سعاده عبد الرحيم:
مقدمة: السؤال التأسيسي
البدء بسؤال “من نحن؟” في أي مشروع فكري ليس مجرد خيار منهجي تقليدي، بل هو ضرورة نابعة من إشكالية أساسية: كل معرفة هي معرفة الذات بالعالم، ومعرفة العالم من خلال الذات. إن تجاهل هذا السؤال يعني بناء صرح معرفي على أسس غير مدروسة، أو افتراض ضمني عن طبيعة العارف قد يكون خاطئاً أو ناقصاً. لذلك، نطرح هذا السؤال ليس لأن إجابته سهلة، بل لأن السؤال نفسه هو الذي يمنح المعرفة بوصلة أخلاقية ومعرفية.
القسم الأول: “من نحن؟” كشرط إبستمولوجي للمعرفة
المستوى الأول: تحليل شروط إمكانية المعرفة
كل نظام معرفي، سواء كان علمياً أو فلسفياً، يقوم على افتراضات مسبقة عن طبيعة الذات العارفة. هذا السؤال يفحص تلك الافتراضات قبل أن نبني عليها صرح المعرفة، ليمنعنا من تبني مسلمات غير مدروسة.
أولاً: تحديد العلاقة بين الذات والموضوع
المعرفة ليست عملية تسجيل سلبية للواقع، بل هي تفاعل ديناميكي بين العارف والمعروف. لو كنا مجرد آلات تسجيل، لكانت معرفتنا مجرد نسخ. ولو كنا كائنات بلا جسد، لاختلفت معرفتنا جوهرياً عن المعرفة البشرية. ولو كنا مجرد كائنات بيولوجية، لكانت معرفتنا محكومة باحتياجات البقاء. سؤال “من نحن؟” يحدد هذه العلاقة الجدلية، ويجعلنا نعي أن كل وصف للعالم هو وصف بواسطة عقل بشري له خصائصه وحدوده.
ثانياً: كشف المنظور والتحيز
كل معرفة تنطلق من موقع معين ثقافي، تاريخي، بيولوجي. البدء بـ”من نحن؟” يجعلنا واعين لموقعنا المعرفي، فيمنعنا من ادعاء الموضوعية المطلقة، ويجعلنا متواضعين معرفياً. فالعلم التجريبي نفسه يفترض أننا كائنات عاقلة قادرة على الاستدلال، وأن حواسنا تعكس الواقع بشكل يمكن الوثوق به نسبياً، وهذه افتراضات يحتاج بعضها إلى تمحيص.
ثالثاً: تحديد معنى “الفهم” ذاته
ما نسأل عنه في “من نحن؟” ليس معلومات فقط، بل معنى وجودنا في هذا الكون. المعرفة التقنية تجيب عن “كيف تعمل الذرة؟”، أما المعرفة الوجودية فتجيب عن “ما معنى أن أكون كائناً ذرياً في كون شاسع؟”. فالعلوم تقدم “كيف”، لكن سؤال “من نحن؟” يطلب “لماذا” على المستوى الوجودي، وهو ما يمنح المعرفة البشرية بعدها الإنساني.
القسم الثاني: “من نحن؟” كسؤال هوية وجودي اجتماعي
المستوى الثاني: تطبيق السؤال على الهوية الجماعية
عندما ننتقل من السؤال الفلسفي المجرد إلى السؤال الوجودي الملموس، نجد أنفسنا أمام إجابة تلقائية: “نحن السوريون”، أو “نحن الصينيون”. هذه الإجابة ليست عشوائية؛ فهي تنبع من أسس بيولوجية ونفسية واجتماعية عميقة.
الأسس البيولوجية التطورية:
· دماغنا تطور ليصنف العالم إلى “نحن” المجموعة الآمنة و”هم” الخطر المحتمل كآلية بقاء.
· نحتاج إلى إجابة سريعة عن “أين أنتمي؟”، “مع من أتحالف؟”، و”من يحميني؟”.
الأسس النفسية:
· الحاجة إلى الانتماء هي حاجة إنسانية أساسية، والهوية الوطنية أو القومية تقدم إشباعاً فورياً لهذه الحاجة.
· “أنا سوري” أو “أنا صيني” تختزل تاريخاً وجغرافيا وثقافة ومعاناة وأملاً في كلمتين، وهو اقتصاد معرفي يبسط تعقيدات العالم.
الأسس الاجتماعية التربوية:
· التنشئة المبكرة من الاسم إلى العائلة إلى الوطن تُطبع في اللاوعي.
