مروان صباح :
13-10-2026
لم تعد صناعة العظمة تحتاج ، في عصر وسائل التواصل الاجتماعي ، إلى عقل استثنائي أو منجز تاريخي ؛ يكفي أحيانًا أن تكون قد قدّمت فنجان قهوة لرئيس ، أو وقفت خلفه في صورة ، أو عملت في مطبخه ، لتكتشف بعد سنوات أنك كنت شاهدًا على التاريخ ، وربما قررت ، في لحظة إلهام نادرة ، أنك صانع خفي لأحداثه أيضًا ، هكذا أصبح الاقتراب من العظماء بديلًا عن العظمة ، وتحولت التفاصيل الصغيرة إلىّ بضاعة رائجة ، وصار بوسع طباخ الرئيس أن ينافس المؤرخ ، لا لأنه فهم ما جرى ، بل لأنه يعرف ماذا كان الرئيس يأكل قبل أن يقرر ما سيجري ، ولقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي الناس فرصة غير مسبوقة لتبادل المعرفة في مجالات السياسة والرياضة والتغذية وعلم النفس ، لكنها منحتهم ، في الوقت نفسه ، مساحة واسعة لتضخيم ذواتهم وتسويق التفاهة بوصفها معرفة ، فما الذي يضيفه إلى التاريخ أن يخبرنا أحدهم بأن شخصية سياسية كانت تفضل الفول المدمس ، أو تنام على جانبها الأيمن ، أو ترتدي حذاءً إيطاليًا بدلًا من الألماني؟ ، قد تكون هذه التفاصيل ذات دلالة إذا أسهمت في فهم الشخصية ، لكنها تصبح ضربًا من النميمة المؤرشفة حين تُقدَّم بوصفها معرفة قائمة بذاتها ، فالتاريخ لا يُكتب بما أكله صانعوه ، بل بما صنعوه ؛ ولا تُقاس أهمية الشاهد بمقدار قربه من الحدث ، وإنما بقدرته على فهمه وتفسيره .ومن هنا تبدأ المفارقة : كيف يستطيع إنسان حُرم البصر أن يرى في العالم ما يعجز عن رؤيته آخرون مفتوحو الأعين؟ وكيف يتمكن أبو العلاء المعري ، الذي عاش مكفوفًا ، من بناء عالم شعري وفلسفي تتقاطع فيه أسئلة الوجود والأخلاق والطبيعة والإنسان ، بينما لا يتجاوز بعض المبصرين حدود طبق الطعام الذي وضعوه أمام أسيادهم؟ ، لم يكن المعري مجرد شاعر عوّض فقدان البصر باللغة ، بل عقلًا جعل من التأمل وسيلة لمساءلة العالم وموروثاته ، لقد أثبتت تجربته أن الحرمان الحسي لا يعني بالضرورة فقرًا في الخيال ، وأن الرؤية لا تتوقف عند ما تلتقطه العين ، بل تبدأ أحيانًا حين تعجز العين عن تقديم إجابات جاهزة ، غير أن ذلك لا يجعل العمى فضيلة في ذاته ، كما لا يجعل البصر دليلًا على الحكمة ؛ فالفارق الحقيقي يكمن في قدرة الإنسان على تحويل تجربته إلى معرفة ، وما يراه إلى سؤال ، وما يسمعه إلى فكرة ، ولعل هذا ما يجعل استحضار المعري إلى جانب خورخي لويس بورخيس وجون ميلتون وطه حسين أمرًا يتجاوز الحديث عن شخصيات فقدت البصر ثم أبدعت ، فهؤلاء ، على اختلاف تجاربهم ، يذكّروننا بأن حدود الجسد ليست بالضرورة حدود العقل ، وأن الإنسان لا يُقاس بما حُرم منه ، بل بما استطاع أن يبنيه بما امتلكه ، أما العمى الذي يستحق التأمل حقًا ، فليس ذلك الذي يصيب العين ، بل الذي يصيب الفهم ، حين يرى الإنسان الأشياء ولا ينفذ إلى معانيها ، وقد منح بورخيس هذه المفارقة بعدًا حسيًا وفلسفيًا خاصًا ، فالعمى ، في تجربته ، لم يكن بالضرورة ليلًا دامسًا يبتلع العالم ، كما يتخيله المبصرون ، بل تجربة تتغير فيها علاقة الإنسان بالألوان والذاكرة والصورة ، وقد تحدث عن تراجع حضور بعض الألوان في إدراكه البصري ، ومنها الأحمر والأسود ، لكن تجربة المكفوفين ليست واحدة ، ولا يصح تعميم تجربته عليهم جميعًا ، الأهم أن بورخيس زعزع يقين المبصرين بشأن ما يتخيلونه عن العمى ، كاشفًا أن الإنسان قد يخطئ في فهم تجربة غيره بقدر ما يخطئ في فهم العالم الذي يظن أنه يعرفه .
وهنا يغدو اللون الأسود أكثر من لون ؛ يصبح استعارة للجهل حين يتخفى في هيئة يقين ، وللعقل حين يكتفي بظاهر الأشياء ، فالمرء قد يرى العالم بألوانه كلها ، لكنه يعجز عن إدراك تناقضاته ، وقد يفقد بعض قدرته على الرؤية ، لكنه يحتفظ بما يكفي من الخيال والتأمل ليفهم ما يتجاوز حدود الحواس.
