معارك التحرر البشري الكبرى كانت تلك التي قامت بين مصالح الأمم ومصالح المؤسسات التيولوجية المتسلحة بمبدأ الحق الإلهي والشرع الإلهي في حكم الشعوب , لم تنفرد هذه المؤسسات باستعمال مبدأ الحق الإلهي والإرادة الإلهية, بل استعملته الملكيات المقدسة أيضا, التي ادعت استمداد سلطانها من إرادة الخالق ومن تأييد المؤسسات التيولوجية لها ,لا من الشعب ,في الدولة التي لا فصل بينها وبين المعتقد السماوي , نجد أن الحكم هو نيابة عن الخالق ,وليس نيابة عن الشعب .
تتعارض الدولة التيوقراطية مع المبادئ القومية الاجتماعية ,لأن التيوقراطية تقول بسيطرة المؤسسة التيولوجية على مجموع المؤمنين كما زعمت الخلافة , ليس في الدين أمة محددة ومصالح شعب محدد , فجوهرالتيولوجي أممي لا يتعلق بأمة محددة , وسيطرة المؤسسة التيولوجية على جمع من المؤمنين لايحولهم الى مجتمع دولة بالمعنى الفستفالي لها( اتفاقية فستفاليا بخصوص الدولة قبل حوالي ٥٠٠ سنة) ,كانت التيولوجيا صالحة لها حين كان الإنسان في طور بربريته أو قريبا منها, أما في عصرنا الثقافي الحالي فلم تعد له تلك الصلاحية ,
ليس للسورية القومية الاجتماعية موقفا حزبيا من الأفكار الدينية الفلسفية أو اللاهوتية المتعلقة بأسرار النفس والخلود والخالق وما وراء الطبيعة , فالموقف تجاه هذه الأمور لايصلح لمنظومة اجتماعية -سياسية كالحزب , انما للأفراد كأشخاص في مجتمع وليس لمجتمع الدولة ومؤسساتها السياسية .
فكرة الجامعة الدينية السياسية منافية للقومية عموما وللقومية السورية الاجتماعية أو مفهوم الأمة السورية خصوصا , تمسك بعض الفئات تيوقراطيا بالجامعة الدينية حولهم الى جماعة بمصالح تتضارب مع مصالح مجموعة دينية أخرى ضمن الوطن , وبالتالي تعرض الوطن اما الى التشرذم أو ضرورة ذوبان مصلحة بمصلحة أخرى , وبالتالي يتكرس مفهوم الهيمنة , التي تمثل حالة حرب كامنة , الحرب تستيقظ عند تواجد الظروف المهيئة لليقظة , واليقظة حتمية في يوم ما , الجامعة الدينية ليست الا تفكيكا للجامعة القومية في اطار دولة الأمة .
لا تتأسس القومية أو الأمة على الدين ذو الجوهر الأممي ,ولا تتأسس عليه الدولة القومية,لذلك نرى أن اكبر جامعتين دينيتين في العالم لم تنجحا بصفة كونهما جامعتين مدنيتين سياسيتين, كما نجحتا بصفة كونهما جامعتين روحيتين ثقافيتين, لاخطر من الجامعة الدينية الروحية ولا خطر عليها من خلال فصل الدين عن الدولة , تمثل الجامعة التيولوجية السياسية خطرا على الدولة والوحدة الاجتماعية وعلى مصالح الشعوب , وهذا ما برهن عنه واقع الاخونج السياسي وغيره من المذاهب المسيسة كل يوم .
لايمكن تحقيق الوحدة الاجتماعية القومية في اطار دولة تيولوجية كليا أو حتى جزئيا , الدولة التيولوجية مؤسسة على عدم المساواة بين فئات لاتعتبر من صلب أسس قيام الدولة , فالدولة هي دولة المواطنين وليست دولة المؤمنين ,لا ايمان في السياسة ,ولا سياسة في الايمان , ومصلحة المؤمنين لاتستقيم مع مصلحة جميع المواطنين المؤسسة على مبدأ المساواة , ليست مصلحة الوطن ترجمة لمصلحة البعض مهما كانت نسبتهم المئوية , ولا يجوز حشر النسب المذهبية في ميزان أكثرية أو أقلية سياسية , فميزان المذاهب مختلف عن ميزان السياسة , والمصلحة القومية هي مصلحة سياسية تعتمد على المساواة في الحقوق والواجبات , وحدة الحقوق والواجبات هي الوحدة التي تضمن لدولة المواطنين الاستقرار والثبات والتقدم .
من أجل ذلك اعتبر الحزب السوري القومي الاجتماعي وحدة الحقوق والواجبات ترجمة لوحدة الارادة والهدف , لذلك كان هناك المبدأ الاصلاحي الثاني الذي رأى في منع الكليروس من التدخل في السياسة , ورأى في المبدأ الثالث ضرورة ازالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب مثلا في الزواج , وفي المبدأ الرابع الغاء الاقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الانتاج وانصاف العمل , وفي المبدأ الخامس اعداد جيش يكون ذو فعالية في الدفاع عن الدولة, والجيش لايعني ميليشيات خاصة
