Fares Denno
لم يعد الصراع في سورية شأناً داخلياً خالصاً كما لم يعد الصراع عليها مجرد تنافس بين قوى إقليمية ودولية فقد تداخلت في الساحة السورية ثلاثة مستويات متشابكة مستوى وطني يرتبط بشكل الدولة ومصدر شرعيتها ومستوى إقليمي يتصل بتوازنات النفوذ بين الدول العربية وإيران وتركيا وإسرائيل ومستوى دولي يعكس عودة التنافس بين روسيا والولايات المتحدة وأوروبا إلى جانب صعود الصين وتبدّل قواعد النظام الدولي.تكمن خطورة هذا التداخل في أن كل مستوى من مستويات الصراع يغذّي المستويين الآخرين فالأزمة الداخلية تفتح الباب أمام التدخل الخارجي والتدخل الخارجي يعمّق الانقسام الداخلي بينما تستخدم القوى الدولية والإقليمية الجغرافيا السورية لتحقيق أهداف تتجاوز حدود سورية نفسها والنتيجة أن السوريين لا يدفعون كلفة حرب واحدة بل كلفة صراع مركّب تتعدد أطرافه وأهدافه ومساراته
في جذور الأزمة السورية سؤال سياسي أساسي من يملك حق الحكم وبأي أدوات وتحت أي رقابة فقد نشأ الصراع الداخلي حول رفض احتكار السلطة والمطالبة بالحرية السياسية والكرامة والمشاركة العامة في مقابل تمسّك منظومة الحكم بمركزية القرار وبقاء الدولة تحت قيادة فردية وأمنية مغلقة
غير أن توصيف هذا المستوى بأنه مواجهة بين الحرية وحكم الفرد يحتاج إلى استكمال فالمجتمع السوري لم يكن كتلة سياسية واحدة والمعارضة لم تكن مشروعاً موحداً كما أن الخوف من الفوضى والانهيار دفع قطاعات من السكان إلى البحث عن الأمن قبل أي هدف سياسي آخر وفي المقابل لم يكن الحفاظ على مؤسسات الدولة ممكناً من خلال تحويل الدولة إلى أداة لحماية السلطة وحدها لذلك تحوّل الخلاف على الإصلاح والتمثيل السياسي إلى صراع على بقاء النظام نفسه ثم إلى صراع مسلح أضعف المجتمع والدولة معاً
المصلحة الوطنية السورية في هذا المستوى لا تتمثل في انتصار جماعة على أخرى بقدر ما تتمثل في بناء دولة تستعيد احتكارها الشرعي للسلاح وتضمن الحقوق السياسية وتمنع الانتقام الجماعي وتربط السلطة بالقانون والمساءلة ومن دون هذه القاعدة سيظل أي اتفاق سياسي هشاً حتى لو أوقف القتال مؤقتاً
تحتل سورية موقعاً جغرافياً يجعلها عقدة في شبكة الأمن الإقليمي فهي تتصل بالعراق وتركيا ولبنان والأردن وتجاور إسرائيل وتشرف على شرق المتوسط لذلك لا تنظر القوى الإقليمية إلى الأزمة السورية باعتبارها نزاعاً محلياً فحسب بل باعتبارها مسألة تمس حدودها وأمنها وممرات نفوذها وقدرتها على الردع
سعت إيران إلى حماية حليفها السوري والحفاظ على الاتصال الجغرافي والسياسي مع العراق ولبنان وتأمين شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة التي تمنحها قدرة متقدمة على الردع والضغط ولا يقتصر النفوذ الإيراني على البعد العسكري فهو يتصل أيضاً بالاقتصاد وبإعادة تشكيل شبكات محلية وبالرمزية المذهبيةوبإنشاء علاقات طويلة الأمد مع مؤسسات وشخصيات داخل الدولة والمجتمع
من منظور طهران خسارة سورية لا تعني فقدان حليف فحسب بل تعني انكشاف موقعها الإقليمي وتراجع قدرتها على التأثير في المشرق ولذلك تعاملت مع سورية باعتبارها جزءاً من منظومة أمنية أوسع من حدودها الوطنية
تنظر عواصم عربية عديدة إلى تمدد النفوذ الإيراني في سورية باعتباره تحولاً يهدد توازنات المشرق ولهذا ارتبط الموقف العربي بالسعي إلى الحد من النفوذ الإيراني ومنع تحويل سورية إلى منصة صراع أو ممر دائم للقوى المسلحة العابرة للحدود مع اختلاف واضح بين الدول العربية في أدواتها وأولوياتها
لكن اختزال المصلحة العربية في مواجهة إيران وحدها يظل قاصراً فالمصلحة العربية الأوسع تتصل أيضاً بمنع تفكك سورية والحفاظ على وحدتها والحد من موجات اللجوء وإعادة دمشق إلى إطار عربي قادر على التأثير في مستقبلها ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف عبر التنافس على النفوذ فقط إذ يتطلب الأمر تسوية سياسية تضمن للسوريين دوراً مركزياً في تقرير مستقبل بلادهم