· الطقوس التعزيزية من علم ونشيد ومناهج وإعلام تُكرس هذه الهوية كبديهية أولى.
تحليل هذه الإجابة: صحتها وقصورها
أولاً: جوانب صحتها
· صحة واقعية: أنت مواطن سوري أو صيني بحكم القانون والوثائق.
· صحة تأثيرية: هذه الهوية تشكل فعلاً جزءاً كبيراً من تجربتك اليومية من لغة ومرجعية ثقافية وذاكرة تاريخية مشتركة وشبكة علاقات مع الأرض والبشر.
· صحة وظيفية: الهوية الوطنية ضرورة عملية لإدارة المجتمعات المعاصرة وتنظيم العلاقات بين الدول. فأنت سوري تجاه الخارج وأمام القانون في الحقوق والواجبات، وهذا لا يلغي أبعادك الدينية أو المهنية أو الإنسانية، بل هو الإطار الذي تتفاعل من خلاله مع العالم.
ثانياً: جوانب قصورها ونقدها
النقص المعرفي والتنوع الداخلي:
السوري ليس فقط عربياً، بل فيه الكردي والأشوري والسرياني والشركسي. وليس فقط مسلماً، بل فيه المسيحي والإيزيدي والدروزي. وليس فقط مدينياً، بل فيه الريفي والبدوي.
هنا يأتي دور الفكر القومي في تقديم رؤية تعالج هذه الإشكالية. يرى أنطون سعاده أن الأمة السورية هي مزيج سلالي متنوع، وهذا التنوع يغني المجتمع ولا يضعفه. إنه تنوع داخل كيان واحد، وليس كيانات أقلوية مستقلة تضعف المجتمع حين تُنظر إليها كأقليات. يمكنني أن أقول “أنا سوري من أصول شركسية لها طابعها الخاص”، فهذا لا يتناقض مع الانتماء القومي، بل يثريه ويعبر عن غناه الداخلي. الدين لله وهو شأن فردي( والوطن للجميع، وهذا الفهم يحول التنوع من مصدر صراع إلى مصدر ثراء.
الخطورة الفلسفية وتحويل الجزء إلى كل:
“أنا سوري” قد تتحول من وصف جزئي إلى تعريف كلي للهوية، مما يلغي أبعاداً أخرى. لكن الصحيح أن هذه الهوية إطار جامع لا يلغي، تماماً كما أن القول “أنا إنسان” لا يلغي كوني رجلاً أو امرأة، أو منتمياً إلى مهنة أو دين معين. كل تعريف بـ”نحن” يخلق “هم”، والتاريخ يثبت أن أسوأ أنواع العنف نشأت من هذا التقسيم المبسط للعالم. لكن الاعتراف بأن هذا التقسيم نتاج الجغرافيا ونواميس الاجتماع، وإدراك حدوده، هو بداية الحكمة، وليس مبرراً للتخلي عن الهوية.
الإشكالية الوجودية:
ماذا يعني أن تكون سورياً؟ الإجابة تتطلب الرجوع إلى تاريخ وجغرافيا وثقافة، أي أشياء خارجية عن الذات المختارة. هناك خطر في اختزال هوية الفرد إلى شيء موروث لا إلى شيء يختاره. لكن في المقابل، يرى النقاد أن الفرد ليس حراً في اختيار أبويه ولا مجتمعه، وإنكار هذه الموروثات هو ضرب من الوهم الفردي المطلق. الهوية الوطنية هي نقطة انطلاق، وليست سجناً.
التحدي الأخلاقي:
إذا كنت سورياً أو صينياً أولاً، فمن المسؤول عن الجائع في الصومال، أو عن التغير المناخي؟ التمييز بين مسؤولية الفرد ومسؤولية الجماعة ضروري هنا. الفرد السوري وحده لا يستطيع إنقاذ الصومال، لكن المجتمع السوري وجميع المجتمعات يتحمل المجتمع السوري[1] جزءاً من هذه المسؤولية. الهويات الحصرية لا تلغي الاهتمام ٠، لكنها قد تعيد ترتيب أولوياته.
القسم الثالث: نحو رؤية تكاملية للهوية وتجاوز الفردية
المستوى الثالث: الهوية كوعي ممتد
بدلاً من الهوية الأحادية، يمكننا تصور الهوية كوعي متعدد الطبقات يتسع من الذات الفردية إلى المجتمع إلى الإنسانية.
