انهزام الوطن على يد الغلبة الغالبة الدينية والعنصرية العرقية….
هناك من يقول بأن العرب أو عرب الجزيرة ورثوا الهلال الخصيب, الذي هو سوريا الكبرى او المكون الرئيسي لبلاد الشام ,واهل بلاد الشام اقرباء ومن نفس العرق البدوي ,لذلك يحق لعرب الجزيرة وراثة بلاد الشام بعد فتحها فتحا مبينا ,قيل حرروها وحضروها , وهي الآن تقود التحضر في العالم كما ترون !!!!!.
لم يكن هناك مايعرف بالهلال الخصيب , هذه التسمية تخص عالم الآثار الأمريكي جيمس هنري برستد , والتسمية ليست المشكلة , المشكلة تتعلق بمفهوم الارث , فالارث هو بقية الشيئ بعد موت مالكه ,وذلك لأقربائه , هذه المواصفات لاتنطبق على وراثة عرب الجزيرة للهلال الخصيب أو بلاد الشام , فعندما أتى عرب الجزيرة قبل مايقارب ١٤٤٠ سنة لم تكن بلاد الشام ميتة بشريا , لم يتعامل عرب الجزيرة مع بلاد الشام وأهل بلاد الشام كورثة وأقرباء , انما كأعداء , يجب فتح بلادهم وتقتيل عشرات الألوف منهم كما دلت على ذلك قصة النهر الأحمر وغيرها ,لا يحق للبدو أصلا وراثة بلاد الشام , لأن أهل بلاد الشام كانوا في ذلك الوقت على قيد الحياة .
جاء عرب الجزيرة الى بلام الشام بالسيف ,واحتلوا بلاد الشام بالسيف , وحكموا بلاد الشام بالسيف وغيروا عقول وانتماء أهل بلاد الشام بالسيف أيضا ,كان احتلالهم تملكيا سموه غزوة باللغة البدوية , فالبدو لم يمارسوا في حياتهم سوى الغزو , وسمي فتح من قبل الدين , وذلك لاضفاء شيئا من القدسية والجبرية على الاحتلال , الله أمر بنشر الرسالة لذلك كان الفتح ضروري , والفتح المتضمن للتملك والقدسية ضرورة الهية في اطار الجهاد في سبيل الله , الله أمر بتغيير ديانة أهل بلاد الشام انطلاقا من اعتبار الاسلام دين الله , والله أراد أن يتحول المسيحي في بلاد الشام الى مسلم او يدفع الجزية أو يقاتل, هكذا كان الأمر, واذا كان ذلك نهبا واستعمارا , فالله هو الناهب القاتل المستعمر المستبد .
لم يكن البدو العرب سوى عزاة على الأقل حسب تعريفهم وتسميتهم لعمليتهم , لقد كانت “غزوة”, وللغزو في الجزيرة العربية مدلولات تتسم بالانقضاض على الشيئ عنوة ثم سلبه واعتباره ملكا له , انه مفهوم غنائم الحرب الشنيع ومفهوم الحق البدوي المنحط , والأشنع من ذلك كان مفهوم التحرير , فقد حرر عرب الجزيرة بلاد الشام من المحتل الفارسي -الروماني , الا أن عرب الجزيرة لم يرحلوا بعد “تحريرهم” لبلاد الشام !! , انما بقوا بسيفهم المسلط على رقاب الناس الف سنة وبعدهم اتى العثمانيون وبقوا ٤٠٠ سنة , الحلفاء حرروا بالفعل بلاد الشام من الاستعمار العثماني , ورحلوا بعد فترة قصيرة نسبيا , ولو لم يرحلوا لكان من المنطقي اعتبارهم محتلين وفاتحين وارثين ومتملكين , وبادعائهم تحرير البلاد منافقين , فاستبدال استعمار بآخر ليس تحريرا , كمنت الكارثة الأعظم في كون الاستعمار القريشي ومن بعدة العثماني استغلالي بامتياز , وطوال القرون الأربع عشر لم تؤسس مدرسة واحدة ولم تحفر قناة ري ولم يشاد اي بناء حضاري ,القرون كان قرون الجمود المطلق والاخضاع المطلق.
