يوهان فولفغانغ فون غوته وأنطون سعاده: مقارنة بين فيلسوف الطبيعة وفيلسوف الأمة

سعادة عبد الرحيم :
هل تستطيع الفلسفة أن تشفي الإنسان من أمراضه الوجدانية؟ | اندبندنت عربية   يوهان فولفغانغ فون غوته: التعريف وفلسفة الطبيعة
تعريف واسع بغوته
يوهان فولفغانغ فون غوته (1749-1832) هو شاعرٌ ألمانيٌّ وموسوعيُّ المعرفة، يُعدّ من أعظم مفكّري الأدب الغربي، بل إنّ تأثيره في ألمانيا لا يضاهيه سوى تأثير مارتن لوثر.
وُلِد في فرانكفورت عام 1749، وتلقّى تعليماً مبكراً شمل اليونانية واللاتينية والفرنسية والإيطالية، ثم درس القانون في لايبزيغ. لكنّ شغفه الحقيقي كان يتّجه إلى الأدب والفنون والعلوم.
انتقل غوته إلى فايمار عام 1775 بدعوة من الدوق كارل أوغست، حيث أمضى معظم حياته وأصبح مستشاراً مقرّباً. هناك، انخرط في الإدارة والسياسة، وأدار مناجم الفضة، ودرس علم المعادن والنبات والتشريح.
تمتد إنجازاته عبر مجالات متعددة: فهو شاعر غنائي ومسرحي (أشهر أعماله فاوست وآلام فيرتر)، وعالم طبيعة وضع نظرية في الألوان تحدّت نيوتن، وفيلسوفاً وناقداً أدبياً. لم يقتصر عبقريته على الأدب، بل جمع في شخصيته حقول الآداب والعلوم والفنون.
الخطوط العريضة لفلسفة غوته
يُصعِّب غوته على من يريد تصنيفه ضمن الفلاسفة، إذ رفض الفلسفة المدرسية بوصفها غامضة ومنفصلة عن الحياة، وتجنّب الانخراط في جدالات كانط وهيغل.
فلسفته ليست نظاماً جامداً، بل هي فلسفة العيش والتحوّل، التي انبثقت مباشرةً من تجربته الحياتية، وكتاباته الشعرية، وملاحظاته العلمية. فيما يلي ملامحها الأساسية:
1. الأنطولوجيا العضوية (الوجودية):
يرى غوته أن الطبيعة كائن حيّ ومتحوّل، وليست آلة جامدة.
يقول في هذا الصدد: “أعلى ما نناله من الله والطبيعة هو الحياة، حركة الوحدة (موناس) الدورانية حول نفسها، التي لا تعرف توقفاً ولا راحة؛ والدافع إلى حماية الحياة ورعايتها مغروس في كل كائن بشكل لا يُفنى” (Maximen und Reflexionen, Aus den Heften »Zur Morphologie«).
وهو يرفض التصنيف الجامد لأن الكائنات تتغيّر بفعل قوانين داخليّة.
2. علم التشكل (المورفولوجيا) البيولوجي:
ابتكر غوته منهجاً علمياً جديداً يدرس أنماط التحوّل المستمرّة في الطبيعة، متتبعاً تطور “النبات البدئي” (Urphänomen) من بذرة إلى ساق وأوراق وأزهار.
عرّف هذا العلم بأنه “تعليم الشكل والتكوين والتحوّل في الأجسام العضوية” (die Lehre von der Gestalt, der Bildung und Umbildung der organischen Körper).
3. مبدأ القطبية (Polarität) والتكثيف (Steigerung):
يرى غوته أن الحياة تقوم على توتر خلّاق بين قوى متضادة، واصفاً إياهما بأنهما “العجلتان المحرّكتان العظيمتان لكل الطبيعة” (Erläuterungen zu dem aphoristischen Aufsatz ‘Die Natur’).
هذه القطبية عنده وجودية أبدية، تعكس تناغماً مستمراً في نسيج الكون.
4. وحدة المادة والروح:
يقول غوته: “المادة لا يمكن أن توجد بدون روح، والروح لا يمكن أن توجد بدون مادة” (Natürliche Schöpfungsgeschichte لهيكل نقلاً عن غوته)، رافضاً بذلك الفصل الثنائي المطلق بين الجوهرين.
هذه الوحدة عنده حقيقة كونية أزلية، قائمة منذ الأزل ومستمرة إلى الأبد، وهي رؤية تأملية تعكس نظرة شاعرٍ إلى الكون، لا استقراءً علمياً للواقع.
5. وحدة الإنسان والطبيعة:
يؤمن غوته بأنّ الواقع ليس غريباً عنّا، بل نحن جزء منه.
يقول: “إنه لمهمة ممتعة أن نستكشف الطبيعة وأنفسنا معاً، من دون أن نعنف لا هي ولا روحنا، بل نعمل على تحقيق التوازن بينهما بتأثير متبادل لطيف” (Maximen und Reflexionen, Über Natur und Naturwissenschaft).
أنطون سعاده: التعريف وفلسفة القومية الاجتماعية
تعريف واسع بأنطون سعاده
أنطون سعاده (1904-1949) هو مفكّر قومي وسياسي سوري/لبناني، ومؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1932.
وُلِد في بلدة الشوير في جبل لبنان، ونشأ في كنف والده الدكتور خليل سعادة. هاجر صغيراً إلى الولايات المتحدة ثم البرازيل، حيث تلقّى علومه على يد والده ودرس سبعة لغات إضافة إلى لغته العربية.
