المسؤول عن الوحدة الوطنية في سورية

  

 ماجد حمدون :   
كاريكاتير عن محاولة إثارة النعرات الشرائحية في الجسد الواحد ـ الوحدة الوطنية  | صحيفة مراسلون       الوحدة الوطنية في بلدنا تعني اتفاق الجماعات السورية المتعددة – اللغوية والدينية والطائفية والمذهبية – حول القيم العليا التي تلعب دوراً جوهرياَ في صياغة الهوية الثقافية والانتماء إلى جماعة أكبر من أي جماعة جزئية والبعد عن تسييسها ، كما أحقية النظام السياسي الممثل لعموم المواطنين في الممارسة السياسية على الجماعة الوطنية كلها ، والأخذ بالوسيلة الطوعية لتحقيق الوحدة الوطنية باعتبارها الأكثر استقراراً من الوسيلة الإكراهية . كما تعد قضية الوحدة الوطنية من أكبر التحديات التي تواجه المجتمع السوري منذ تأسيس الدولة السورية منذ أكثر من مائة عام ، منها توجهات العهد الأسدي الطائفي في القضاء عليها باعتماده على بعض مكونات المجتمع السوري وتهميش بعضها الآخر ، وإخافة كل جماعة من الجماعات الأخرى للبقاء في سدة الحكم ، وحال سقوط النظام بدأ موضوع الوحدة الوطنية يطرح نفسه على السوريين من جديد ، مع مارافق ذلك من انهيار لمؤسسات الدولة الأمر الذي أتاح الفرصة أمام جماعات الأكثريات والأقليات للتعبير عن نفسها ومطالبها وتصوراتها المختلفة لبناء دولة سورية جديدة .
وفي سورية هناك العديد من الجهات المسؤولة عن تمتين عرى الوحدة الوطنية بين الجماعات الوطنية . وفي المقدمة منها النظام السياسي الحاكم ، لأن طبيعة النظام السياسي وسياساته تلعب الدور الإيجابي الأبرز في توفيرها لمناخ توافقي والحفاظ على تعايش سلمي بين مكونات المجتمع وتمثيله لقيم ومصالح وهويات الجميع وتلبية حاجاتهم وتطلعاتهم والحصول على رضاهم الذي هو أساس الشرعية السياسية ، وهذا لايمكن له أن يتحقق إلا من خلال انطلاق سياسات النظام السياسي من مفهوم الدولة للجميع وبالجميع ، ويظهر ذلك جلياً من خلال وظائفها وأدوارها المختلفة وفتح أبواب مؤسساتها وهياكلها ومناصبها لكافة مكونات المجتمع دون تمييز ، وبهذا يكون النظام السياسي قد قطع شوطا كبيراً في خلق الشعور بالإنصاف والعدالة بين مواطنيه ، وعلى قاعدة أخذه باحترام الأقليات وتمثيلها والتزامه بخيارات الأغلبية والانصياع للإرادة العامة التي تمثل جوهر أي نظام ديموقراطي بعيداً عن المحاصصات المفككة للوطن ، وهذا لايتحقق إلا عبر الالتزام بمبدأ الشراكة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الجميع بغض النظر عن اللغة والدين والطائفة والمذهب والمكانة الاجتماعية باستثناء من أجرموا بحق السوريين .
والجدير بالذكر أن النظام السياسي السوري الحاكم ليس المسؤول الوحيد عن بناء الوحدة الوطنية بين السوريين ؛ وإنما من مسؤولية الشعب بكافة جماعاته اللغوية والدينية والطائفية والمذهبية وقواه السياسية بدورها الايجابي في تحقيق التماسك الداخلي من خلال قبول المكونات لبعضها البعض وتأسيس نمط العلاقات على قاعدة التعايش والتسامح والتعددية والشراكة الوطنية القائمة على الوفاق والثقة المتبادلة بغية إيجاد مناخ ثقافي ونفسي وبيئة اجتماعية ووطنية تسمو فوق إكراهات الماضي ، وما تختزنه الذاكرة التاريخية لأي مكون تجاه مكون آخر ، وضرورة تجاوز استقطابات الماضي والشكوك المتبادلة . وهنا يكون الحوار هو وسيلة الوحدة الوطنية لإضفائه الشرعية على الأطراف الوطنية المتحاورة والاعتراف بوجودها ، ويكون الحوار مبدأ ووسيلة في معالجة المشكلات بين الأطراف الوطنية وتفعيله الحراك السياسي والاجتماعي ، ومن خلال الحوار أيضا يمكن التعرف على القواسم المشتركة وتثبيت قيم العيش المشترك ، فالحوار الوطني هو البديل الأمثل للعنف والإكراه .
كذلك من مقومات الوحدة الوطنية الحرية وارتباطها بالعدالة ، حيث العدل يولد الحرية والتسامح ودون الحرية ليس هناك ديموقراطية ، ومن هنا كان للمواطن السوري الحق في مواجهة نظامه السياسي الحاكم وخياره في وضع أسس نظام سياسي ديموقراطي كما امتلك الحق في مقاومة الاحتلال الخارجي والطغيان الأسدي الداخلي قبيل التحرير .
ومن مقومات الوحدة الوطنية أيضا ضرورة احترام الثقافة الوطنية الرئيسية للدولة التي تتضمن المعتقدات والأعراف والعادات والفنون والطقوس والخصوصيات والتي هي حصيلة الثقافات الفرعية المتفق عليها بين الجماعات السورية المتعددة ، كما ضرورة وعي أن وجود ثقافات فرعية لغوية ودينية وطائفية ومذهبية متعددة ضمن الثقافة الوطنية الجامعة وهذا لاينعكس سلبا على تماسك الجماعة الوطنية ولايقوض وحدتها الوطنية خاصة عندما يتبنى النظام السياسي الحاكم سياسة واحدة يتم تعميمها على جميع مواطنيه مع المحافظة على الخصوصيات الفرعية .
والوحدة الوطنية الحقيقية لاتبنى من خلال فوهات البنادق لأن الدولة هي الرباط الذي يربط بين جماعات المجتمع السوري التي تدين جميعها بالولاء للدولة باستثناء سلاح الميليشيات الخارجة عن سلطة القانون ، كما ليس هناك من انتقال ديموقراطي دون هوية وطنية جامعة تحدد وجود علاقة تداخلية بين الديموقراطية والوحدة الوطنية . وعليه لاديموقراطية دون وحدة وطنية ولا وحدة وطنية دون ديموقراطية ولا انفكاك بينهما ، مع تبني خيار الديموقراطية الوطنية التي ترفض المحاصصات وتركز على المشاركة الشعبية الواسعة باعتبارها الحل الأمثل لبناء دولة سورية جديدة ذات أسس متينة .
في الختام : إن إضعاف المواطنة السورية التي هي المساواة في الحقوق والواجبات كانت الجريمة المستمرة للنظام الأسدي طوال عقود ، وهي التي دفعت المواطن السوري للإحتماء بالهويات الجزئية على حساب الهوية الوطنية الجامعة .
* تبقى الوحدة الوطنية في المجتمع السوري المطلب الرئيس للسوريين ، والذي يقاس على ضوئه مدى انسجام المجتمع وتقدمه وقدرته على تحقيق حالة الوفاق بين جماعاته المتعددة .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *