ديفيد هيوم وأنطون سعادة: بين نقد العقل المعرفي وتأسيس الأمة

  سعاده عبد الرحيم:

الخير وعلاقته بالحرية والواجب والنظام والقوة لدى سعاده ومجموعة من الفلاسفة – syriano     مقدمة:
يمثل ديفيد هيوم (1711-1776) وأنطون سعادة (1904-1949) محطتين فكريتين متباعدتين زمكانياً، لكن المقارنة بينهما تكشف عن تنوع الخطاب الفلسفي وارتباطه العضوي بسياقه التاريخي. فبينما وضع هيوم الفلسفة الغربية أمام مرآة الشك التجريبي، كاشفاً حدود العقل البشري في مجالات السببية والذات والأخلاق، كان سعادة منشغلاً ببناء مشروع نهضوي قومي اجتماعي لـ”سوريا الطبيعية” في وجه التجزئة الاستعمارية والأنانية الفردية والطائفية. غير أن قراءة فكر هيوم لا تكتمل دون توجيه الأسئلة النقدية التي يكشفها التأمل الفلسفي نفسه، والتي تفضي بنا إلى إعادة النظر في كثير من مسلّماته، وتجعل من فكر سعادة، رغم اختلاف موضوعه، محكاً مهماً لفلسفات التأسيس والنهضة.
أولاً: ديفيد هيوم – عرض الخطوط الرئيسية ونقدها
1. التجريبية ونظرية المعرفة: من الانطباع الفردي إلى نسبية الإدراك
يُصنّف هيوم ضمن كبار فلاسفة المذهب التجريبي، إذ يرى أن كل المعرفة تنبع من التجربة الحسية، وينفي وجود أفكار فطرية. يقسم المدركات إلى “انطباعات” (مشاعر وأحاسيس مباشرة) و”أفكار” (صور ضعيفة عنها في الذهن). وينبثق عن ذلك تقسيم القضايا المعرفية إلى: “علاقات بين أفكار” (كالقضايا الرياضية، يقينية لكنها لا تخبرنا عن الواقع)، و”مسائل واقعية” (تعتمد على التجربة وهي احتمالية).
غير أن السؤال النقدي الجوهري هنا لا يتعلق بإنكار دور التجربة، بل بطبيعة هذه التجربة ذاتها. فالتجربة الحسية، كما تكشفها لنا أبسط الوقائع، ليست معطى موضوعياً محايداً، بل هي قراءة ذاتية نسبية. خذ تجربة غمر يد في ماء بارد جداً وأخرى في ماء ساخن جداً، ثم وضعهما معاً في إناء واحد من الماء الفاتر؛ ستمنحك كل يد إحساساً مختلفاً تماماً عن درجة حرارة الماء نفسه. الماء الفاتر هو هو، لكن الإدراكين متضاربان. هذه النسبية الحسية لا تسقط قيمة المعرفة الحسية فحسب، بل تسقط بشكل أكثر عمقاً فكرة أن العقل الفردي المنعزل يمكن أن يكون مرجعاً نهائياً للحقيقة في الشأن الإنساني.
فإذا كان الإحساس البسيط بدرجة حرارة مادة مادية بهذا التباين، فكيف بالحقائق الاجتماعية والسياسية والهوياتية المعقدة التي تتوقف عليها مصائر الأمم؟ إن العلوم الإنسانية بطبيعتها تتعامل مع وقائع ليست فيزيائية محضة، بل هي قيم ومعانٍ وعلاقات، وشرط وجودها ليس التجربة الحسية اللحظية، بل الفهم والتأويل والتراكم الجمعي. وهذا ما أغفله هيوم حين عمّم المنهج الطبيعي الفيزيائي على كل مجالات المعرفة.
