لعبة الحضارة في سوريا من يهزم الآخر الجوع أم الأيديولوجيا

  فارس دينو
:Ist möglicherweise eine Abbildung von Textفي المشهد السوري لم تكن الحرب يومًا مجرد صراع على الأرض أو السلطة بل كانت معركة مركّبة تتقاطع فيها الجغرافيا بالتاريخ والاقتصاد بالهوية والخبز بالعقيدة ومنذ أكثر من عقد وجد السوريون أنفسهم أمام سؤال وجودي لم يعد ترفًا فكريًا هل ينتصر الجوع على الأيديولوجيا أم أن الأيديولوجيا قادرة على تجويع الناس دون أن تفقد شرعيتها في سوريا لا تبدو معركة البقاء محصورة بين طرفين واضحين فالجوع ليس مجرد نقص في الطعام والأيديولوجيا ليست مجرد أفكار تُرفع على اللافتات الأول يضغط على الجسد حتى حدود العجز والثانية تحاول أن تمنح الألم معنى أو أن توظّفه لمصلحة مشروع سياسي وبينهما يقف الإنسان السوري مثقلاً بالخسارة مطالباً بأن يواصل العيش في واقع تتداخل فيه الحرب والفقر والنزوح وانهيار الخدمات مع الانقسامات والولاءات المتصارعة
الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في خانة واحدة بل في نسيج معقّد من التجارب والتحولات التي تعيد تشكيل وعي المجتمع السوري كل يوم
لم تكن الأيديولوجيا كمحرّك للصراع في سوريا عاملًا هامشيًا فعلى مدار عقود بُنيت الدولة على أسس أيديولوجية صارمة تمزج بين القومية والاشتراكية والطائفية السياسية ما جعل الولاء للنظام ليس مجرد موقف سياسي بل جزءًا من هوية الفرد ووجوده الاجتماعي وحين انفجر الصراع تحوّلت الأيديولوجيا إلى سلاح مزدوج أداة لتبرير العنف عند بعض الأطراف ووقودًا للتعبئة والاستقطاب عند أطراف أخرى
لكن الأيديولوجيا مهما كانت قوية، تظل بحاجة إلى مادة تحملها وهنا يبرز السؤال الأهم ماذا يحدث عندما يصطدم الخطاب الأيديولوجي بواقع الجوع
لا يمكن النظر إلى الجوع بوصفه ظرفاً عابراً أو مسألة معيشية منفصلة عن السياسة حين يعجز المرء عن تأمين الطعام والدواء والسكن تتقلص خياراته ويصبح يومه محكوماً بالحاجة العاجلة وقد يدفعه ذلك إلى ترك مدينته أو قبول عمل قاسٍ بأجر زهيد أو الارتهان لمساعدة مشروطة أو البحث عن حماية لدى جهة تملك ما يفتقر إليه بهذا المعنى لا يكتفي الجوع بإضعاف الأجساد بل يعيد ترتيب علاقات القوة ويجعل البقاء نفسه أداة ضغط
لم يكن الجوع في سوريا مجرد نتيجة جانبية للحرب بل أصبح في كثير من الأحيان كسلاح وسيلة حصار وضغط واستسلام مدن كاملة حوصرت حتى الموت البطيء وأخرى شهدت انقطاعًا ممنهجًا للغذاء والدواء ومع ارتفاع أسعار الخبز والوقود وجد المواطن السوري العادي نفسه أمام معادلة قاسية أن يبقى مخلصًا لموقفه أو أن يبحث عن رغيف خبز يضمن بقاء أطفاله يقف الإنسان السوري مثقلاً بالخسارة مطالباً بأن يواصل العيش في واقع تتداخل فيه الحرب والفقر والنزوح وانهيار الخدمات مع الانقسامات والولاءات المتصارعة
هنا يبدأ الجوع في تآكل الأيديولوجيا من الداخل فالمعدة الفارغة لا تصوّت ولا تتظاهر ولا تحمل شعارات إنها تبحث عن الحل الأقرب حتى لو كان على حساب المبدأ وهكذا تحوّل الجوع إلى قوة تفكيك صامتة تعمل ببطء ولكن بفعالية على تفريغ الخطاب الأيديولوجي من محتواه الجماهيري
