مروان صباح:
لا شيء يُغيّر وعي المرء بالعالم مثل المعرفة العميقة ، فالعلم ، حين يتجاوز كونه رصيداً من المعلومات إلى أن يصبح عدسةً للرؤية ، يُحدث قطيعة مع نزعة الإنكار السريع ، تلك النزعة التىّ تغذي الانغلاق وتُعمي عن رؤية التعقيد ، من هنا تأتي المقولة المأثورة : “من كثُر علمُه انخفض إنكارُه” ، للإمام ابن تيمية ، فهي ليست وصفاً لحالة نفسية فحسب ، بل هي قانون وجودي : كلما اتسعت مدارك الإنسان ، أدرك أن الحقيقة متعددة الأوجه ، وأن الآخر ليس خطأً يحتاج إلى تصحيح ، بل اختلافاً يحتاج إلى فهم ، فالعلم الحقيقي يفضي إلى التواضع ، وهذا التواضع يبدأ من تأمل أصلنا المشترك : بالفعل التراب ؛ غير أن هذا التراب ليس متجانساً ؛ ففيه الطيني والرملي والسبخي ، وفيه الخصب والعقم ، وفيه ما يصلح للزراعة بلا عناء ، وما لا يصلح إلا بعد معالجات كيماوية دقيقة ، وهذا التشبيه ، وإن كان مادياً ، ينطبق على النفوس البشرية : فالناس معادن ، منهم الذهبي والفضي والنحاسي ، ومنهم من يبقي جوهره خاماً يحتاج إلى صقل ، والأخلاق ، إذاً ، ليست وليدة الاختيار المحض ، بل هي صدى لتركيبة وجودية سابقة ، وهو ما أشار إليه القرآن في محكم آيه : “وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا” ، فالأرض الخبيثة لا تنتج إلا شوكاً ، والنفس الخبيثة لا تصدر إلا أذى ، لكن الحكمة تكمن في إدراك هذا التنوع ، لا في محاربته ، وهذا الإدراك هو ثمرة العلم الناضج .
لكن العلم وحده لا يكفي ؛ فهو بحاجة إلى آليةٍ يعمل بها ، وهذه الآلية هي العقل ، غير أن العقل لا يُحدث تأثيراً إلا حين يتحد بموضوعه ، أي بالمعقول ، حين نُدرك مفهوماً مجرداً ، كالإنسانية مثلاً ، فإن هذا المفهوم لا يبقى غريباً عنا ، بل يحلّ في وعينا ، فيُصبح جزءاً من تكويننا الذهني والوجودي ، بعبارة أدق : العاقل يدرك المعقول ، والمعقول حين يُعقَل يُوجَد في العقل ، فيكون اتحاد العاقل بالمعقول في مقام التعقل ، هذا الاتحاد هو الذي يرفع الإنسان من مرتبة الاستهلاك السلبي للمعلومات إلى مرتبة الإنتاج الفكري والأخلاقي ، لكن هذا الاتحاد ، بدوره ، يفتح أبواباً من الأسئلة القديمة المتجددة ، وأكثرها إلحاحاً : هل يصح لهذا العقل المتحد بمعقولاته أن يُطبق على جميع الكائنات البشرية دون تمييز ، أم أن هناك تكوينات خاصة تستعصي على هذا التجريد؟ ، هذا السؤال يقودنا حتماً إلى إشكالية ظلت تؤرق الفكر الإسلامي منذ عصوره الذهبية : هل تصلح المرأة -تكوينياً- لتولي موقع القيادة الدينية العليا ، كالإمامة الكبرى ، أو الاجتهاد المطلق ، أو القضاء؟ ، التاريخ يشهد بنماذج نسائية فذّة ، كالسيدة عائشة رضي اللهِ عنها التىّ كانت مرجعاً للصحابة في الفتوى والتفسير ، لكنها مع ذلك ظلت استثناءً ، لا قاعدة ، فلم تكن العلاقة بين الرجل والمرأة ، في سياقها التاريخي ، علاقة تكامل بقدر ما كانت علاقة هيمنة وتهميش ، حتى في أحسن صورها ، حيث أهملت التكوينية الخاصة بكل طرف ، أو بتعبير أدق ، فُرضت قراءة ذكورية لهذه التكوينية .
من جهةٍ أخرى ، نجد موقفاً استثنائياً لابن عربي ، الذي أجاز إمامة المرأة للرجال ، ليس انطلاقاً من نصوص تأسيسية ، بل من عدم وجود مانع شرعي قاطع ، لكن هذا الموقف يبقى معزولاً ، إذ يُصارع تياراً سائداً يرى في الإمامة امتداداً للنبوة ، والنبوة -كما هو معلوم- كانت حكراً على الرجال ، لكن هل إمامة الصلاة هي ذاتها الإمامة الكبرى؟ وهل الالتزام بالطاعات والمباحات كافٍ لجعل المرأة جديرة بهذا الموقع ، أم أن ثمة شرطاً تكوينياً آخر؟ ، هنا يقدّم ابن عربي رؤية كوزمولوجية : الكون قائم على زوجية الفاعل والمنفعل ، المعطي والمستقبل ، وهذه الثنائية لا تعني تفوقاً لأحد الطرفين ، بل تعني تكاملاً ضرورياً ، وكما لا يحدث الإنجاب إلا باجتماع الرجل والمرأة ، لا يكتمل الوجود إلا بتعاون الأضداد وتكاملها ، وبهذا المنطق ، فإن استبعاد المرأة من القيادة الدينية ليس أمراً تكوينياً حقيقياً ، لكنها استثنيت من النبوة ، بل هو نتاج تراكمات ثقافية واجتماعية تحتاج إلى مراجعة ، طالما كانت السيدة عايشة وغيرها في مجالات متعددة حاضرات بقوة ، تماماً كما تحتاج التربة المالحة إلى معالجة كيماوية حتى تُصبح صالحة للزرع .
وهنا يستدعي السياق الأدبي المعاصر رواية تولستوي “آنا كارنينا”، التىّ تبدأ بعبارتها الشهيرة : “كل العائلات السعيدة متشابهة ، وكل عائلة تعيسة تعيسة على طريقتها الخاصة” ، لكن ما الذي تفعله هذه المقولة في سياقنا السياسي والفلسفي؟، فتولستوي لا يصف هنا التعاسة ، بل يُؤسس لفكرة أن السعادة ، كونها حالة من التوافق الداخلي والخارجي ، تكون نمطية ومتكررة ، بينما التعاسة تولد من التناقض بين التكوين الداخلي للفرد والظروف الخارجية المفروضة عليه ، وشخصية آنا نفسها تجسّد هذه المعضلة : امرأة تمتلك وعياً وعاطفة متقدين ، لكنها توجد في مجتمع يفرض عليها قيوداً أخلاقية وقانونية لا تتناسب مع تكوينها النفسي ، وهو ما اشار له ابن عربي حوّل علاقة الانثى بالنفسية والعقلية بالرجل ، هي ، بمعنى ما، “تربة خصبة” لكنها وُضعت في بيئة غير مناسبة ، فكان أن نبت منها المأساة ، هذا التشابه بين آنا والمرأة في السياق الإسلامي يلفت النظر : فكلاهما يُعاني من فجوة بين إمكاناته الذاتية والتوقعات الاجتماعية ، فلو أن مجتمع آنا كان أكثر تفهماً لتعقيدات النفس البشرية ، لربما انتهت قصتها بشكل مختلف ، وكذلك ، لو أن قراءتنا للنصوص الدينية كانت أكثر مرونة واستيعاباً للمتغيرات التكوينية ، لكان موقع المرأة في القيادة الدينية أكثر وضوحاً وتقبلاً .
إذنً الخلاصة ، فإن الحكمة ، في نهاية المطاف ، ليست امتلاك الأجوبة ، بل القدرة على تحمّل الأسئلة ، والعلم العميق يعلّمنا أن ننظر إلى الآخر ، سواء كان رجلاً أو امرأة ، كاختلاف يحتاج إلى فَهم ، لا كتهديد يحتاج إلى إنكار وكما يحتاج التراب الخصب إلى ماء ، وتحتاج النفس إلى عقل ، وتحتاج القيادة إلى تكامل ، فإن المجتمعات بحاجة إلى إعادة قراءة تراثها بعيون معاصرة ، تُدرك أن الثنائيات (ذكر / أنثى، عاقل/معقول، خصب / سبخ ) ليست صراعاً ، بل شراكة في إنتاج الوجود .
في النهاية ، يظل السؤال مفتوحاً ، كما تظل آنا كارنينا رمزاً للمأساة التىّ تولد من إكراه الذات على قوالب لا تناسبها ، ولعل طريق الحكمة أن نتعلم من العلم ألا نُنكر ، ومن الأدب ألا نستعجل ، ومن الدين أن نبحث عن التكامل لا الاستئثار ، فالحقيقة ، كالتراب ، لا تُستنفد بمعرفة نوع واحد ، بل بفهم تنوعها الغني والمدهش… والسلام
Weniger anzeigen