وفي رواية «العمى» لجوزيه ساراماغو ، تتخذ هذه المفارقة صورة أكثر قسوة ، فوباء العمى الذي يجتاح المجتمع لا يترك المصابين في ظلام أسود ، بل يغرقهم في بياض كثيف يحجب الأشياء ويعطل قدرتهم على الاهتداء ، ومن خلال هذه الصورة ، ينقل ساراماغو العمى من المجال الجسدي إلى المجال الأخلاقي والاجتماعي ؛ إذ تكشف المحنة هشاشة النظام الذي يتباهى به البشر ، وتفضح الأنانية والعنف حين تتراجع القواعد التىّ تحفظ كرامة الإنسان ، لا يقول ساراماغو إن فقدان البصر يجعل الإنسان أكثر حكمة ، بل يكشف العكس أحيانًا : قد يفقد المرء القدرة على الرؤية ، ثم يفقد معها القدرة على رؤية الآخر بوصفه إنسانًا يستحق الاحترام ، وهنا يلتقي عالمه الروائي مع سؤال المعري وبورخيس : ما قيمة العين إذا عجز صاحبها عن إدراك الحقيقة؟ وما قيمة المعرفة إذا لم تتحول إلى وعي ومسؤولية ؟، إن الخيط الذي يجمع هذه التجارب ليس العمى في ذاته ، بل الفجوة بين امتلاك المعلومة وفهمها ، وبين رؤية الأشياء وإدراك دلالاتها ، فكما أن فقدان البصر لا يحكم على الإنسان بالعجز عن الإبداع ، فإن امتلاك المعلومات لا يمنح صاحبها تلقائيًا حق تفسير التاريخ ، قد يعرف شخص كل تفاصيل الحياة اليومية لرئيس ، لكنه يعجز عن تفسير قراراته وأثرها في المجتمع ، وقد يعرف آخر تفاصيل كثيرة عن العالم ، لكنه يظل أسير غرائزه ومصالحه ، عاجزًا عن تحويل المعرفة إلى حكمة .
عند هذه النقطة ، تتجاوز المسألة نقد التفاهة على وسائل التواصل الاجتماعي ، لتلامس علاقة الإنسان بالعقل والغريزة ، فحين تتقدم الرغبة في الشهرة على الحاجة إلى المعرفة ، وتصبح المنفعة أهم من المبدأ ، يتحول الإنسان إلى أسير لما يشبع حاجاته العاجلة ، وتغدو التفاصيل وسيلة للترويج للذات بدلًا من فهم الواقع ، ليست المشكلة في الطعام أو المال أو الشهرة ، بل في أن تصبح هذه الأشياء غايات تستعبد الإنسان وتحجب عنه ما هو أبعد منها ، وليس كل منعزل فيلسوفًا ، كما أن ليس كل من دخل السجن شاعرًا ، ولا كل من فقد بصره قادرًا على رؤية ما يعجز عنه الآخرون ، فالمحنة وحدها لا تصنع العظمة ؛ الذي يصنع الفارق هو ما يفعله الإنسان بها، وكيف يحولها إلى تجربة للفهم والإبداع ، بدلًا من أن يجعلها عذرًا للانسحاب أو وسيلة لابتزاز التعاطف .
في نهاية المطاف ، لا يحتاج التاريخ إلى مزيد من الرواة الذين يُخبروننا بما أكله الشخصيات التاريخية أو ما ارتدوه ، بقدر ما يحتاج إلى من يُفسّرون ما فعلوه ، ولماذا فعلوه ، وما خلّفوه من آثار ، فالتاريخ ليس مطبخًا نُحصي فيه الأطباق ، ولا خزانةً نُرتّب فيها الأحذية ؛ بل هو محاولة لفهم الإنسان في تناقضاته وتحولاته ومصائره ، ولهذا، حفظ التاريخ انتصارات خالد بن الوليد في اليرموك ومؤتة وأجنادين، ولم ينشغل بتسجيل أسماء طُهاته أو حُجّابه ؛ لأن ما يبقى في ذاكرة الأمم ليس تفاصيل موائد الكبار ، بل ما صنعوه من أحداث ، وما تركوه من أثر في مسيرة التاريخ ، وهذا مهمة المؤرخ ، فالمؤرخ الحقيقي لا يسمح لأحد تحويل التاريخ إلى حكايات عن الطعام واللباس والمركب ، والانشغالٌ بهوامش الحكاية على حساب جوهرها .
وربما كانت المفارقة الأشد سخرية أن نعيش في عصر تتضاعف فيه الصور حتى تحجب الواقع ، وتتراكم فيه المعلومات حتى يضيع المعنى ، ثم نتصور أننا نرى كل شيء لمجرد أن أعيننا مفتوحة ، لقد حُرم المعري البصر ، لكنه ترك لنا ما يستحق التفكير ؛ وأعاد بورخيس مساءلة اللون والذاكرة ؛ وجعل ساراماغو من العمى مرآة لمجتمع يفقد بوصلته الأخلاقية ، وخلد ابو فراس الحمداني تجربته في الأسر بأروع القصائد المعروفة .
في النهاية ، ليس كلُّ من رأى أبصر ، وليس كلُّ من فقد البصر فقد الرؤية ؛ فالعمى الحقيقي أن يقف الإنسان أمام التاريخ فلا يرى منه إلا حذاءً ، وأمام الفكر فلا يسمع إلا صدى صوته ، وأمام العالم فلا يبحث إلا عمّا يُشبع غرائزه أو ينفخ في صورته.
ومن مفارقات التكنولوجيا أنها ، وإن لم ترتقِ بالوعي بالضرورة ، فقد جنّبتنا على الأقل هدر الورق والحبر والأقلام في تدوين كل ما يُنشر من خربشات على وسائل التواصل الاجتماعي ؛ فبات العبث رقميًّا ، بعد أن كان يستنزف موارد الكون ! ، لقد وفّرت التكنولوجيا الورق ، لكنها لم تستطع أن توفّر على العالم ضجيج العقول الفارغة… والسلام![]()
![]()
See l