هنا يأتي دور “الوجدان القومي”[2]٩ كما صاغه أنطون سعاده، فهو ليس مجرد شعور بالانتماء، بل هو ظاهرة اجتماعية نفسية اقتصادية مركبة. الوجدان القومي يمنح الفرد اتساعاً في هويته لتشمل المجتمع، فيتجاوز الشعور بشخصيته الفردية إلى الشعور بشخصية جماعته، ويتجاوز إحساسه بحاجاته الفردية إلى إحساسه بحاجات مجتمعه. هذا الوجدان هو الذي يلغي الفردية المطلقة، تلك الفردية التي تفصل الإنسان عن محيطه وتجعله أسير ذاته المنعزلة.
وفي الوقت نفسه، فإن الوجدان القومي ليس حاجزاً يفصل المجتمع عن الإنسانية، بل هو صلة الوصل بينهما. فالإنسان لا يصل إلى الإنسانية المجردة إلا عبر مجتمعه، ولا يتحقق وعيه الإنساني إلا عبر وعيه القومي. فكما أن الفرد لا يتحقق إلا في الجماعة، فالأمة لا تتحقق إلا في سياقها الإنساني الأوسع. لذلك، فإن الوجدان القومي ليس نقيضاً للإنسانية، بل هو الطريق إليها، وهو الجسر الذي يعبر منه الإنسان من ذاته الفردية إلى إنسانيته الكونية.
طبقات الهوية المتداخلة:
· الطبقة الكونية: بشر على كوكب الأرض في مجرة عادية.
· الطبقة الإنسانية: جنس بشري واحد نتشارك 99.9% من الحمض النووي.
· الطبقة الحضارية: جزء من حضارة سورية او إسلامية أو صينية أو المانية أو مزيج منها.
· الطبقة القومية أو الوطنية: سوريون، صينيون، مصريون…
· الطبقة المحلية: من حلب أو شنغهاي، من هذه العائلة وهذا الحي.
· الطبقة الاختيارية: قيم نختارها كالعدالة والجمال والحرية والعلم.
هذه الطبقات لا تتعارض، بل تتكامل، وهي تختلف درجة حضورها حسب السياق. ففي العلاقات الدولية، تبرز الهوية الوطنية. وفي السياقات الثقافية، تبرز الهوية الحضارية. وفي مواجهة قضايا الكوكب، تبرز الهوية الإنسانية. الهوية القومية ليست سجناً للذات، بل هي إحدى دوائر الانتماء التي تتيح للإنسان أن يكون فاعلاً في العالم.
كيف يتوزع الواجب الأخلاقي؟
احتكاكنا اليومي يكون بالدائرة الأضيق، ويتقلص كلما اتسعت الدائرة، لكن الواجب الأخلاقي لا يتلاشى، بل يتسع بقدر الإمكانات. في عصر العولمة، حيث أصبح المجتمع الإنساني مترابطاً، تتوسع دائرة المسؤولية الوجدانية لتشمل الإنسان في كل مكان، دون إلغاء للدوائر الأخرى. هذا التصور يسمح للإنسان بأن يكون وفياً لوطنه، منتمياً لحضارته، ومسؤولاً تجاه الإنسانية جمعاء في آن واحد.
القسم الرابع: في سياق العولمة بين الهوية والانفتاح
المستوى الرابع: قراءة نقدية للعولمة من منظور الهوية
لا يمكن مناقشة سؤال “من نحن؟” اليوم دون النظر إلى سياق العولمة. لكن العولمة ليست ظاهرة طبيعية محايدة، بل هي مشروع تاريخي يحمل في طياته تناقضات.
العولمة كاستمرارية للإمبراطوريات:
الرومان فرضوا “السلام الروماني”، والبريطانيون فرضوا “السلام البريطاني”، والأمريكيون يفرضون “السلام الأمريكي”. كل إمبراطورية تخلق نظاماً عالمياً يخدم مصالحها من طرق تجارية وقانون ولغة وعملة وثقافة. هذا البعد الإمبراطوري للعولمة هو ما يثير القلق لدى كثير من الشعوب، التي ترى فيها تهديداً لهويتها واستقلالها.
وجهات نظر متعددة حول العولمة:
· المنظور القومي أو الوطني: يرى أن العولمة هي هيمنة ثقافية واقتصادية تذيب الهويات الخاصة، ويجب مقاومتها بتعزيز الدولة الوطنية والهوية القومية.
· المنظور الليبرالي أو العالمي: يرى أن العولمة هي فرصة للتحرر من قيود التقاليد وانفتاح على الثقافات الأخرى وتقدم علمي واقتصادي للجميع.
