فارس دينو :
ليس كل من يكرهك قد أسأت إليه فبعضهم لم تؤذه قط سوى أنك نجحت في المكان الذي استسلم فيه ووقفت حيث اختار السقوط ومضيت إلى الأمام بينما ظلّ هو أسير المقارنة والمرارةثمة حقيقة قاسية في النفس البشرية ليس الجميع قادرين على رؤية نجاح الآخرين بقلوب سليمة فبينما يرى الإنسان الواثق في تفوق غيره فرصةً للتعلّم والإلهام يرى الإنسان المأزوم في هذا التفوق مرآةً قاسيةً تعكس له المسافة بين ما كان يحلم بأن يكونه وما انتهى إليه بالفعل
وهنا تبدأ الحكاية لا من خطأ ارتكبته ولا من إساءة وجهتها بل من مجرد وجودك في المكان الذي لم يستطع الآخر بلوغه
بعض الناس لا يريدون أن يتقدموا بقدر ما يريدون ألّا تتقدم أنت لا يبحثون عن طريق يصعدون به بل عن وسيلة يخفضون بها من ارتفع وحين يعجزون عن مجاراة خطواتك يحاولون التشكيك في قيمتها فإذا عجزوا عن إنكار إنجازك بحثوا عن عيب في شخصيتك وإذا لم يجدوا عيباً اخترعوا له تفسيراً وإذا لم يستطيعوا إسقاطك سعوا إلى تشويه صورتك في أعين الآخرين
إنها حيلة نفسية قديمة حين يعجز الإنسان عن مواجهة الفارق بين قدراته وطموحاته قد يلجأ إلى تحقير ما لم يستطع تحقيقه كي يقنع نفسه بأن ما عجز عنه لا يستحق الوصول إليه أصلاً
بدلاً من أن يعترف بتقصيره يتهمك بالغرور وبدلاً من أن يتعلم من تجربتك يشكك في استحقاقك وبدلاً من أن يسأل نفسه لماذا تأخر ينشغل بتفسير لماذا تقدمت أنت
وهكذا يصبح نجاحك، في نظره جريمةً لمجرد أنه يذكّره بإخفاقاته التي يحاول الهروب منها
يمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء مفهوم الحقد أو الضغينة عند الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه ذلك الشعور الذي قد ينشأ حين يعجز المرء عن الفعل والمواجهة فيعيد تفسير عجزه بوصفه تفوقاً أخلاقياً ويحوّل ما لا يستطيع امتلاكه إلى شيء يزعم أنه لا يستحق الامتلاك
فقد يصف الناجح بأنه متكبر والقوي بأنه متسلط والمستقل بأنه أناني لا لأن هذه الصفات تنطبق عليه بالضرورة بل لأن إدانته تمنح الناقد شعوراً مؤقتاً بالتفوق الأخلاقي
لكن ينبغي ألّا نخلط بين النقد المشروع والحقد ولا أن نتخذ من الفلسفة حكماً جاهزاً على نوايا الناس فليس كل من يعارضك حاسداً وليس كل من ينتقدك عاجزاً إنما تكمن المشكلة حين يصبح الانتقاص منك بديلاً عن تطوير الذات وحين تتحول مراقبة حياتك إلى مشروع دائم لدى من أهمل بناء حياته
أشد أشكال الهزيمة أن ينشغل الإنسان بإطفاء نور الآخرين لأنه لم يتعلم كيف يشعل نوره الخاص
لأن بعض العلاقات لا تقوم على المحبة الحقيقية بل على توازن خفي اعتاد فيه طرف أن يرى الآخر أقل منه أو تابعاً له أو محتاجاً إلى اعترافه
وحين يتغير هذا التوازن يشعر الطرف الذي اعتاد التفوق بأن مكانته مهددة لم تعد قادراً على استمداد قيمتك من رضاه ولم يعد رأيه شرطاً لخطواتك ولم تعد تنتظر منه إذناً كي تحلم أو تنجح
وهنا قد ينقلب الود إلى منافسة والمنافسة إلى حساسية والحساسية إلى عداء مكتوم
إنهم لا يعادون دائماً ما فعلته أحياناً يعادون ما أصبحت عليه لأن استقلالك يسلبهم القدرة على التحكم في صورتك عن نفسك
ومع ذلك لا ينبغي أن نُسقط هذه القراءة على كل علاقة تتغير فالحكمة ليست في اتهام الجميع بالغيرة بل في مراقبة السلوك وفهم دوافعه المحتملة والتمييز بين من يريد لك الخير ومن يتعمد إلحاق الضرر بك