2. نقد السببية ومشكلة الاستقراء: بين الشك الفردي والتفسير العلمي
يرى هيوم أننا لا ندرك رابطاً ضرورياً بين السبب والنتيجة، بل ندرك فقط اقتراناً متكرراً (constant conjunction). ومن هنا تبرز مشكلة الاستقراء: كيف نبرر أن المستقبل سيشبه الماضي؟ فيجيب بأن هذا ليس استنتاجاً عقلياً، بل نتاج العادة والغريزة الطبيعية. غير أن الاعتراض الجوهري هنا قوي: مثل كرة البلياردو وشروق الشمس أصبحا اليوم محلولين في الفيزياء الحديثة، إذ نخضع ارتطام الكرات لقوانين الديناميكا، وحركة الشمس لقوانين الفلك والجاذبية.
وهنا نصل إلى نقطة بالغة الأهمية: حتى هذه القوانين الفيزيائية التي تبدو يقينية، لا تتحول إلى حقائق ثابتة بمجرد رصدها أو استنتاجها من قبل فرد بعينه، بل تمر بمراحل من المراجعة والتدقيق داخل مجامع علمية ومعاهد بحوث، ولا تُقبل إلا بعد إجماع تطوّري بين جماعة المختصين. أي أن التحقق من الحقيقة، حتى في أضيق مجالاتها الطبيعية، هو فعل اجتماعي تراكمي، وليس مجرد انطباع حسي فردي كما يوحي به منهج هيوم. وقد يرد هيوم بأن العلم الحديث حلَّ الكيفية (كيف تحدث الظواهر) ولم يحل معضلة الضرورة المنطقية (لماذا بالضرورة يحدث هذا الربط)، لكن اختزال السببية في مجرد تعود نفسي يبقى ناقصاً أمام ما تقدمه الفيزياء المعاصرة من تفسيرات نظرية متينة للربط السببي، حتى وإن كشفت عن احتمالية على المستوى الكمي.
3. التفكير والذات بين التعاقب والثبات الأخلاقي
التفكير والتذكر والنطق هي مسائل عقلية، وليست مجرد أفكار ضعيفة عن انطباعات. هيوم لم يمنح العقل دوراً فاعلاً في تركيب المعاني وتجريدها، بل جعله أشبه بمرآة تعكس ما سبق. لكن الواقع أن التفكير ينطوي على عمليات تركيب وتحليل واستدلال وإبداع لا يمكن ردّها إلى مجرد نسخ مشوّه للانطباعات. كانط لاحقاً صحّح هذا حين أثبت أن العقل يفرض مقولاته (كالسببية والجوهر والكم) على المادة الخام للتجربة، ولا يكتفي باستقبالها سلباً.
أما في ما يخص الذات، فقد طرح هيوم رؤية جذرية، معتبراً إياها مجرد حزمة من التصورات المتعاقبة (bundle of perceptions)، منكراً وجود جوهر ثابت للنفس. لكن الاعتراض هنا قوي: فلو كانت الذات مجرد ومضات متلاحقة لا رابط بينها، فكيف نفسر استمرار الموقف الأيديولوجي أو الأخلاقي للإنسان على مدى عقود؟ الثبات في المواقف والمبادئ هو ما يجعلنا نقول عن شخص “إنه هو نفسه” رغم تغير أحواله، وهذا الثبات يتعارض مع التفتيت الهيومي للذات. علم الأعصاب اليوم يؤكد وجود مناطق عصبية مسؤولة عن تشكّل الميول الثابتة والذاكرة طويلة الأمد، مما يزيد من وهن نظرية “الحزمة”.
4. الأخلاق بين العاطفة والواجب
يشتهر هيوم بقوله: “العقل هو عبد العواطف ويجب أن يظل كذلك”، إذ يرى أن الحكم الأخلاقي ينبع من الشعور لا من العقل. لكن هذا الموقف قابل للنقد من وجهين رئيسيين:
أولاً: الأخلاق أعمق من العاطفة المجردة. فثمة مواقف إنسانية كثيرة يتخذ فيها الإنسان قراراً من منطلق أخلاقي يخالف عاطفته المباشرة. خذ مثال الجندي الذي يلقي بنفسه على القنبلة لينقذ رفاقه: عاطفته (الخوف والرغبة في البقاء) تأمره بالفرار، لكن إرادته الأخلاقية (الواجب والتضحية) تدفعه للثبات. كانط بنى فلسفته الأخلاقية بأكملها على هذا الأساس: الفعل الأخلاقي لا يُقاس بتوافقه مع العاطفة، بل بانطلاقه من احترام القانون الأخلاقي الداخلي (الواجب)، حتى لو تعارض مع كل المشاعر.