تتعامل تركيا مع سورية من زاوية أمنها القومي المباشر وتأتي القضية الكردية في مقدمة هذه الحسابات إلى جانب منع تشكل كيان مسلح معادٍ على حدودها وإدارة ملف اللاجئين وضمان نفوذها في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة لذلك لا يمكن فهم السياسة التركية في شمال سورية من دون ربطها بالتوازنات الداخلية التركية وبالصراع مع حزب العمال الكردستاني وشبكاته الإقليمية
تعارض بعض المصالح التركية مع مصالح قوى عربية وإيرانية وغربية لكنها تتقاطع معها في أحيان أخرى خصوصاً في رفض استمرار الفوضى وفي الرغبة في منع تنظيمات مسلحة من فرض أمر واقع دائم
تنظر إسرائيل إلى سورية باعتبارها جبهة محتملة لانتقال السلاح والقوى المسلحة ولا سيما تلك المرتبطة بإيران ولهذا ركزت على منع إنشاء بنية عسكرية معادية قرب حدودها وعلى تعطيل نقل أسلحة نوعية وعلى إبقاء الخصوم في حالة استنزاف متبادل تمنع تشكل جبهة موحدة ضدها
غير أن هذه السياسة تحمل أثماناً إقليمية بعيدة المدى فاستمرار الضربات والتصعيد قد يمنع خصماً من التمركز عسكرياً، لكنه قد يرسخ في الوقت نفسه منطق الحرب المفتوحة ويعطل قيام ترتيبات أمنية مستقرة
تتجاوز أهمية سورية حدود الإقليم لأن موقعها يرتبط بالبحر المتوسط وبطرق الطاقة والتجارة وبمكافحة الإرهاب وبأمن حلفاء الولايات المتحدة وبمستقبل النظام الدولي ومع ذلك ينبغي الحذر من تفسير كل السياسة الدولية من خلال النفط وحده فموارد الطاقة مهمة لكنها ليست العامل الوحيد ولا دائماً العامل الحاسم إذ تتداخل معها اعتبارات القواعد العسكرية وموازين الردع والهجرة والإرهاب والقانون الدولي ومصداقية التحالفات
مثّلت سورية لروسيا فرصة للحفاظ على موطئ قدم عسكري وسياسي في شرق المتوسط ولإظهار قدرتها على حماية حلفائها ولتأكيد أنها لاعب لا يمكن تجاوز نفوذه في قضايا الشرق الأوسط كما استخدمت موسكو الملف السوري لتختبر حدود القوة الغربية وتفاوض على قضايا أوسع من سورية وتقدم نفسها بوصفها بديلاً عن الهيمنة الأمريكية المنفردة
لذلك لم يكن الدفاع الروسي عن دمشق دفاعاً عن شخص أو حكومة فقط بل دفاعاً عن منظومة مصالح تشمل القواعد العسكرية وسوق السلاح ومكانة روسيا الدولية وحقها في التأثير في ترتيبات الأمن الإقليمي
تتوزع المصالح الغربية بين احتواء الإرهاب وحماية أمن إسرائيل والحد من النفوذ الإيراني والروسي ومنع انهيار إقليمي واسع وإدارة ملف اللاجئين والحفاظ على نفوذ سياسي واقتصادي في المنطقة ولا تتطابق أولويات الولايات المتحدة مع أولويات الدول الأوروبية دائماً فأوروبا تتحمل بصورة مباشرة أعباء الهجرة واللجوء بينما تركز واشنطن بدرجة أكبر على الأمن الإقليمي ومنافسة الخصوم الدوليين
وقد اتسم الموقف الغربي بالتردد بين دعم مطالب التغيير وتجنب إسقاط الدولة ورفض إعادة تأهيل السلطة من دون تنازلات سياسية والامتناع عن الانخراط العسكري المباشر واسع النطاق هذا التردد أضعف قدرة الغرب على فرض مسار واضح وترك مساحة أكبر لروسيا وإيران وتركيا كي تملأ الفراغ
لم تكن الصين الطرف العسكري الأكثر حضوراً في الحرب السورية لكنها تنظر إلى سورية من زاوية أوسع ترتبط بمبدأ عدم التدخل وبحماية الاستقرار وبفرص إعادة الإعمار وبشبكات التجارة والطاقة ضمن مبادرة الحزام والطريق وتفضّل بكين عادة بيئة دولية تقل فيها العقوبات والصراعات المفتوحة وتستطيع فيها توسيع علاقاتها الاقتصادية من دون تحمل كلفة التدخل العسكري المباشر
ومن ثم فإن الحضور الصيني المحتمل لا يقوم بالضرورة على السيطرة الميدانية بل على توسيع النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي عندما تسمح الظروف بذلك
