مروان صباح :
11,10,2026
يبدو أن بعض الأنظمة السياسية اكتشفت حلًّا عبقريًا لمعضلة الأخلاق : بدلًا من إصلاح الواقع ، يكفي حذف ما يكشف عيوبه ، وبدلًا من محاربة الفساد وأسبابه ، يمكن الاكتفاء بمنع الكتابة عنه ، هكذا يصبح الرقيب حارسًا للفضيلة ، يحمل مقصّه لمطاردة قبلة في رواية أو مشهد حميم في فيلم ، بينما يترك تناقضات المجتمع تمرّ أمامه من دون أن يرفّ له جفن ، فالمشكلة ، وفق هذا المنطق ، ليست فيما يفعله الناس ، بل فيما يجرؤ الكاتب على كشفه ، وبعيدًا عن مهنة الخياط ، وجد المقص وظيفة أكثر حساسية في المؤسسات الرقابية ؛ إذ لم يعد يقتطع القماش ، بل الكلمات والمشاهد والأفكار التىّ تتجاوز حدود المسموح به ، غير أن السؤال ليس عن حق المجتمع في مناقشة أخلاقه ، بل عن المعايير التىّ يستخدمها لفرضها : كيف تُحذف قبلة من رواية ، بينما تُتاح في الواقع أماكن وممارسات تتناقض مع القيم التىّ استُخدمت لتبرير الحذف؟ ، ولماذا يُحاكم الخيال على ما يصفه ، فيما يفلت الواقع من المساءلة عما يمارسه؟ ، إنها ازدواجية لا تخص الرقيب وحده ، بل تكشف خللًا في علاقة السلطة بالمجتمع ؛ فالسلطة التىّ تعجز عن معالجة الظواهر قد تجد في إخفائها بديلًا أقل كلفة ، وتتوهم أن ضبط الصورة يعادل ضبط الواقع ، وهكذا يصبح الكاتب متهمًا لأنه سمّى الأشياء بأسمائها ، فيما يُترك المشهد الحقيقي خارج المحاكمة ، وكأن الفضيلة لا تُنتهك إلا حين تتحول إلى جملة مطبوعة ، ولا تُخدش إلا عندما يراها قارئ .
لكن الروائي لا يستورد شخصياته من كوكب آخر ؛ إنه يكتب عن الناس الذين يعيش بينهم ، وعن رغباتهم وخيباتهم وأسرارهم ، إنه ، في هذا المعنى ، يشبه الطبيب الذي يفحص المرض قبل أن يشخّصه ؛ فكيف يُطلب منه أن يعالج علل المجتمع بينما يُمنع من وصف أعراضها؟ إن حظر الحديث عن الشر لا يلغي وجوده ، كما أن حذف الرغبة من الرواية لا ينتزعها من الإنسان ، كل ما يفعله المقص هو إبعاد المرآة عن وجه المجتمع ، كي لا يضطر إلى رؤية ما لا يعجبه ، وفي الليل ، حيث تخفّ قبضة الخطاب الأخلاقي وتظهر وجوه أخرى للحياة ، تتجلى المفارقة بوضوح أكبر ، هناك رجال يطاردون اللذة ، ونساء يبحثن عن المال أو الأمان أو الاعتراف ، وأشخاص يحاولون كسر رتابة أيامهم أو الهرب من فراغ لا يعرفون كيف يملؤونه ، وفي الشوارع والنوادي ، تتقاطع الرغبات والمصالح في علاقات قد تبدو بسيطة من الخارج ، لكنها تخفي وراءها حكايات أكثر تعقيدًا مما تسمح به الأحكام الجاهزة ، والنساء اللواتي يُطلق عليهن وصف «نساء الليل» لسن مجرد شخصيات في مشهد أخلاقي يستريح المجتمع إلى إدانته ؛ إنهن بشر يحملن تناقضاتهن وآلامهن ، كما يحملها أولئك الذين ينظرون إليهن من وراء ستائر الاحترام الاجتماعي ، وليس المقصود تبرئة الجميع أو إدانتهم ، بل إدراك أن الرغبة لا تتوزع وفق التصنيفات الأخلاقية ، وأن من يشتري المتعة قد يكون هاربًا من وحدته ، كما أن من يبيعها قد يكون أسير ظروف أو اختيارات لا يعرف الآخر عنها شيئًا .