ثانياً: الإنسان ليس كائناً غرائزياً بلا عقل، كما قد يوحي به منطق هيوم. العقل الإنساني يتوسّط بين الغرائز والسلوك، ويُخضع العواطف للمراجعة والموازنة والتأجيل، بل ويكبت بعضها في سبيل أهداف بعيدة المدى. العاطفة عند الإنسان ليست طاقة عمياء، بل هي مغلفة بالمعاني والرموز والتصورات العقلية، وهذا ما يمنح الفعل الإنساني بعده الأخلاقي المميز.
ثانياً: أنطون سعادة – فلسفة الأمة بين الأرض والعقل الاجتماعي
أنطون سعادة هو مفكر وسياسي سوري/لبناني، ومؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1932. يقوم فكره على ترابط عضوي لا فكاك منه بين الأرض والإنسان، بحيث تُفهم الأمة كوحدة وجودية جامعة. يمكن تلخيص ركائزه فيما يلي:
1. الأمة السورية: الترابط غير القابل للفصل بين الوطن والشعب
يرى سعادة أن الأمة من الناحية العلمية ليست فكرة مجردة أو عقداً اجتماعياً، بل هي نتاج تفاعل عضوي بين الأرض (الوطن) والإنسان (الشعب)، بحيث لا تقوم إحداهما دون الأخرى. فالأرض المحددة جغرافيا (الهلال الخصيب) هي الرحم الذي أنتج، عبر آلاف السنين، شعباً متجانساً اجتماعياً وتاريخياً نتيجة تفاعل البقعة الجغرافية مع الأقوام النازلة إليها (الكنعانيين، الآراميين، الفينيقيين، الآشوريين، وغيرهم)، مشكلين المزيج السلالي السوري. وهذا الترابط غير القابل للفصل يعني أن الأرض بدون شعب أرض ميتة، والشعب بدون أرض لا يمكنه تشكيل أمة، ولا تتحقق القومية إلا بالوعي بهذه الوحدة الجدلية.
2. العلمانية الجذرية ومحاربة الطائفية
يؤمن سعادة بفصل الدين عن الدولة بشكل جذري، ويرى أن الانتماء الديني أو الطائفي يجب أن يكون شأناً شخصياً لا يعلو على الانتماء للوطن. الطائفية السياسية، في نظره، أداة استعمارية للتفرقة والتخلف، والمجتمعات المتعددة الأديان والطوائف، حين تُحدد الأمة على أساس تلك العصبيات، تقدم الأسباب الرئيسية للاقتتال الداخلي والاستعانة بالأجنبي، مما يهدد وجود الأمة ذاته.
3. القومية كوعي ذاتي والأمة كواقع موضوعي
يميّز سعادة بدقة بين “الأمة” بوصفها واقعاً طبيعياً موضوعياً (متمثلاً بالأرض والإنسان والتفاعل عبر الزمن مشكّلاً المزيج السلالي)، و”القومية” بوصفها الوعي الذاتي بهذه الأمة ومصالحها العليا وأهدافها الكبرى. فالقومية ليست مجرد انتماء عاطفي، بل هي شعور فكري وسياسي منظم.
4. الرؤية الاجتماعية والعقل الاجتماعي ومعيار الحقيقة
دعا سعادة إلى إلغاء الإقطاع، وتنظيم الاقتصاد القومي، وفصل الدين عن الدولة، وإعداد جيش قوي. لكن الأهم في سياق مقارنتنا هو تأكيده على “العقل الاجتماعي”، أي العقل الجمعي النابع من وحدة حياة الأمة، والذي يتجاوز العقل الفردي الأناني. فالعقل عند سعادة ليس أداة فردية للمعرفة فحسب، بل هو وعاء لإرادة الجماعة وتخطيط نهضتها.
وهنا يستعيد سعادة النظر في معيار الحقيقة ذاته. ففي مقابل النسبية التي كشفتها التجربة الحسية الفردية (كتجربة اليدين في الماء)، يرى سعادة أن الحقيقة في الشأن الإنساني لا يمكن أن تقوم على انطباع عابر أو اجتهاد فردي مهما كان نبيلاً. فالحقيقة الاجتماعية معيارها الخاص: إنها تلك التي تجتاز اختبار الاستمرارية التاريخية، وتمتد في وعي الجماعة، وتترسخ في ضمير الأمة بحيث تصبح جزءاً من نسيجها الوجداني والعقلي. وحتى الحقيقة الفيزيائية البحتة لا تثبت في النهاية إلا عبر إقرار مجامع علمية ومعاهد بحوث، أي عبر آلية اجتماعية للتحقق والتراكم، فكيف بالحقائق الكبرى التي تتعلق بمصير الأمم وهويتها؟ هذا الموقف يضع سعادة في مواجهة مباشرة مع فردانية هيوم المعرفية، ويؤسس لعقلانية جماعية تنويرية تهدف إلى تحرير المجتمع من صراعاته الداخلية.
ثالثاً: المقارنة بين الفلسفتين (نص نثري)
على الرغم من البون الشاسع بين الرجلين في الزمان والمكان والموضوع، فإن المقارنة بينهما تكشف عن تباين جوهري في الهم الأساسي والمنهج. فإذا كان همّ هيوم معرفياً محضاً، يدور حول سؤال “كيف نعرف وما حدود العقل الفردي؟”، فإن همّ سعادة سياسي وجودي، يتعلق بسؤال “من نحن وكيف نبني أمة قوية موحدة؟”. وفي المنهج، اعتمد هيوم المنهج التجريبي الطبيعي القائم على الانطباعات الحسية ونقد الميتافيزيقا، بينما اعتمد سعادة منهجاً جدلياً تاريخياً، يقوم على التفاعل العضوي غير القابل للفصل بين الأرض والإنسان عبر الزمن، بحيث لا توجد الأمة بمعزل عن جغرافيتها ولا عن تاريخها الممتد.
أما في موقعهما من العقل، فيبدو الفصل بينهما أكثر حدة. هيوم يضع العقل في موضع تابع للعاطفة والغرائز، وهو موقف تعرّض لنقد وجيه كما رأينا من خلال استقلالية الإرادة الأخلاقية وفعالية التفكير التركيبية. في المقابل، ينادي سعادة بـ”العقل الاجتماعي” بوصفه شرعاً أعلى لعقلانية تنويرية، متجاوزاً بذلك العقل الفردي الأناني، وجاعلاً من العقل أداة تخطيط للنهضة السورية لا مجرد أداة تسجيل للانطباعات. وهذا الاختلاف في مفهوم العقل يقود إلى تباين جذري في معيار الحقيقة: فهيوم يجعله رهناً بالانطباع الحسي الفردي والعادة النفسية، بينما سعادة يؤسسه على الثبات التاريخي والانتشار في الوعي الجمعي، وعلى ما يشبه الإقرار المجتمعي الذي نراه حتى في مجال العلوم الطبيعية حيث لا تصبح النظرية حقيقة قبل أن تُقرّها مجامع علمية ومعاهد بحوث.