كل احتلال مرفوض , وكون الاستعمار أحيانا كالقدر , الذي لايترك لشعب المستعمرة سوى الخيار بين مستعمر وآخر , لذلك لو طلب من الانسان السوري أن يختار بين الاحتلال العربي -العثماني وبين الانتداب الفرنسي , فسيكون خياره للانتداب الفرنسي , الذي تميز بالعديد من الايجابيات النسبية مقارنة باحتلال الخلافة والسلطنة لبلاد الشام .
تغير الموقف وتغيرت النظرة بخصوص الاحتلال أو الانتداب الفرنسي , هناك الآن من يأسف لرحيل فرنسا , فما قام به الانتداب من انجازات ايجابية الى جانب السلبيات خلال ٢٥ سنة لايقارن بما قامت به الخلافة والسلطنة خلال ١٤٤٠ سنة!.
من يسكن الآن بلاد الشام المكونة من كيانات أو دولا تأسست في القرن الماضي , هم شعوب بلاد الشام بغض النظر عن أصلهم وفصلهم , ففي اطار الدولة هناك المجتمع السوري أو العراقي ..الخ, وفي كل مجتمع من هذه المجتمعات هناك شعوب متعددة محتضنة من قبل الدولة التي سميت الدولة السورية أو الدولة العراقية , وفي هذه الدولة السورية لاوجود لما يسمى مكون أساسي , فالاعتراف بمكون أساسي يتلازم حتما مع وجود مكون غير أساسي أو ثانوي , وما هو تعريف حالة المجتمع في دولة يعيش بها مواطن أساسي الى جانب مواطن ثانوي أو غير أساسي ؟؟؟انها العنصرية التي لايمكن لها الا أن تدمر الدولة المصابة بتلك العنصرية , فعلا تدمرت هذه الدول على يد العنصرية الدينية التي تقول بغلبة المؤمنين , والقومية التي تقول بغلبة العنصر العربي.
اندثار هذه الدول أو مشاريع الدول كان حتمي لعدة أسباب , منها مفهوم الغلبة أي الهيمنة المشرعنة عدديا , فمفهوم الدولة الحديث لايستقيم الا مع مفهوم المواطنة , ولا وجود لمفهوم المواطنة في ظل مفهوم الغلبة القديم والأقدم من مفهوم الدولة , لايقتصر مدلول مفهوم الغلبة الدينية أو القومية على العامل العددي الرقمي , فأهم مايتضمنه هذا المفهوم هو شرعنة الهيمنة سياسيا , بوسائل غير سياسية , فالدولة هي كيان ومشروع سياسي , والأكثرية المذهبية ليست أكثرية سياسية ,كما أن الأكثرية العرقية ليست أكثرية سياسية .
تتمثل الاشكالية باختصار بمحاولة تأسيس دولا بوسائل بدوية قبلية عشائرية , والنتيجة كانت تحول هذه الدول المتواجدة في طور التأسيس الى قبائل وعشائر تناسب الوضع الحالي مع المقدرات المتوفرة ومع الطور الحضاري .
يبدو وكأنه لامقدرة لهذه الشعوب على ممارسة المواطنة في اطار الوطن -الدولة , مع منظومة القبيلة وزعامتها التوريثية تتواجد الشعوب في حالة طاعة مطلقة حسب مفهوم “أطيعوني”, شعوب وقفت في الصراع بين القبيلة والدولة الى جانب القبيلة , وبالتالي فشلت عملية الانتقال الى الدولة ,والغي مفهوم المواطنة , الذي استبدل بمفهوم التبعية أو الرعية ,لم تتمكن الشعوب من الانتقال من الرعية الى مفهوم المواطنة ,ومن مفهوم المكرمات الى مفهوم العيش من الانتاج, اي من مفهوم الحق الممنوح الى مفهوم الحق المكتسب , لقد سمح للقبيلة أن تبتلع الدولة وتخضعها لقيمها ومفاهيمعها ومعاييرها من الولاء القبلي المفرط ثم الجمود الفكري والنفور من القانون والضدية للحداثة, ولماذا عندئذ العجب من اندثار تلك الكيانات المسماة دولا !!!!.
Post Views: 4