سعادة عبد الرحيم :
تأصيل المشكلةيبدأ سعاده مقاله بتشخيص دقيق لأزمة الأمة السورية في عصره: غياب النخبة الواعية القادرة على قيادة المجتمع نحو “عصر النور” و”مرتبة الإنسانية الحقيقية”. يرى أن الطبقة المتنورة هي “عقل الشعب وقوّته التفكيرية”، وعليها تقع مسؤولية “تسديد مرامي شعبها وإعداد طرق حياته”. لكنه يقرّ ضمناً أن هذه الطبقة إما غائبة أو غير قائمة بواجبها، وإلا لما كان المجتمع يعاني التخلف الذي يشفق منه على مجموع شعبه.
هذا التشخيص قاده إلى خطوة غير مسبوقة: حين غابت النخبة الطبيعية، لم يكتف بالأسف عليها، بل شرع في توليدها عبر مؤسسة دستورية داخل حزبه، هي “رتبة الأمانة” التي أقرّها المرسوم رقم 7 عام 1937. وهنا نلمس الفارق الجوهري بين سعاده وبقية منظّري النخبة: هو لم يصف النخبة وصفاً، بل أوجدها تنظيماً، ولم يترك أمرها للصدفة أو التطور الطبيعي، بل وضع لها مرسوما دستورياً يتضمن شروطاً وعقوبات.
شروط النخبة وآلية اختيارها عند سعاده
حدد المرسوم خمسة شروط صارمة لنيل رتبة الأمانة: خمس سنوات من الانخراط في الحزب، وفهم صحيح للعقيدة وإيمان بها وبمنشئها الزعيم، ونضال ممتاز بالفكر والفعل، وقدوة في الإيمان والالتزام تحت كل الظروف، وتفوق جلي في الإدراك والشجاعة والحنكة.
أما آلية الاختيار، فكانت مركزية في البداية: الزعيم هو المسؤول عن تسمية المحقّقين للشروط، ثم تطور الأمر لاحقاً لتكليف هيئات حزبية بهذا الشأن. وهذا يعكس رؤية سعاده في ضرورة وجود سلطة عليا تضمن نقاء النخبة وتماسكها، قبل أن تنتقل المسؤولية إلى مؤسسات الحزب.
النخبة عند أفلاطون: طبقة أم فلسفة؟
في مقابل ذلك، نجد عند أفلاطون تصوراً مختلفاً تماماً.
هل النخبة الأفلاطونية من طبقة محددة هو في صلب المشكلة. أفلاطون في “الجمهورية” يقرر أن الحرّاس والفلاسفة الملوك ليسوا طبقة محددة بالنسب أو الثروة، بل يُنتخبون عبر نظام تعليمي دقيق يبدأ منذ الطفولة. فالأطفال أصحاب المواهب الطبيعية يُكتشفون ويُخضعون لمناهج صارمة في الرياضيات والجدل والتربية البدنية، ولا يصلون إلى مرتبة الحكم إلا بعد بلوغ الخمسين من العمر، بعد أن أثبتوا جدارتهم الفلسفية والأخلاقية.
المسؤول عن هذه العملية هو النظام التربوي نفسه، وليس فرداً بعينه. الدولة الأفلاطونية هي التي تتولى الاختيار، وهذا الاختيار يعتمد على معايير معرفية بحتة: معرفة الحقيقة، والصدق، والاعتدال، والشجاعة، والحكمة. لكن أفلاطون يبقى في دائرة النظرية: فهو يصف كيف ينبغي أن تكون النخبة، لكنه لم يؤسس حزباً أو حركة لتوليدها فعلياً. فلسفته بقيت في كتبه، ولم تتحول إلى مراسيم دستورية نافذة كما عند سعاده.
النخبة في الأحزاب الأيديولوجية: الطليعة المؤقتة
أما في الأحزاب ذات الطابع الأيديولوجي، وخاصة الماركسية منها، فمفهوم النخبة يتجلى في “الطليعة” أو الحزب الثوري. هذا الحزب يمتلك الوعي التاريخي ويقود الجماهير التي لا تتجاوز وعيها العفوي. لكن القيادة هنا تخضع نظرياً لمبادئ ديمقراطية داخلية، عبر المؤتمرات والانتخابات، على الأقل في التنظير الماركسي الأرثوذكسي.
غير أن الممارسة العملية في تجارب مثل الاتحاد السوفيتي أظهرت أن القيادة تصبح نخبة مغلقة تتجدد عبر آليات غير ديمقراطية، وتحتكر الحقيقة باسم العلم التاريخي. أنطونيو غرامشي حاول تصحيح هذا المفهوم بتمييزه بين المثقفين التقليديين (كالمعلمين والكهنة) والمثقفين العضويين المرتبطين بطبقاتهم الاجتماعية والمناضلين من أجل هيمنتهم الثقافية. لكن غرامشي بقي في دائرة التحليل النظري ولم يضع دستوراً لاختيار النخبة كما فعل سعاده.
التنظيمات السرية: الماسونية نموذجاً
تختلف النخبة في التنظيمات السرية كالماسونية اختلافاً جذرياً عن رتبة الأمانة. الماسونية نخبة طقسية-أخوية، غايتها تحسين الذات والأخلاق، وليس تولي السلطة السياسية المباشرة. الاختيار فيها يتم عبر التزكية والانتخاب داخل المحافل، وتتدرج الدرجات من المبتدئ إلى المعلم إلى الدرجات الفخرية كالـ33. لكنها تظل بعيدة عن الصراع السياسي العلني، وتؤكد على التسامح والروحانية، بينما رتبة الأمانة عقائدية-نضالية بامتياز، هدفها تحقيق مشروع قومي محدد في زمان ومكان محددين. تشترك معها في السرية وفي كون الأعضاء مؤتمنين على الأسرار، لكن الغاية مختلفة تماماً.
التنظيمات الجماهيرية: النخبة كصفة سيئة
في التنظيمات الجماهيرية ذات التوجه الديمقراطي أو اليساري، تُستخدم كلمة “نخبة” كمصطلح سلبي يُطلق على من انفصلوا عن الجماهير واستأثروا بالسلطة أو المعرفة. هذه النظرة تعتبر أي نخبة كاستاً مغلقاً يحول دون العدالة الاجتماعية، وتدعو إلى نماذج حزبية أكثر شمولية وتشاركية. طبعاً هذه الدعوة كثيراً ما تناقضها الممارسة، حيث تتشكل نخب جديدة تحت عناوين مختلفة، لكن الخطاب يظل رافضاً لمفهوم النخبة كمبدأ.
تميز النخبة عند سعاده: نقاط الافتراق
بعد هذه المقارنات، تتضح خصوصية النخبة السعادية في النقاط التالية:
أولاً: الانتقال من النظرية إلى المؤسسة. سعاده لم يكتف بتشخيص دور النخبة كما فعل أفلاطون، ولم يكتف بتحليلها كما فعل غرامشي، بل أوجدها تنظيماً دستورياً. رتبة الأمانة ليست فكرة فلسفية، بل هي مرسوم دستوري في دستور حزب، لها مراسيم تنفيذية وشروط وعقوبات. هذا الانتقال من الفلسفة إلى المؤسسة هو الفارق الأهم.
ثانياً: الجمع بين العقيدة والعمل النضالي. نخبة سعاده ليست نخبة معرفية بحتة كما عند أفلاطون، ولا نخبة طبقية كما في النظريات الماركسية التقليدية، بل هي نخبة تجمع بين الإيمان العقائدي والعمل النضالي والتضحية. الشروط الخمسة لا تطلب المعرفة الفلسفية فقط، بل تطلب الإيمان بالزعيم والعقيدة، والتفوق في الفكر والفعل، والتضحيات غير الاعتيادية. إنها نخبة غير اعتيادية بكل معنى الكلمة، مستعدة للمخاطرة بحياتها من أجل قضيتها.
ثالثاً: القابلية للسقوط. النخبة السعادية ليست نخبة دائمة، بل هي نخبة مشروطة. من يخل بشروطها يسقط منها، وهذا يمنع تحولها إلى طبقة مغلقة أو كاست، ويضمن استمرار تجددها وصلاحيتها. هذه الميزة تغيب عن معظم مفاهيم النخبة الأخرى.
رابعاً: مركزية الزعيم ثم المؤسسة. بدأ سعاده بمنح نفسه مسؤولية تسمية النخبة، ثم انتقلت إلى هيئات حزبية. هذا التطور يعكس رؤية مؤسسية متكاملة لا تعتمد على فرد واحد، حتى لو كان المؤسس نفسه. النخبة ليست تابعة للزعيم بشكل أبدي، بل هي جزء من نظام حزبي يتجاوز الأفراد.
خامساً: العلاقة العضوية بالأمة. النخبة عند سعاده ليست نخبة منعزلة في برج عاجي كما قد تُتهم به النخبة الأفلاطونية، وليست نخبة مستغلة للسلطة كما في النخب السياسية التقليدية. هي نخبة تعبر عن الأمة وتقودها، لكنها ليست منفصلة عنها. سعاده يرى أن النخبة هي “عقل الشعب”، وأن صحة الحياة القومية تتوقف على صحة هذه النخبة. إنها نخبة في خدمة الأمة، لا نخبة فوق الأمة.
الخلاصة
إذا كان أفلاطون قد وصف النخبة المثالية في مدينة فاضلة لم تتحقق، وإذا كانت الأحزاب الأيديولوجية قد أنتجت نخباً احتكرت السلطة باسم العلم التاريخي، وإذا كانت الماسونية قد بقيت في دائرة الأخوة الطقسية، وإذا كانت التنظيمات الجماهيرية قد رفضت مفهوم النخبة في خطابها مع أنها تنتجها في ممارستها، فإن سعاده قدم نموذجاً فريداً: نخبة تولد بنظام، وتُختار بمعايير، وتُحاسب بآليات، وتُسقط إذا أخفقت. إنها نخبة مؤسسية، عقائدية، نضالية، مشروطة، وعضوية، لا تشبه أي نموذج آخر، لا في الفكر الفلسفي ولا في الممارسة السياسية. وهذا ما يرفض ادعاءات التبعية أو التقليد، ويؤكد أن مشروع سعاده كان اختراعاً أصيلاً، استلهم الحاجة فصنع الأداة، وشخص الداء فوضع الدواء.