لكن المفارقة الأشد تبدأ حين ينتقل الليل من الشارع إلى غرفة النوم ؛ حين يكتشف الرجل أن المرأة التىّ افتتن بجمالها لا تضمن له السعادة ، وأن الجسد الذي تخيّله بوابة إلى الجنة قد يصبح جزءًا من تجربة مؤلمة وشقاء ، وقد تكتشف المرأة بدورها أن الرجل الذي أراد امتلاكها لم يكن يبحث عنها بقدر ما كان يبحث عن إثبات شيء لنفسه ، هنا يتجاور الجنس مع الوحدة ، واللذة مع الخيبة ، والانجذاب مع الحاجة إلى السيطرة ، كيف يجتمع الألم مع امرأة فاتنة ، بعينين واسعتين داكنتين ، وحاجبين عريضين ، وملامح تبدو كأنها صيغت لتربك القلب؟ ربما لأن الجمال لا يحمل وعدًا بالسعادة ، ولأن الإنسان لا يقع في حب الآخر دائمًا كما هو ، بل كما يتخيله ، وقد لا تكون الخيبة نتيجة قسوة الآخر وحدها ، بل نتيجة المسافة بين إنسان حقيقي وصورة مثالية صنعناها له ، ثم طالبناه بأن يعيش داخلها ، ومن هنا يمكن استحضار بعض الأفكار التىّ يثيرها كتاب شيري أرجوف «لماذا يحب الرجال العاهرات؟» ، خصوصًا ما يتصل بالجاذبية والاستقلال والحدود الشخصية ، فالرجل الذي يطارد امرأة بلا حدود ، متنازلًا عن كرامته في سبيل الحصول على رضاها ، قد لا يكون واقعًا في الحب بقدر ما يكون أسير حاجته إلى القبول ، وكذلك المرأة التي تجعل قيمتها رهينة رغبة الرجل قد تجد نفسها في علاقة تستنزفها بدلًا من أن تمنحها الأمان ، ولا يعني ذلك أن القسوة تصنع الجاذبية ، أو أن التلاعب دليل قوة ؛ بل إن العلاقة التىّ يتحول فيها الحب إلى استجداء ، أو الجنس إلى وسيلة للسيطرة ، تصبح ساحة صراع لا مساحة للحميمية .
وهنا يلتقي الخاص بالعام ، فكما يحاول بعض الرجال التحكم في النساء باسم الحب ، تحاول بعض السلطات التحكم في المجتمع باسم الأخلاق ، وكما قد يخلط الرجل بين امتلاك المرأة وحبها ، قد تخلط السلطة بين إخضاع المجتمع وحمايته ، وبين الصمت والرضا ، وبين الطاعة والشرعية ، في الحالتين ، يجري تقديم السيطرة في صورة فضيلة ، ويصبح الخوف وسيلة لإدامتها .
في مثل هذه الليالي ، يطارد الجميع بعضهم بعضًا : رجل يبحث عن امرأة تنقذه من فراغه ، وامرأة تبحث عن شيء قد لا يمنحه المال ، وآخران يخلطان بين الرغبة والحب ، وبين الجسد والنجاة ، وفي الخارج ، يواصل المجتمع تمثيل مسرحيته الأخلاقية ، فيما يواصل الرقيب قصّ المشاهد التىَ تفضحها ، الجميع يريد شيئًا من الآخر ، لكن قليلين يملكون الشجاعة للاعتراف بما يريدونه حقًا .
لعل المشكلة ليست في الليل ، ولا في الجنس ، ولا حتى في المقص وحده ، بل في الإنسان الذي يعلن فضيلة لا يلتزم بها ، ويطلب الحرية لنفسه ثم يخافها حين يمنحها للآخر ، فالمقص يستطيع حذف قبلة من رواية ، لكنه لا يستطيع حذف الرغبة من الإنسان ؛ والسلطة تستطيع إسكات الكاتب ، لكنها لا تستطيع تحويل الصمت إلى أخلاق ، أما المجتمعات التىّ تخشى الحقيقة أكثر مما تخشى تناقضاتها ، فستظل تقصّ الحكايات ، وتترك الواقع يكتب نهايته بنفسه … والسلام
Weniger anzeigen
Views: 4