من أكثر الأخطاء استنزافاً للطاقة أن يحاول الإنسان إقناع الجميع باستحقاقه وأن يحوّل حياته إلى محكمة مفتوحة يقدّم فيها الأدلة على نجاحه ويبرر فيها قراراته وينتظر حكماً عادلاً من أشخاص لا يريدون الإنصاف أصلاً
ليس كل اتهام يستحق الرد ولا كل استفزاز يستحق المواجهة ولا كل رأي يستحق أن تمنحه مساحة داخل رأسك
لكن الصمت ليس دائماً انتصاراً كما أن المواجهة ليست دائماً ضعفاً أحياناً يكون الرد ضرورياً لحماية سمعتك أو حقوقك وأحياناً يكون الانسحاب أكثر حكمة وأحياناً يكفي أن تضع حدوداً واضحة لا تسمح بتجاوزها
القوة ليست في أن تتجاهل كل شيء بل في أن تعرف ما يستحق اهتمامك وما لا يستحق دقيقة واحدة من عمرك
احذر أن تتحول بسبب ما تتعرض له من غيرة أو إساءة إلى إنسان متعالٍ يرى في كل مخالف عدواً وفي كل ناقد حاسداً وفي كل نجاح دليلاً على أنه أفضل من الآخرين
فالغرور قد يكون الوجه الآخر للخوف والانشغال الدائم بإثبات التفوق قد يكون قيداً لا يقل ثقلاً عن الشعور بالنقص
لا تجعل نجاحك وسيلةً لإذلال من أخفقوا ولا تجعل إنجازاتك انتقاماً ممن شككوا فيك إن احتجت إلى إذلال الآخرين كي تشعر بقيمتك فأنت لم تتحرر من المقارنة لقد غيرت موقعك فيها فحسب
كن ناجحاً دون أن تكون متعجرفاً وواثقاً دون أن تكون متوهماً للكمال وقوياً دون أن تصبح قاسياً
فالإنجاز الحقيقي ليس أن تجعل الآخرين يشعرون بصغرهم بل أن تصل إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى تصغير أحد كي تشعر بقيمتك
هناك صمت نابع من الخوف وصمت نابع من الحكمة وهناك انسحاب سببه العجز وانسحاب سببه إدراك أن المعركة لا تستحق خوضها
حين تتوقف عن تبرير كل خطوة وعن مطاردة كل إشاعة وعن الرد على كل إساءة فإنك لا تمنح الآخرين انتصاراً بالضرورة بل تستعيد حقك في توجيه وقتك وطاقتك نحو ما يستحق
دع عملك يتقدم ودع أخطاءك تُصحَّح ودع نتائجك تتراكم لا لأنك تريد أن تحرق قلوب الحاقدين بل لأن حياتك أكبر من أن تختصرها في خصومة معهم
لا تجعل أعداء نجاحك هم الجمهور الذي تعيش من أجله ولا تجعل كراهيتهم الوقود الوحيد الذي يدفعك إلى الأمام
فالإنسان الذي ينجح كي ينتقم يظل مرتبطاً بمن يريد الانتقام منهم أما الإنسان الذي ينجح لأنه يؤمن بطريقه فهو وحده الذي يملك حريته كاملة
سيكون في طريقك من يصفق لك بصدق ومن ينتقدك بإخلاص ومن يحسدك بصمت وربما من يحاول عرقلة خطواتك وهذه طبيعة العلاقات البشرية بتعقيداتها لا قانوناً ثابتاً يحكم كل نجاح اصعد ولكن لا تفقد نفسك
فلا تنشغل كثيراً بتصنيف الناس ولا تهدر عمرك في قراءة النوايا ولا تجعل الشك في الآخرين بديلاً عن الثقة الواعية بنفسك
راقب الأفعال واحفظ حدودك وتعلم من النقد، وواجه الأذى حين يلزم وامضِ في طريقك حين لا يكون الرد إلا استنزافاً لك
وتذكّر أن النجاح ليس أن تصل إلى مكان أعلى من الآخرين بل أن تصل إلى المكان الذي حلمت به دون أن تفقد إنسانيتك في الطريق
دعهم يختلفون حولك، لكن لا تسمح لاختلافهم أن يحدد قيمتك دعهم يتحدثون لكن لا تجعل كلماتهم تقود حياتك ودع الأيام تكشف حقيقة المواقف بينما تنشغل أنت بصناعة ما يستحق أن يبقى
ففي النهاية ليس أعظم انتصار أن يرى من أساء إليك أنك نجحت بل أن تكتشف أنت أن نجاحك لم يعد بحاجة إلى أن يراه أحد كي يكون حقيقياً
اصعد لأنك تستحق أن تتطور لا لأنك تريد أن تثبت أنهم أقل منك وامضِ لأن لك حياةً تستحق أن تُعاش لا لأن لك أعداءً تريد أن تهزمهم
ذلك هو التفوق الذي لا تمنحه لك المنافسة ولا تنتزعه منك الكراهية أن تمتلك نفسك حتى وأنت في قمة نجاحك