فمن يهزم الآخر إذا قصدنا بالهزيمة القدرة على فرض شروط الحياة اليومية فإن الجوع غالباً ما يملك الكلمة الأقسى إنه لا يحتاج إلى إقناع الإنسان كي يشعر به يكفي أن يمر يوم بلا طعام كافٍ أو أن يتعذر شراء دواء حتى تصبح الشعارات أقل حضوراً أمام ضرورات الجسد غير أن هذا لا يعني أن الجوع يبدد الأيديولوجيا تلقائياً فقد يضعف الإيمان بها لكنه قد يعمّق التعلق بها أيضاً حين يبحث الناس عن تفسير لمعاناتهم أو عن جماعة تحميهم أو حين تحتكر القوى السياسية موارد الإغاثة والفرص وتربطها بالولاء
أما الأيديولوجيا فهي لا تظهر دائماً في صورتها النظرية المعلنة قد تتجسد في سردية تفسّر ما جرى وفي وعد بالخلاص وفي تقسيم الناس إلى نحن وهم تمنح بعض الأفراد شعوراً بالانتماء واليقين وسط الفوضى لكنها قد تتحول أيضاً إلى وسيلة لتبرير الإقصاء أو تأجيل المطالب المعيشية أو تحميل فئة بعينها مسؤولية الألم وحين تضع الأيديولوجيا الولاء فوق الحاجة فإنها لا تطعم الجائع لكنها قد تطلب منه أن يرى جوعه تضحيةً في سبيل قضية أكبر
الأيديولوجيا قادرة على الصمود طويلًا أمام الجوع خصوصًا عندما تتحوّل إلى عقيدة وجودية مرتبطة بالبقاء الجماعي أو الخوف من الإبادة لكنها في المقابل تفقد بريقها عندما تصبح مجرد شعارات لا تُطعم ولا تحمي والعكس صحيح الجوع قد يهزم الأيديولوجيا في المدى القصير لكنه لا يلغيها بل يعيد تشكيلها في أشكال جديدة أقل تنظيمًا وأكثر عنفًا أو انكفاءً
في سوريا ما نشهده ليس انتصارًا نهائيًا لأحدهما بل حالة من التوازن الهشّ بينهما فالجوع يدفع الناس للتنازل عن مواقفهم لكنه في الوقت نفسه يغذي شعورًا عميقًا بالظلم والغضب وهو ما قد يتحول لاحقًا إلى أيديولوجيا جديدة أكثر راديكالية أو أكثر براغماتية
لكن الحضارة لا تُقاس بقدرة الأفكار على الصمود في الكتب والخطب ولا بقدرة الناس على احتمال الجوع إلى ما لا نهاية تُقاس بقدرة المجتمع على حماية كرامة أفراده وبناء مؤسسات تضمن الحقوق وتوفير شروط الحياة من دون تمييز أو ابتزاز وما لم يتحول الغذاء والدواء والتعليم والأمان إلى حقوق لا تُمنح مكافأةً على الولاء ستظل الحاجة قابلة للاستغلال وستبقى الأيديولوجيا قادرة على التمدد فوق جراح الناس
في سوريا قد ينتصر الجوع في معركة اليوم لكنه لا يملك وحده أن يكتب مستقبل البلاد وقد تصمد الأيديولوجيا زمناً لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً عن الخبز أو العدالة أو الأمان الرهان الحقيقي ليس في اختيار أحدهما بل في كسر الدائرة التي تجعل الإنسان جائعاً كي يصبح تابعاً أو تابعاً كي يُسمح له بالبقاء عندها فقط يمكن للحياة أن تستعيد معناها وللحضارة أن تُقاس بما تصونه من كرامة لا بما تفرضه من شعارات
في لعبة الحضارة السورية لا يهزم الجوع الأيديولوجيا تمامًا ولا تنتصر الأيديولوجيا على الجوع إلى الأبد إنها معركة ممتدة تتغير قواعدها مع كل رغيف خبز يُفقَد وكل خطاب يُصدَّق وكل طفل يُولد في ظل الحصار والسؤال الحقيقي ليس من سيهزم الآخر بل إلى أي مدى يمكن للإنسان السوري أن يحتمل هذا التنازع قبل أن يفقد القدرة على الاختيار أصلًا

وإذا كان هناك درس واحد من سنوات الأزمة فهو أن الجوع والأيديولوجيا كلاهما سلاحان خطيران لكن الضحية في كل الحالات تبقى هي الحضارة ذاتها تلك التي بناها السوريون على مدى آلاف السنين والتي تواجه اليوم خطرًا لم تعرفه من قبل أن تُهزم من الداخل لا بالرصاص بل بالجوع والانقسام

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *