التوحش ونهاية تاريخ خير امة …
م.بيطار سيريانو :
انتهى الزمن العربي ليس على يد اعداء العروبة , انما على يد العروبيين , وانتهى الزمن الديني ليس على يد اعداء الدين , انما على يد المتدينين ,كلاهما ينازع الآن ويتواجد في مرحلة النشوة قبل الموت النهائي .
طال انتظار الربيع واكتملت شروط الحاجة اليه , أتى متأخرا , خير أن يأتي متأخرا من أن لايأتي , اتى ولقي نحبه على الاستعصاء الديني والعسكر والعنف , استعصاء تم بآلة الآية والحديث والنفط , الذي اختطف الربيع , اغتال الاخونج الدين وجردوه من روحانياته , وبالتالي من صفته كدين , عروبة وعقيدة انتحارية أعيت الجميع وانهكتهم.
لامضمون للعروبة الاخونجية سوى التأخر , او بالأحرى التنكص الى الوراء… سوى العنف والقتل والدمار والظلم والمظلومية ,دينية دنيوية مسلحة بالآية والحديث , بالوهابية والخمينية وبعبقرية بتر الرؤوس , المرفوضة حتى في زمان هلاكو , على الشعوب الآن العيش مع في حاضر يحتشد به كم هائل من البربرية , حاضر تتكثف به الحيوانية , عار على الماضي عندما يكون هذا حاضره , وعار على حاضر هذا ماضيه , عيب أن تولد شعوب في الماضي وتقبر في الحاضر , عيب ان يتحول الحاضر الى مقبرة بحجم الأوطان , من يرى هذا الحاضر البائس يفهم نتائج بعث الماضي البليد من جديد والاستنجاد به, لم تتمكن العقول المشلولة بالمقدس من ابتكار أي جديد حداثي , لذلك كان اللجوء الى القديم العتيق التراثي حتمي .
لم تفض عواصف السنين الأخيرة الى رسم مسار ووجهة جديدة , تاهت وضاعت في الخرافات والخزعبلات والحروب , التي التهمت الأجساد والعقول , الشيئ الجديد هو مشاكل جديدة , والربيع الذي كان عليه حل المشاكل القديمة استقال أو أقيل وأصبح عاطلا بالمطلق على التأثير , فلا قدرة على التخلص من الخلل القديم, ولا قدرة على ازاحة الخلل الجديد , ومن يفكر الآن في الحرية والديموقراطية ؟ , بعد أن انفجر الجوع كدملة في المعدة , تكاثرت المشاكل وتسارع الانحدار الى الأسفل , تعاظم العنف والتطرف والطائفية والنزعة الانتقامية التدميرية , ثم التفتيت والتجزئة على كل المستويات جغرافيا ونفسيا واجتماعيا وانسانيا واقتصاديا ,تحول الدمار الى سيد الموقف الى جانب سيد آخر هو فقدان الأمل وموت الأفق , لا أمل ولا أفق منظور في بيئة ملبدة بغيوم غبار المعارك , بيئة ترغم على تجرع سموم الغيبية الدينية والغيبية السياسية , التي غيبت الوجود الانساني لهذه الشعوب , عادة يكون الاعتراف بفقدان الأمل وانعدام الأفق محفذا للتفكير بطرق أخرى وللعمل بأساليب أخرى , الا في هذه المنطقة , حيث فقد الأمل وفقد الأمل بالأمل , مصرون على الاستمرار بالانهيارات حتى النهايات المتمثلة بالاندثار والموت .
كان القرن الماضي قرن الالتباسات بما يخص امر العرب ووحدتهم ودينهم وخلافتهم ورموزهم ومحاولة بعث ماضيهم القاصر من جديد, نجح الاسلام العروبي والعروبة الاسلامية في تحقيق مضامين هذا البعث الجديد , والآن لدينا حاضرا ممثلا للماضي ادق تمثيل , حاضر يتنفس غبار الحروب ويستنشق روائح الجثث, ولا يختلف عن داعس والغبراء أو صفين او الجمل او كربلاء , نجحوا في البعث والنقل , الا ان خيبة الأمل بالرغم من هذا النجاح المبهر كانت على اعظمها , ظنوا بأن الماضي الذي نقلوه “خلاصي” , وتبين لهم بأنه ليس خلاصي , انما ” انتكاصي “, واذا كان لهذا الماضي في سياقه التاريخي بعض المبررات وبعض الظروف التي قادت الى صياغته والى قيام امبراطورية الذل والاستغلال والنخاسة والعبودية , الا أنها كانت ” امبراطورية”ومن أسوء الأمبراطوريات , أما الآن فالأمر مختلف ومتخلف , فلا أمبراطورية تدر الجزية ولا تفاعل ايجابي مع الحداثة, ومن فشل طوال ١٤٤٠ سنة سوف لن ينجح في ٤٠ سنة , وصل المستعربون الى نهاية التاريخ, الذي اهملوه وخرجوا في النهاية منه!.
نشك بجدوى التفكير بمآلات هذه الشعوب , فما مضى , قد مضى وانقضى , لم يعد امر المشاكل القديمة مهما ,لكونها تتجدد وتتراكم باستمرار , بحيث تحولت الى جبل يزداد ارتفاعا وقطرا , اي يكبر بمحوريه الأفقي والشاقولي , سقطت الكيانات في مرحلة ماقبل الدولة التي كان عليها أن تتحول الى دولا , حقيقة لم تكن هناك امبراطورية بالمعنى التحضري الا في الوهم , ولم تكن هناك دولا الا في النصوص , ولم تكن هناك شعوب أو بالاحرى مجتمعات الا في الخطب والاناشيد ,لاعجب في النهاية , كان الأمر حقيقة كذبة وانتهت !
Views: 4