ممدوح بيطار
يتقبل المتعصبون الافتراضات الدينية الغيبية تقبلا أعمى , ثم يباشرون بالتكاذب على أنفسهم بالتفاخر , خاصة عندما يشعرون بضلالات وضعف افتراضاتهم وتصوراتهم , مقصد التفاخر هو تغطية الفشل , فالافتخار والاعتزاز الفارغ ليس الا محاكاة ذاتية معظمها نرجسي وهدفها الاستعلاء وبناء الجدران التي تفصل الانسان الأعلى عن الانسان الأدنى , فمن يتبجح فخرا أمام الغير , يريد القول للآخر اني عملاق اعلى وانت ادنى أو حتى لاشيئ , تتضخم الأنا عند الانسان الاعلى ادعاءا وتتورم الى حد التسرطن , ليس الاستعلاء هو المسبب الوحيد لتضخم وتورم “الأنا” , وانما أيضا تدجين ظاهرة كره الآخر ورفضه عن طريق خداع النفس وعن طريق الجهل بالهوية ,.من هم نحن ومن هو الآخر ؟, شدة التفاخر هي كشدة التعصب المذهبي , فالتفاخر يلغي الحاجة للحجة , فمن يعملق نفسه مفتخرا لايتقبل النقد اطلاقا , انه حالة موازية موزية للمقدس .
يتعرض النقد الى العديد من محاولات الاجهاض والاغتيال , تارة توضع للنقد حدود تتعلق بالمقدس , حدود مطاطة وهلامية ويمكن مطها حتى تتمكن من ابتلاع أي نقد , فالمقدس يقف للنقد في المرصاد ويريد اغتياله وقد ينجح , وعادة يفشل ,وذلك بعد معايشة أحداث قد تكون دامية كما حدث بعد الرسومات الكاريكاتورية لمجلة شارلي ايبيدو الساخرة , هناك وسائل أخرى لوأد النقد , الذي يطلقون عليه اسم مواز تقريبا هو جلد الذات , الذي يمثل حقيقة الشعور السلبي الذي يتنامى في أوقات النكبات , والبعض يفرقه عن نقد الذات , الذي هو الشعور الايجابي الذي يطمح الى التعرف الموضوعي على الوضع بشكل عام بدون مبالغة تشاؤمية أو تفاؤلية, لايمثل نقد الذات هروبا , وانما استعدادا للمواجهة ,ومهمة نقد الذات هي الخروج من المأزق , بعكس جلد الذات الذي يوفر الخلفية النفسية للموت في المأزق , وفي حالات عديدة يلتبس نقد الذات مع جلد الذات , الاشارة الى مواطن الضعف وتوصيفها وتحليلها ليس جلدا وانما نقدا , على سبيل المثال من يشير الى هزيمة التراث العربي أمام الحضارة الغربية , ثم ينصح بالذوبان في الحضارة الغربية ليس جلادا وانما ناقدا .
من يريد للحياة أن تتطور عليه مواجهة الثوابت بحجج وتحليلات , قد لا تكون متغيرة عندما لايتغير المنقود , أي انها أيضا” ثابتة “, وهذا هو الرحم الذي يولد منه التكرار والاجترار , وعدم المقدرة على صياغة الجديد من النقد والأفكار , لعدم وجود جديد في المنقود , النتيجة هي تحول النقد الى تيولوجيا قائمة بحد ذاتها , تقود هذه الآلية الى تآكل النقد وفقدانه للفاعلية والتأثير , أي ارغامه على البقاء في مرحلة الطفولة الفكرية (ماركس والالحاد الطفولي ), للغيبية التيولوجية مصلحة في البقاء في مرحلة الطفولة , ولها مصلحة في تجنب الطور السياسي الديناميكي , لكونه يشكل خطرا عليها , وضع النقد في سجن الاجترار وسجن الفطرية الطفولية هو أحد مضادات النقد , التي قد ترديه قتيلا .
عموما يجب أن تقتصر حقبة الفطرية الغريزية على فترة عدم التمايز الجنسي أي السنين الخمسة أو الستة الأولى من حياة الطفلة أو الطفل , بعد هذا العمر يجب أن تبدأ ماتسمى المرحلة “السياسية”مرحلة البناء والتربية والتأهيل للبلوغ , قد تستمر المرحلة الغريزية الطفلية الى مرحلة الشباب وحتى الى الكهولة عند غياب البناء السياسي أي التربية والتعليم والتنشئة , من الأمثلة على ذلك كان التعامل الارتكاسي الفطري النزق العنيف واللاسياسي واللاعقلاني مع رسومات وكاراكاتوريات مايسمى “الرموز المقدسة ”,مثل ذلك تعبيرا عن استمرار المرحلة الغريزية الطفولية , وعن غياب المرحلة السياسية الواعية الناقدة والمتقبلة للنقد , بهذا الخصوص لانزال بعض الشعوب والجماعات أطفالا , مقارنة مع الشعوب الأخرى التي بلغت ورشدت ونضجت ,لاتزال بعض الشعوب في مرحلة السذاجة الانفعالية , والغير فاعلة .