كلما طال أمد الحرب تراجعت قدرة السوريين وحدهم على تحديد مسارها فقد أدت عسكرة النزاع إلى انتشار الفصائل وتدفق السلاح وتدخل القوى الأجنبية وارتباط الفاعلين المحليين برعاة خارجيين. وبذلك أصبح القرار الوطني موزعاً بين مؤسسات رسمية وقوى معارضة وتشكيلات مسلحة وإدارات محلية وشبكات اقتصادية ودول إقليمية ودولية
كما أن تعدد خرائط السيطرة خلق مصالح مادية جديدة مرتبطة بالمعابر والموارد والتهريب والعقود والتمثيل السياسي وكلما نشأت مصالح من هذا النوع أصبح إنهاء الحرب أكثر تعقيداً لأن بعض المستفيدين من اقتصاد الصراع يخسرون نفوذهم إذا عاد السلاح إلى الدولة وعادت الحدود إلى الرقابة القانونية
لهذا لم يعد كافياً أن يقال إن الحل سياسي فالحل السياسي الحقيقي يحتاج إلى معالجة مصادر القوة التي نشأت خلال الحرب وإلى ضمانات أمنية لجميع الجماعات وإلى ترتيبات لامركزية إدارية قابلة للحياة وإلى عدالة انتقالية تمنع الإفلات من العقاب كما تمنع تحويل العدالة إلى أداة انتقام
يدفع السوريون كلفة الصراع على ثلاثة مستويات داخلياً دفعوا ثمن القمع والانقسام والعنف وتراجع مؤسسات الدولة إقليمياً تحملوا آثار التنافس على النفوذ وتحويل أراضيهم إلى ممرات وقواعد وساحات ردع ودولياً صار مستقبل بلدهم مرتبطاً بمفاوضات أكبر تتصل بمواجهة روسيا والغرب وبالتنافس الأمريكي الصيني وبأمن الطاقة والحدود والهجرة
وتتضاعف هذه الكلفة لأن آثار الحرب لا تتوقف عند الخسائر المباشرة فهناك تدمير البنية التحتية وتفكك التعليم والصحة وفقدان فرص العمل واتساع اقتصاد الظل واستمرار النزوح وتعمق الفجوات بين المناطق كما أن إعادة الإعمار لا تعني تشييد الأبنية فقط بل تعني إعادة بناء الثقة وعودة القانون واستعادة الملكيات وإصلاح المؤسسات وإدماج النازحين واللاجئين ضمن ترتيبات تحمي حقوقهم
قد تتمكن قوة من تحقيق تفوق عسكري أو سياسي لكن ذلك لا يعني انتهاء الصراع فالانتصار الذي لا يعالج أسباب التهميش والعنف والتدخل الخارجي قد ينتج هدنة طويلة لا سلاماً مستداماً كما أن فرض تسوية من الخارج قد يوقف المعارك لكنه يترك أسباب الانفجار قائمة إذا لم تُبنَ على قبول اجتماعي ومؤسسات شرعية
لهذا يجب التمييز بين انتصار طرف وانتصار الدولة السورية. انتصار الطرف يعني أن يمتلك أحد الفاعلين قدرة أكبر على فرض شروطه أما انتصار سورية فيعني استعادة القرار الوطني ووحدة المؤسسات واحتكار الدولة للسلاح وضمان الحقوق السياسية وإطلاق مسار مصالحة وعدالة وإنهاء تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات
الصراع على سورية هو صراع على السلطة والهوية والأمن والنفوذ والموقع الجغرافي وهو في الوقت نفسه صراع على شكل النظام الإقليمي وعلى حدود النظام الدولي وقد جعل هذا التداخل سورية رهينة مصالح متعارضة لا تتفق إلا جزئياً فيما بقيت المصلحة السورية أقل تمثيلاً من مصالح القوى المتدخلة
لا يمكن إعادة الصراع بالكامل إلى بعده الوطني كما لو أن التدخلات لم تقع لكن يمكن إعادة المصلحة الوطنية السورية إلى مركز التسوية ويتطلب ذلك وقف تحويل سورية إلى منصة تهديد، وربط أي دعم أو نفوذ خارجي بمسار يحفظ وحدة البلاد ورفض التغيير الديموغرافي وضمان عودة آمنة وطوعية وكريمة للنازحين واللاجئين وبناء مؤسسات تمثل السوريين لا القوى التي تتنافس عليهم
إن الحرية السورية لن تكون مستقرة من دون دولة والدولة لن تكون شرعية من دون حرية والاستقرار لن يتحقق من دون استقلال القرار الوطني أما إبقاء سورية معلقة بين صراع داخلي وحسابات إقليمية ومنافسة دولية فلن يؤدي إلا إلى إطالة الحرب وتحويل السوريين إلى ضحايا دائمين لمعركة لا يملكون قرارها
See less
