خديجة محمود حسنين :
قضية المحامية “لؤة خلف” تضعنا أمام سؤال أوسع: ما حدود القانون، وما دور الدين، وأين تقف الأخلاق؟
التجاوزات الأخلاقية تَقُومَها الأسرة، ويستنكرها الجيران في نميمتهم، والمعصية يحاسب عليها الله، ومخالفة القانون تتصدى لها الدولة.
الإيمان لا يُفرض بالقوة.
لكن تعالوا نتخيل مؤسسات الدولة تحاسبنا على النذالة، قلة الأصل، انعدام الذوق، التجشؤ أمام الآخرين!
أو يعاقبنا القانون على ترك الصلاة أو إفطار رمضان!
فكما يقول أرسطو: “الفضيلة هي وسط بين رذيلتين، وهي عادات مكتسبة بالاختيار.”
أو تخيلوا أن يحاسبنا الله على مخالفات الرادار، والتهرب الضريبي!
إنه الخلط بين القانون والدين والأخلاق الذي ابتلينا به في هذه الأيام التعيسة، مثل ما حدث بشأن إيقاف المحامية الشابة “لؤة خلف” عن مزاولة المهنة، بسبب “عدم ارتدائها الحجاب”.
عدم ارتداء الحجاب ليس جريمة في القانون المصري، ما لم يرتبط بفعل مجرَّم بنص واضح.
هذا يرتبط بمبدأ مهم جدًا في القانون الجنائي اسمه “مبدأ المشروعية”، أو كما يُختصر في القاعدة:
“لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”
أي أنه لا يمكن اعتبار فعل ما جريمة، أو توقيع عقوبة عليه، إلا إذا كان هناك نص قانوني صريح يجرّمه ويحدد عقوبته.
في القانون الجنائي، يجب أن تكون الجريمة مُعَرَّفة بدقة، وإلا فإنها تخالف القاعدة الأساسية:
“لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص واضح ومحدد”.
المشكلة في النص الفضفاض هي أنه يسمح بإدخال أفعال كثيرة جدًا تحته، من محتوى على الإنترنت إلى سلوكيات شخصية، حتى وإن لم تسبب ضررًا ماديًا أو اعتداءً على الحقوق.
قضية المحامية “لؤة خلف” تضعنا أمام سؤال أوسع: ما حدود القانون، وما دور الدين، وأين تقف الأخلاق؟
القانون– القاعدة الملزمة للجميع
القانون: هو مجموعة قواعد تضعها الدولة لحماية الحقوق. في النظرية، هو محايد ويعامل الجميع بالتساوي، لكن في الممارسة، قد يتأثر بالضغوط السياسية أو المجتمعية أو الإعلامية.
كما قال مونتسكيو: “القانون مثل الموت، لا يستثني أحدًا.”
في قضية المحامية “لؤة خلف”، يُفترض أن تكون المحاكمة وفق القانون وحده، لا وفق الانطباعات الشخصية.
الدين الحكم الروحي والأخلاقي
الدين يقدم منظومة أخلاقية وروحية، تحدد الحلال والحرام، وتوجه السلوك الفردي والمجتمعي. لكن حين يتدخل الخطاب الديني في القضايا، قبل أن يقول القضاء كلمته، تتحول القضية إلى محاكمة دينية شعبية. الحجاب لا يُفرض بالقوة.”
هنا، المشكلة ليست في وجود قيم دينية، بل في استخدامها لإصدار أحكام قبل استكمال مسار العدالة.
وقال تولستوي: *”الدين الحقيقي هو الذي يجعل الإنسان يتغلب على نفسه، لا على الآخرين.”*
الأخلاق– المعيار الاجتماعي المتغير
الأخلاق: هي قيم المجتمع وعاداته وتصوراته، عما هو صواب أو خطأ. وهي أكثر مرونة من الدين والقانون، وتتغير بمرور الزمن.
قال أرسطو: “الفضيلة هي وسط بين رذيلتين.”
التداخل الخطير بين الثلاثة
حين تختلط حدود القانون والدين والأخلاق، يصبح المتهم محاصرًا بثلاث محاكم في وقت واحد:
1. محكمة القانون** التي تحدد العقوبة القانونية.
2. محكمة الدين** التي تصدر حكمًا أخلاقيًا روحيًا.
3. محكمة الأخلاق** التي تدين اجتماعيًا حتى قبل ثبوت الجريمة.
وهذا الخلط ليس جديدًا في مصر؛ فقد ورثناه من تاريخ طويل لتوظيف الأخلاق والدين كأدوات سياسية، منذ العهد العثماني ومحمد علي، مرورًا بـ”دولة العلم والإيمان” في عهد السادات، وصولًا إلى اليوم.
القضية تكشف، أن النقاش لا يدور فقط حول الفعل محل الاتهام، بل حول هوية الفاعل، والخطاب الإعلامي، وحدود تدخل الدولة بين القانون والدين والأخلاق.
ففي دولة القانون الحقيقية، لا تُستعمل الأخلاق كسلاح، ولا الدين كغطاء للانتقائية، ولا الإعلام كمحكمة شعبية.
الدولة الحديثة، في أصلها، تقوم على الفصل بين القانون الدنيوي والتصورات الدينية الخاصة، مع السماح للأفراد بحرية المعتقد ما داموا لا يضرون بحقوق غيرهم. لكن غالبًا ما نجد الخطاب العام يخلط بين القانون والدين، فتُقدَّم القضية وكأنها محاكمة دينية علنية قبل أن تبت فيها المحاكم المدنية.
هذا الخلط يُربك الرأي العام ويؤدي إلى محاكمات شعبية قبل المحاكمات القانونية، ما قد يضر بمبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”.
الأخلاق ليست نصًا جامدًا، بل منظومة قيمية تتغير عبر الزمن والمكان. المشكلة تظهر حين تُفرض تصورات أخلاقية انتقائية على المجتمع كله، أو حين تتحول الأخلاق إلى أداة لتصفية الحسابات أو لإثارة الرأي العام.
والإعلام في هذه القضية لعب دورًا مزدوجًا: من جهة أثار فضول الجمهور عبر العناوين المثيرة، ومن جهة أخرى أطلق أحكامًا قيمية تستبطن أفكارًا عن فرض لبس الحجاب.
حين تتعامل الدولة مع قضايا مثل الحجاب من منظور رقابي-قمعي، فهي تقترب من نموذج “الدولة الدينية” التي ترى نفسها وصيًا على سلوك الأفراد في حياتهم الخاصة. أما الدولة المدنية، فهي تضع القانون فوق القيم الشخصية، وتحصر تدخلها في حماية الحقوق والحريات ومنع الأذى المادي أو المباشر، لا فرض الفضيلة بالقوة.
الخلط بين النموذجين يفتح الباب لاستخدام القانون أحيانًا كسلاح سياسي أو اجتماعي، ويُربك حدود الحرية الشخصية.
قضية المحامية “لؤة خلف” تكشف مرة أخرى أن الجدل في مصر حول خطاب الإعلام، وحدود تدخل الدولة بين القانون والدين والأخلاق.
كما قال جون لوك: “القوانين وضعت لا لتقييد الحرية، بل للحفاظ عليها.”
المطلوب ليس فقط تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، بل أيضًا إصلاح الخطاب الإعلامي ليكون قائمًا على الحقائق لا الأحكام المسبقة، وعلى احترام كرامة الأفراد حتى في ظل اتهامهم.
ففي دولة القانون، لا يجب أن تتحول الأخلاق إلى ساحة للمزايدة، ولا الدين إلى غطاء للانتقائية، ولا الإعلام إلى محكمة شعبية.
See less
