من شجرة الزيتون إلى صندوق الاقتراع:كيف ننتقل من التهميش إلى التأثير؟ .

مروان صباح:
في هذه البلاد ، قد يحتاج الفلسطيني إلى إثبات حقه في الوصول إلى شجرة زيتونه ، كما قد يحتاج إلى إثبات أن صوته في صندوق الاقتراع يستحق أن يُسمع ، وبين الشجرة والصندوق ، تتجلى مفارقة سياسية قاسية : حقوق تبدو بديهية على الورق ، لكنها تصبح موضع اختبار حين يتعلق الأمر بمن يملك القوة على حمايتها ، ومن يستطيع تحويلها إلى واقع ، وفي الضفة الغربية ، لا يمثل موسم الزيتون مجرد مناسبة زراعية أو تقليدًا متوارثًا ؛ إنه ارتباط بالأرض والذاكرة والوجود. وحين يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه ، أو يتعرض لاعتداءات المستوطنين ، يصبح الدفاع عن الزيتونة دفاعًا عن حق أساسي في الحياة والأرض والكرامة ، لكن الرمز ، مهما بلغت قوته ، لا يكفي وحده ، فالحقوق تحتاج إلى حماية قانونية ومؤسسات قادرة على فرضها ، وإلى قوة سياسية تجعل الاعتداء عليها مكلفًا ، لا مجرد حدث يتكرر وتُوثَّق تفاصيله .
وهنا تبرز مسؤولية المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل ، ولا سيما مع كل استحقاق انتخابي ، فالمشاركة في الانتخابات ليست تنازلًا عن الهوية الوطنية ، كما أن التمسك بالهوية لا يستلزم الانسحاب من ساحات التأثير ، السؤال الحقيقي ليس إن كان ينبغي المشاركة أو المقاطعة بوصفهما موقفين مبدئيين ، بل أي خيار يحقق للناس قدرة أكبر على حماية حقوقهم وتحسين شروط حياتهم ، من دون التفريط في ثوابتهم الوطنية ، لقد أظهرت التجربة أن ارتفاع نسبة التصويت ، على أهميته ، لا يضمن وحده تغيير السياسات ، كما أن وحدة الأحزاب ليست غاية قائمة بذاتها ، إذا لم تُترجم إلى برنامج واضح وأولويات قابلة للقياس ومحاسبة جدية للممثلين ، فالمطلوب ليس محو الاختلافات الأيديولوجية بين القوى السياسية العربية ، بل بناء أرضية مشتركة حول قضايا تمس الحياة اليومية : مكافحة الجريمة المنظمة ، ومواجهة التمييز ، وحماية الأرض والمسكن ، وتطوير التعليم ، وتعزيز السلطات المحلية ، والدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية ، وفي ظل صعود اليمين الإسرائيلي ، واتساع نفوذ شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش ، تتضاعف صعوبة المهمة ، فالتحريض والسياسات الإقصائية ومحاولات تقليص الحقوق لا تواجهها الشعارات وحدها ، بل تحتاج إلى تنظيم سياسي متماسك ، وتحالفات محسوبة ، وحضور برلماني قادر على التأثير في التشريع والميزانيات والرقابة العامة ، ولا يعني ذلك أن دخول الحكومة نجاح في حد ذاته ، أو أن البقاء في المعارضة فشل بالضرورة ؛ فالمعيار هو ما يتحقق فعليًا ، وما إذا كانت المشاركة تنتج حماية للحقوق ومكاسب ملموسة ، أم تتحول إلى حضور رمزي لا يغيّر موازين القرار .
ويمكن هنا الاستفادة من تجربة تاريخية مختلفة ، مع الانتباه إلى حدود المقارنة ، فقد عاش اليهود في الأراضي الألمانية ، على امتداد مراحل تاريخية ، قيودًا قانونية واجتماعية وتمييزًا دينيًا ، وشهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر مسارات متباينة نحو التحرر من بعض هذه القيود ، واتساع فرص التعليم والعمل والمشاركة المدنية والسياسية ، لكن تحسن المكانة الاجتماعية والنجاح المهني لم ينهيا معاداة السامية ، ولم يوفرا ضمانة دائمة للأمن والمساواة ، ففي عام 1933، وصل النازيون إلى السلطة في ألمانيا ، وبدأوا تفكيك حقوق اليهود وتجريدهم من الحماية القانونية ، ومصادرة ممتلكاتهم ، وصولًا إلى المحرقة ، تماماً كما تم حرق غزة ، وبعد الحرب العالمية الثانية ، اتجهت ألمانيا الغربية إلى إعادة بناء نظام ديمقراطي وقانوني ، وتعزيز الضمانات الدستورية والمساواة أمام القانون ، ولا تكمن العبرة في تصوير التاريخ بوصفه انتقالًا حتميًا من الاضطهاد إلى النفوذ ، أو في الإيحاء بأن اليهود شكّلوا كتلة سياسية موحدة ؛ فالتجربة كانت أكثر تعقيدًا من ذلك ، لكن الدرس الأهم هو أن الاندماج والنجاح الفردي لا يكفيان لحماية جماعة حين تنهار المؤسسات وتُسخَّر الدولة ضدها ، ومن هنا أيضاً ، لا يجوز إسقاط التجربة الألمانية على واقع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ، فالسياقات التاريخية والسياسية مختلفة ، لكن المقارنة تتيح سؤالًا مشروعًا : ما قيمة التمثيل السياسي إذا لم يُترجم إلى حماية فعلية للحقوق؟ وما جدوى المشاركة إذا لم تسهم في بناء مؤسسات أكثر عدلًا ، ومواجهة التمييز ، وتوسيع قدرة المجتمع على التأثير في القرارات التىّ تمس حياته ومستقبله؟ ، فإن التحدي أمام الأحزاب العربية لا يقتصر على رفع عدد المقاعد ، بل يتعداه إلى تحويل التمثيل إلى قوة تفاوضية ورقابية ومجتمعية ، وهذا يتطلب وضوحًا في الأهداف ، وشفافية في اتخاذ القرار ، ومحاسبة أمام الناخبين ، وقدرة على بناء تحالفات من دون الوقوع في فخ التبعية أو الاكتفاء بوعود لا تنعكس على حياة الناس ، كما يتطلب إدراك أن العمل البرلماني ، على أهميته ، ليس بديلًا عن التنظيم المجتمعي والعمل المدني والدفاع عن الحقوق في مختلف الميادين .
فالزيتونة وصندوق الاقتراع يلتقيان عند حقيقة واحدة : امتلاك الحق لا يضمن ممارسته ، والاعتراف به لا يكفي لحمايته ، تحتاج الشجرة إلى من يحمي وصول صاحبها إليها ، ويحتاج الصوت الانتخابي إلى مشروع سياسي يحوّله من رقم في صندوق إلى قدرة على التأثير والمساءلة .

بعد الابادة الجماعية في غزة ، ليس كما قبلها ؛ لكن التغيير لا تصنعه الذاكرة وحدها ، بل تصنعه القدرة على تحويلها إلى مشروع سياسي ، وبين الزيتونة والصندوق ، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يحكم خياراتنا : هل نكتفي بإثبات أننا أصحاب حق ، أم نبني القوة السياسية والمؤسساتية التىّ تجعل احترام هذا الحق واقعًا لا استثناء ؟ ، وهذا تحديدًا ما لا يرغب به اليمين المتطرف، الذي يدعم ، بطرق شتى ومن وراء الكواليس ، مقاطعة الانتخابات وعزوف المواطنين العرب عن التصويت ، وخصوصاً ، بعدما تُرك الشعب الفلسطيني وحيداً بقطاع غزة في مواجهة محرقة اليمين المتطرف ، وسط صمتٍ دولي تواطأ مع القتل ، وتخلّى عن أبسط واجبات الإنسانية.… والسلام 🙋‍♂️

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *