العائلة… النموذج الأول للعقد الاجتماعي …

مروان صباح :
كاريكاتير: دولة القانون | كاريكاتير | الجزيرة نت   ربما لم يعرف الإنسان الدولة إلا متأخرًا ، لكنه عرف السلطة منذ اللحظة التىّ عرف فيها العائلة ، فقبل أن تُكتب الدساتير ، وقبل أن تُرسم الحدود ، وقبل أن تظهر الجيوش والمحاكم ، كانت الأسرة هي المؤسسة الأولى التىّ تعلم فيها الإنسان معنى القيادة والطاعة ، والحق والواجب ، والحرية وحدودها ، ولهذا فإن فهم الدولة لا يبدأ من السياسة ، بل من المنزل ؛ لأن العائلة كانت أول عقد اجتماعي عرفته البشرية ، ومنها خرجت جميع العقود اللاحقة ، ومن هنا تنشأ واحدة من أكثر المفارقات إثارة في السلوك الإنساني ؛ فالإنسان الذي يرفض فكرة السيادة عندما تُطرح في المجال السياسي ، هو نفسه الذي يطالب بها داخل أسرته ، يريد في بيته مرجعية نهائية تحسم النزاعات وتحمي النظام ، لكنه يتردد في الاعتراف بأن المجتمع ، وهو ليس سوى امتداد للعائلة ، يحتاج إلى المرجعية نفسها ، إنه يقبل السلطة عندما تكون في خدمته المباشرة ، لكنه يشكك فيها عندما تصبح مسؤولية عامة ، غير أن هذا التناقض لا ينشأ من رفض الإنسان للسلطة في ذاتها ، بل من الخلط بين مفهومين مختلفين : السيادة والاستبداد ، فالسيادة ليست حكمًا مطلقًا ، وإنما هي وجود مرجعية عليا تمنع تضارب الإرادات ، وتحول دون انزلاق الجماعة إلى الفوضى ، أما الاستبداد فهو انحراف السيادة عندما تتحرر من القيود التىّ أنشأتها ، فتتحول من وسيلة لحماية المجتمع إلى أداة للهيمنة عليه .
ولهذا لم تنشأ العائلة على أساس القوة ، كما لم تنشأ الدولة على أساس الإكراه وحده ، بل على أساس التنازل المتبادل. فعقد الزواج ، في جوهره ، ليس إعلانًا عن الحب فحسب ، بل إعلان عن قبول طرفين التخلي عن جزء من استقلالهما الفردي لإنشاء كيان جديد يضمن الأمن والاستقرار والاستمرار ، وما يفعله الزوجان داخل الأسرة ، يفعله المواطنون لاحقًا داخل الدولة ؛ إذ يتنازل الجميع عن جزء من حرياتهم الطبيعية مقابل قيام سلطة تتولى حماية الأرواح ، وصيانة الحقوق ، وحفظ النظام العام ، ومن هذا المنطلق ، لا تبدو الدولة اختراعًا منفصلًا عن المجتمع ، بل استمرارًا طبيعيًا للعائلة ، وإذا كانت الأسرة هي الخلية الأولى للحياة الاجتماعية ، فإن الدولة ليست سوى تنظيم أكثر تعقيدًا للمبادئ ذاتها ، ولهذا فإن المجتمعات التىّ تفشل في إنتاج عقد اجتماعي متوازن ، تعيد إنتاج أزماتها الأسرية في المجال السياسي ، كما أن الأسر التىّ تقوم على الاستبداد أو الفوضى تزرع في أفرادها التصورات نفسها عن السلطة عندما يصبحون مواطنين ، ولعل هذا ما يفسر أن انهيار الدول لا يبدأ عادة من الحدود ، بل من الداخل ؛ من اللحظة التىّ تفقد فيها السلطة شرعيتها ، أو يفقد المجتمع ثقته بالعقد الذي يجمعه ، عندئذٍ تتحول الهويات الصغيرة إلى بدائل عن الهوية الوطنية ، ويصبح الانتماء للعشيرة أو الطائفة أو الجماعة أقوى من الانتماء للدولة ، فتبدأ عملية التفكك من القاعدة نفسها التىّ بدأت منها عملية البناء .
هناك مرحلةٌ يغفل عنها الأب ، وهي لحظة انتقال سيادة مملكته من الفردية إلى الشراكة الثنائية ، ثم إلى طغيان الكثرة ، فالطلاق، في كثير من الأحيان ، ليس مجرد حدثٍ عابر ، بل يشبه منعطفًا تاريخيًا تتكاثر فيه الانقلابات الكبرى ؛ إذ لا ينشأ عن تغيرات ظاهرية فحسب ، وإنما عن تحولٍ عميق في وعي الطرفين ورؤيتهما للحياة ، ذلك أن السيادة الجاهلة ، بما تمتلكه من نفوذٍ تدميري يشبه «العوامل الجيولوجية»، قادرة على تقويض أي كيانٍ سيادي ، سواء أكان أسرةً أم حضارةً ، فهي لا تهدم البناء من الخارج ، بل تُضعف أسسه من الداخل حتى ينهار تحت وطأة تناقضاته ، وعندئذٍ ينتشر اللاوعي الجمعي بين الناس ، فيغدو المحرك الخفي للسلوك والقرارات ، بينما تتراجع قدرة العقل الواعي على توجيه المسار ، وفي مثل هذه الظروف ، يعجز الأفراد والأنظمة عن تشييد حضارة جديدة ؛ لأن البناء يحتاج إلى عقلٍ معماري يمتلك رؤيةً ونظامًا ، في حين لا يمتلك المجتمع ، في لحظات الانهيار ، سوى أدوات الهدم .

وقد أدرك غوستاف لوبون أن الجماهير ، عندما تفقد الفكرة الجامعة ، لا تتحرك وفق العقل ، بل وفق الانفعال ، فهي لا تهدم المؤسسات لأنها تكره البناء ، وإنما لأنها لم تعد تؤمن بالأسس التىّ يقوم عليها ، ولذلك فإن أخطر ما يصيب الحضارات ليس ضعف الاقتصاد أو تراجع القوة العسكرية ، بل انهيار الإيمان بالعقد الاجتماعي الذي يمنح السلطة مشروعيتها ، ويجعل الطاعة فعلًا عقلانيًا لا خضوعًا أعمى …والسلام  

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *