ممدوح بيطار , ربى منصور :
من يريد أخذ فكرة عن الوضع , عليه القاء نظرة عابرة على اسنان الناس وعلى لباسهم وعلى علامات سوء التغذية او نقصها عندهم , يكفي منظر الثياب الداخلية , الذي يقع تحت عين الطبيب عند الفحص , أحيانا يكون المنظر بشكل يقشعر له شعر الأبدان , الثياب مهترئة ووسخة , ومظاهر اهمال جسئدي خاصة عند الانسان الفقير , لاضرورة هنا للحديث التفصيلي عن اكياس الزبالة التي تقذف من على البلاكين على رؤوس الناس , ولا موجب للحديث عن دوائر الحكومة الرسمية وعن الأوساخ على الجدران وعلى الأرض , وعن الازقة والشوارع والقمامة التي تغطي المكان ,عن مستوى المراحيض العامة التي اقيمت هنا وهناك ثم انغلقت انسدادا بالبراز والبول والزبالة , التي لم تتحاش حتى الشوارع العامة , التي تحولت كالمراحيض والبيوت الى مزابل ,
نريد في هذه المناسبة التعرض لما له علاقة بالنظافة الأخلاقية قبل النظافة الجسدية , فمن رحم القذارة الأخلاقية ولدت موجة من الدعايات والادعاءات الهادفة للترويج للنشاطات الاستعمارية لخير أمة , وذلك بقصد اعطاء خير امة الحق في الغزو والهيمنة واحتلال واستعمار بلدان الغير بالسيف ,مثل اسبانيا وسوريا وغيرهم , اذ يدعي أحفاد الفاتحين أن أجدادهم نشروا هناك في اسبانيا ثقافة النظافة , المرجع في هذا الخصوص كان الرحالة ابن فضلان , الذي قال ان الأوروبيين , لايغتسلون بالرغم من توفر الماء لديهم بغزارة,وأنهم أقذر البشر , والدليل على ذلك كان احجام الملكة اليزابيت عن الاستحمام واحجام ابنتها ايضا والملك فيليب وغيرهم , كما أن قصة الرحالة وما شاهده كتبت بنفس الأسلوب ونفس المضمون عن القيصر الروسي ايضا , لذا لا نظن بأنه لسردية ابن فضلان علاقة وثيقة مع الحقيقة , ماله علاقة مع الحقيقة كان الأمر الخرافي الذي لايزال يمارس حتى اليوم في بعض المناطق , وهو مايسى “الندر ” لقد تعهد الملك فيليب ان لايغتسل حتى يتم له تحرير بلاده , وندر القيصر الروسي كان مشابها , تلك الندور كانت تعبيرا عن فكر خرافي في اوروبا بذلك الزمن , عم أوروبا فكر خرافي آخر بخصوص العطور , التي استخدمت بكثافة من أجل مكافحة الرائحة الكريهة الناتجة عن العزوف عن الاستحمام بسبب خرافة علاقة الاستحمام بالشياطين , ولا تزال تستخدم العطور لمكافحة الروائح الكريهة حتى هذه اللحظة ولكن بدون شياطين , تلك خرافات كانت منتشرة في عصور الجهل , الخرافات البدوية كانت أفدح , ومعلم النظافة كان اوسخ .
تمثلت القذارة الخلقية بتزويرات تاريخية , كالادعاء بأن الرحالة ابن فضلان قارن بين قذارة اوروبا ونظافة عرابيا , و بالحمامات التي اقيمت في الجزيرة في ذلك العصر , مع العلم بأن وجود تلك الحمامات في تلك المنطقة وفي ذلك العصر كان قليلا جدا مقارنة مع العصور الأسبق مثل العصر الروماني , حتى ان ثقافة الحمامات كانت معدومة في الجزيرة العربية , اذ أنه لاوجود للماء الضروري لها هناك , فالجزيرة تعاني من شح الماء منذ ان وجدت الصحراء!
حقيقة انتشرت الحمامات في كل ارجاء الدنيا , ولكن الفراعنة كانوا اول من دخل الحمامات , التي تحولت مع الزمن من مراكز شبه طبية الى مراكز طبية – ترفيهية , انتشار الحمامات كان تعبيرا عن انتشار ووفرة الماء , الذي كان قليلا جدا في الجزيرة , بعكس الحمامات الرومانية التي اقيمت في مناطق تتوفر بها المياه , مثلا في بيروت , حتى انه يوجد في الجزائر حماما رومانيا لايزال يعمل منذ ٢٠٠٠ سنة حتى الآن , هناك الكثير من الحمامات الرومانية في اسبانيا وفي تركيا وفي سوريا وفي اوروبا عموما خاصة في بريطانيا , أقلها الى درجة الانعدام كان في الجزيرة العربية مقارنة مع مناطق اخرى كبريطانيا , التي بلغ دخلها من سياحة الحمامات الرومانية ارقاما عملاقة .
تمثل شعوب الشرق الأوسط وشمال افريقيا حوالي ٦٪ من مجموع سكان العالم وأقل من ٢٪ من الموار المائية , لذا تعتبر هذه المناطق الأكثر جفافا في العالم , خاصة الجزيرة العربية , يبلغ توفر المياه بشكل متوسط عالميا حوالي ٧٠٠٠ متر مكعب لكل فرد , بينما لايتجاوز توفر المياه وسطيا في الدول العربية حدود ١٢٠٠ متر مكعب , وهذا القدر الوسط مهدد بالتناقص بسبب زيادة عدد السكان بدون تزايد وفرة الموارد المائية , التي تتناقص , اظهرت دراسة انتهت عام ٢٠٠٩ تزايد فقدان احتياطي المياه العذبة في هذه المنطقة , بنسب أعلاها في العالم , تطورات من هذا النوع تهدد بالتصحر أي بتصحر ٦٠٪ من الأراضي السورية على سبيل المثال , وذلك بسبب زيادة عدد السكان وبسبب ارتفاع درجات الحرارة بشكل عام , لهذه الأسباب ولغيرها ولدت حركة wash العالمية بعد جائحة الكوفيد وولدت حملة غسل الأيدي , التي ستبلغ تكاليفها ١١ مليار دولا سنويا بالنسبة للدول الأكثر تأخرا في العالم ( حوالي ٥٠ دولة ) .
بالنتيجة يمكن القول ان شح المياه والفقر قادوا الى استيطان الأوساخ في البيوت والشوارع وفي كل مكان في هذه المنطقة , بخصوص النظافة يبدو المستقبل كئيبا , فمع تناقص النظافة تزداد الأمراض , وبالتالي يتناقص عمر الانسان الوسطي , وتكثر وفيات الأطفال ويتدهور مستوى الحياة …. النظافة ليست من الايمان انما من الماء والصابون!