· المنظور الماركسي أو الطبقي: يرى أن العولمة هي وجه جديد للرأسمالية، صراع بين الطبقات وليس بين الأمم، والحل هو في التضامن الطبقي العالمي لا القومي.
· المنظور ما بعد الكولونيالي: يرى أن العولمة هي استمرار للاستعمار بوسائل جديدة، لكنها أيضاً تتيح مساحات للمقاومة الثقافية وإعادة قراءة التاريخ من منظور المستضعفين.
تحليل نقدي للعولمة:
من منظور يركز على العدالة والهوية، تبدو العولمة الحالية وكأنها مشروع هيمنة أكثر منها مشروع تحرر. فهي تُضعف الدولة القومية في العالم الثالث، وتفرض نمط حياة استهلاكياً، وتعمق الفجوة بين الشمال والجنوب. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن العولمة وفرت أدوات للتواصل والمعرفة لم تكن متاحة من قبل، وفتحت آفاقاً للتضامن الإنساني عبر الحدود.
في هذا السياق، يصبح سؤال “من نحن؟” أداة للمقاومة والبناء، وليس للانغلاق:
· معرفة الذات لحمايتها من الذوبان، وهذا دفاع مشروع.
· بناء مشروع حضاري خاص ينطلق من الذات لكنه منفتح على الآخر.
· المشاركة في العالم من موقع الند لا التبعية، والعمل على بناء “عولمة بديلة” قائمة على التضامن والعدالة لا الهيمنة والنهب.
القسم الخامس: خلاصة فلسفية ومنهجية
لماذا نبدأ من “من نحن؟”؟
سؤال “من نحن؟” هو سؤال متعالق بمعنى كانط، أي أنه شرط إمكانية كل تجربة ومعرفة لاحقة. وهو السؤال الذي:
· يسبق المعرفة، فهو يفحص شروطها المسبقة.
· يرافق المعرفة، فهو يوجه استخدامها.
· يتجاوز المعرفة، فهو يسأل عن معناها وغايتها.
الإجابة بأننا “سوريون” أو “صينيون” هي جزء من الحقيقة، وليست الحقيقة كلها. الفرق بين التعامل معها كجزء أو ككل هو الفرق بين الحكمة والتعصب، والسلام والحرب، والانفتاح والانغلاق.
سؤال “من نحن؟” يبقى مفتوحاً، لأن الإجابة المغلقة هي موت الروح الباحثة. نبدأ من هذا السؤال لأننا لا نستطيع أن نبدأ من أي مكان آخر دون أن نفقد بوصلة المعرفة وغايتها. إنه السؤال الذي يجعل من المعرفة مشروعاً إنسانياً، ومن الهوية وعياً ذاتياً، ومن العولمة حواراً ندياً، وليس مجرد تبعية صامتة أو مقاومة عمياء.
للتفكير النقدي بعد القراءة:
· هل يمكن لعالم أن يعيش بلا هوية وطنية؟ وإن كان ممكناً، فهل هو مرغوب؟
· كيف يمكن التوفيق بين المطالبة بالعدالة العالمية والولاء للوطن في حالات الصراع؟
· هل يمكن أن يتحول سؤال “من نحن؟” نفسه إلى أداة لتجميد الهوية ومنع تطورها؟ وكيف نتجنب ذلك؟
· في عصر الذكاء الاصطناعي، كيف سيتغير هذا السؤال عندما لم يعد الإنسان هو الكائن الواعي الوحيد؟
الهوامش
[1】سورية (بلاد الشام والعراق)
[2] الوجدان القومي كما عرفه انطون سعاده في مقدمة كتابه “نشوء الأمم”:
“إنّ الوجدان القومي هو أعظم ظاهرة اجتماعية في عصرنا، وهي الظاهرة التي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدرجة العالية من التمدن. ولقد كان ظهور شخصية الفرد حادثاً عظيماً في ارتقاء النفسية البشرية وتطور الاجتماع الإنساني. أما ظهور شخصية الجماعة فأعظم حوادث التطور البشري شأناً وأبعدها نتيجة، وأكثرها دقة ولطافة وأشدها تعقداً، إذ إنّ هذه الشخصية مركّب اجتماعي – اقتصادي – نفساني يتطلب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية جماعته، أمته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه، وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسية متحده الاجتماعي، وأن يربط مصالحه بمصالح قومه، وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم به ويود خيره، كما يود الخير لنفسه.”