وفي نظرية الكلي والجامع، يتشابه الرجلان في نقضهما لكليات مزعومة، لكنهما يفترقان في هدف النقض. فهيوم هاجم الكليات الميتافيزيقية كالجوهر والسببية الضرورية، قاصداً تقويض أوهام العقل النظري. أما سعادة، فهاجم الكليات المصطنعة كالأمة العربية والأمة الإسلامية بوصفها مشاريع تتجاوز الجغرافيا الطبيعية، واستبدلها بكلي ملموس هو سورية الطبيعية المحددة بحدودها الجغرافية والاجتماعية. وأما موقفهما من الدين، فيجمع بين اعتراف هيوم بالوظيفة النفسية للدين ونقده للأدلة العقلية عليه، وبين تغاضي سعادة عن الجدل الإلهي وتبنيه الصارم لفصل الدين عن الدولة، معتبراً الخلط بينهما سبباً رئيسياً للتشرذم الحضاري.
وأخيراً، تختلف طبيعة الفلسفة عندهما في غايتها النهائية. فلسفة هيوم تشكيكية تأملية، هدفها التواضع المعرفي وكشف أوهام العقل، وهي بذلك فلسفة مراجعة لا بناء. أما فلسفة سعادة، فهي فعلية وجودية، هدفها إقامة نهضة سورية قومية اجتماعية تبني الأمة والدولة، وهي بذلك فلسفة تأسيس وإرادة. وفي الإرث، أثّر هيوم في كانط والوضعية المنطقية والفلسفة التحليلية، بينما أثّر سعادة في تيار قومي علماني ما زال حياً ومؤثراً في المشهد السياسي والفكري حتى اليوم.
خاتمة
في نهاية هذه المقارنة، نجد أنفسنا أمام مسارين فلسفيين متباينين، يلتقيان في النزعة “الطبيعية” التي ترفض الغيبيات والميتافيزيقا، لكنهما يفترقان في الغاية والمنهج. هيوم كرّس فلسفته لتقويض أوهام العقل الفردي، ليكشف أن الإنسان ليس كائناً عاقلاً بالدرجة الأولى، بل كائناً عاطفياً تعوده على أنماط معينة من التفكير. لكن هذا الطرح، كما رأينا، يصطدم بثبات الموقف الأخلاقي والإرادي لدى الإنسان، وبفعالية التفكير التركيبية، وبأن الحقيقة حتى في مجال الطبيعة لا تتم عبر الفرد المنعزل، بل عبر الجماعة العلمية المتراكمة التي تُقرّ النظرية بعد التحقق والتدقيق.
أما سعادة، فقد بنى مشروعه على ضرورة تجاوز العقلانية الفردية إلى “عقل اجتماعي” جماعي، مؤسساً هوية الأمة على ترابط عضوي بين الأرض والإنسان، ومؤسساً معيار الحقيقة على الاستمرارية والانتشار في الضمير الجمعي، مما يجعله أقرب إلى روح العلم الحديث الذي لا يُقرّ حقيقة إلا بعد إجماع مجتمع المختصين. صحيح أن سوريا الطبيعية من أكثر بقاع العالم تنوعاً دينياً وطائفياً وعرقياً، لكن هذا التنوع في نظر سعادة ليس عائقاً، بل هو المادة الخصبة ذاتها التي تصهرها القومية الاجتماعية في بوتقة وطنية واحدة، محولة التعددية من سبب للاقتتال إلى مصدر للثراء الحضاري. وإذا كانت الحدود السياسية والوحدة السياسية قد خضعت عبر التاريخ لتوازنات دولية متقلبة، فإن ذلك لا ينفي وجود الأمة كحقيقة جغرافية واجتماعية ثابتة، بل يؤجل فقط تحقيقها السياسي إلى لحظة تتوفر فيها الإرادة والظروف المناسبة.
تبقى المقارنة بين الرجلين دليلاً على أن الفلسفة، سواء اتخذت منحى تشكيكياً معرفياً أو منحى تأسيسياً سياسياً، تظل رهينة بأسئلتها. فبين شك العقل الفردي وعمل الأمة، وبين نسبية الإحساس وثبات الحقيقة الاجتماعية، وبين الانطباع اللحظي والتراكم الجمعي، تظل الفلسفة ذلك الجسر الممتد فوق هوة الوجود الإنساني، تحاول إنارة الطريق، وإن لم تخلُ ظلالها دوماً من نقد وتصحيح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *