليم. ولئن تفوقت سوريا وبغداد على الغرب اللاتيني فإنما السبب الوحيد لذلك قرب مفكريها من الميراث الإغريقي. كان أكثر يسرا أن نعثر على كتاب لإقليدس أو بطليموس أو لأرسطو في حرّان من أن نعثر عليه في باريس. يا للأسف! ، لو أنّ البيزنطيين رضوا آنذاك أن يكونوا أقلّ غيرة في المحافظة على كنوزهم الفكريّة التي لم تعد مقروءة عندهم! يا للحسرة! لو وجد منذ القرن الثامن أو التاسع أشخاص مثل بوساريون (Bessarion) ولسكاريس (Lascaris)! لو حصل هذا لما احتجنا لهذه الدورة الغريبة التي جعلت علوم الإغريق تصلنا في القرن الثاني عشر عبر سوريا وبغداد وقرطبة وطليطلة. إن عناية خفية قد جعلت مشعل الفكر البشري إذن بدأ يخبو بين يدي شعب تلقفه شعب آخر يرفعه ويؤجج بريقه. فهذه العناية هي التي منحت أهمية خاصة لأعمال هؤلاء السوريين المساكين وهؤلاء الفلاسفة المضطهدين وهؤلاء الحرّانيين الذين عاشوا خارج الزمان بسبب كفرهم. لقد تلقت أوروبا خميرة التراث القديم التي كانت ضرورية لنهضتها وانبثاق عبقريتها بفضل تلك الترجمات العربية لكتب الفلسفة والعلوم الإغريقية.
فعلاً، فيما كان ابن رشد، آخر الفلاسفة العرب، يسلم الروح في المغرب حزينا منبوذا، كان غربنا يتهيأ لميلاد جديد. عثرت أوروبا على عبقريتها وبدأت هذا التطوّر الرائع الذي لن ينتهي قبل أن يحرّر العقل تحريرا تاما. هنا، على مرتفعات سانت جنفياف، نشأ المصنع الجديد للعمل العقلي. ولم يكن ينقصه غير الكتب والمصادر من العصر القديم. يبدو لأوّل وهلة أنّ الأكثر منطقيّة أن تطلب تلك المصادر من مكتبات القسطنطينية التي احتفظت بالأصول بدل أن تطلب من تراجم هي في الغالب رديئة ومن لغة لم تكن مهيأة حقا لنقل التراث الإغريقي. على أنّ المنازعات الدينيّة كانت قد أحدثت شرخا بين العالمين اللاتيني واليوناني ازداد عمقا بسبب الحملة الصليبية الملعونة في سنة 1204. ثم إنه لم يكن لدينا مختصون في الهيلينستية فانتظرنا ثلاثة قرون قبل أن نحصل على لوفابر ديتابل (Lefèvre d’Etaples) أو بوديه (Budé).
وفي غياب الفلسفة الإغريقية الحقيقية التي كانت مطمورة في المكتبات البيزنطية اتجه البحث نحو إسبانيا كي تستخرج علوم إغريقية رديئة الترجمة مغشوشة. لن أذكر جيربرت (Gerbert) لأن رحلاته بين المسلمين يحيط بها شكّ قويّ، لكننا نرى منذ القرن الحادي عشر كيف كان ليون الإفريقي متفوّقا في معارفه بالمقارنة بالسائد في عصره وبلده لأنه حظي بتعليم إسلامي. وقد تشكّل من 1130 إلى 1150 مجمع نشيط يضمّ مترجمين استوطنوا طليطلة وعملوا تحت إشراف المطران رايموند (Raymond) وتولى هذا المجمع مهمة النقل إلى اللاتينية للكتب الأكثر أهمية في العلوم العربيّة. وقد دخل أرسطو العربي مظفرا إلى جامعة باريس منذ السنوات الأولى للقرن الثالث عشر. نفض الغرب عن نفسه دونية استمرّت أربعمائة سنة أو خمسمائة سنة. فحتى ذلك الحين كانت أوروبا تابعة في علومها للمسلمين. وفي منتصف القرن الثالث عشر كان الميزان بين الطرفين متأرجحا. وبداية من 1275 تقريبا بدأت تظهر بوضوح حركتان: البلدان الإسلاميّة تنحدر في انحطاط فكري شديد قاتم وأوروبا الغربية تدخل بقوّة في الطريق الواسعة للبحث العلمي عن الحقيقة. إنّه منحى عظيم لا يمكن تحديد أبعاده إلى اليوم.
كان رينان (1823- 1892) قد آمن في مرحلة معينة من حياته بأنّ المستقبل للعلم وحده، وكتب بين سنتي 1848-1849 كتابا بهذا الاتجاه عنوانه “مستقبل العلم” لم يلق طريقه إلى النشر إلا سنة 1890، ونشر مشفوعا بمقدمة يتراجع فيها الكاتب عن بعض غلوائه في تصوّر مستقبل العلم والحضارة. وبدأ رينان من سنة 1870 يتراجع عن موقفه المعادي للمسيحية ويطالب بإصلاح ليبرالي كاثوليكي وبأن يقبل رجال الدين بالفصل بين الكنيسة والدولة والجامعة. وكان يعتقد إنّ هذه الإمكانية لا يمكن أن تحصل، إذا ما حصلت، إلاّ في المجتمعات المسيحيّة التي تطوّر فيها العلم تطوّرا كبيرا وفقد فيها رجال الدين احتكار توجيه الجماهير. وتتنزّل نظريته في العجز الجوهري للإسلام عن قبول الإصلاح والتحديث في هذا السياق العام.