عاد سعاده إلى لبنان وأسّس حزبه الذي تبنّى فكرة “الأمة السورية” التي تشمل بلاد الشام والعراق. تصدّى للانتداب الفرنسي، وسُجن مرّات عدة.
وعندما ذهب لتفقد المغتربات، ألغت فرنسا جواز سفره واتهمته بالعمالة لألمانيا، فسجن في البرازيل لأشهر واضطر للبقاء في الأرجنتين لمدة تسع سنوات.
وعند عودته إلى وطنه، لوحق لوجود حكم بحقه من الانتداب الفرنسي، وبعدها أعلن ثورته القومية الاجتماعية الأولى، وتم اعتقاله.
أُعدِم في 8 يوليو/تموز 1949، إثر محاكمة عسكرية لا تزال شديدة الجدل حتى اليوم.
جرت المحاكمة بسرعة قياسية واستثنائية، واتسمت بالسرية التامة، واتهم فيها بتهمة “الخيانة وإحداث الفتنة”.
وقد وصفتها المصادر، ومنها كتاب “Outright Assassination” الصادر عن دار نشر أكاديمية، بأنها كانت أقصر وأسرع محاكمة لمعارض سياسي، وأن الأدلة كانت ملفقة والقانون طُبّق بشكل متعسف، بل إن بعض المحللين يعتبرونها “اغتيالاً سياسياً بحكم قضائي”.
يوصف فكره بأنه مشروع نهضوي يهدف إلى نقل المجتمع من التخلّف نحو الحداثة.
لم يكتب سعاده فلسفته بشكل أكاديمي مدرسي، بل جاءت كتاباته موزّعة في خطاباته ومحاضراته ونصوصه الحزبية، مستمدّةً من تجربته السياسية والتنظيمية، وقدوته الشخصية التي جسّدها في حياته ومواجهته للموت، وقيادته لحركة وطنية، مما جعل فلسفته تطبيقية وموجهة لقيام النهضة.
على الرغم من انشغاله السياسي، كان لسعاده حضور في الأدب (قصتاه عيد سيدة صيدنايا وفاجعة حب، وكتابه الصراع الفكري في الأدب السوري)، كما كان متعلقاً بالموسيقى وله رأي فيها مسجّل في قصته فاجعة حب.
الخطوط العريضة لفلسفة سعاده
فلسفة سعاده، التي أطلق عليها “الفلسفة القومية الاجتماعية” أو “المدرحية” (Material Spiritualism)، هي فلسفة اجتماعية شاملة تدرس نشأة الإنسان ومناحي تطوره.
يقول سعاده في مقدمة “نشوء الأمم”: “إنّ نشوء الأمم كتاب اجتماعيّ علميّ بحت تجنّبت فيه التّأويلات والاستنتاجات النّظريّة وسائر فروع الفلسفة، ما وجدت إلى ذلك سبيلاً”.
وهو بذلك يضع منهجاً علمياً لفهم المجتمع، بعيداً عن الميتافيزيقا.
1. الأمة ككيان حي متكامل:
يرى سعاده أن الأمة ليست مجرد تجمع سكاني، بل هي كيان حي له شخصيته ونفسيته.
يكتب في مقدمة “نشوء الأمم”: “إن الوجدان القومي هو أعظم ظاهرة اجتماعيّة في عصرنا… ظهور شخصيّة الجماعة أعظم حوادث التّطوّر البشريّ شأناً وأبعدها نتيجة وأكثرها دقةً ولطافةً وأشدّها تعقّداً، إذ إنّ هذه الشّخصيّة مركّب اجتماعي ـــــ اقتصاديّ ـــــ نفسانيّ”.
2. وحدة المادة والروح (المدرحية):
يرفض سعاده الصراع الثنائي بين الفلسفة المادية والفلسفة الروحية.
تقوم فلسفته المدرحية على تصوّر مغاير وجوهري: القومية في جوهرها شأن روحي، فهي الوجدان المشترك، والإرادة الجماعية، والشخصية القومية التي تنبثق من وعي الأمة بذاتها.
أما الدولة ومؤسساتها فهي التعبير الوجودي (الشكل) عن هذه الروح القومية، أي تجسيدها المادي في الواقع.
فالمادة (الدولة والمؤسسات) هي الشكل الذي تكتسيه الروح (القومية) لتعبر عن نفسها في التاريخ، والروح بدورها لا تستقيم ولا تبقى دون هذا الشكل المادي الذي يحميها ويمنحها الاستمرار والفاعلية.
وهكذا يتجاوز سعاده الثنائية المطلقة، مؤكداً تلازم المادة والروح تلازماً عضوياً، فالقومية بلا دولة هي فكرة مجرّدة عاجزة عن التحقق، والدولة بلا قومية هي جسد ميت خالٍ من الروح والمضمون.
غير أن هذا التلازم عنده مرتبط بالإنسان العاقل، فهو ظاهرة إنسانية تاريخية، بدأت مع ظهور الإنسان العاقل في أعماله، وستنتهي بانتهاء البشرية نفسها.
وهذه النظرة واقعية وعملية، لأنها تنطلق من الواقع الفعلي للإنسان، ولا تذهب إلى ما وراء الطبيعة.
3. الوضوح والمطلق:
يؤمن سعاده بأنّ الوضوح هو الحالة الطبيعيّة للعقل، وأنّ أيّ مطلق غير واضح هو مطلق وهمي.
يقول: “التعيين هو شرط الوضوح، والوضوح هو الحالة الطبيعية للذات المدركة الواعية الفاهمة. كلّ مطلق ليس واضحا هو نسبي… كلّ مطلق مبهم هو لا شيء. المطلق الذي هو شيء هو المطلق الواضح”.
هذا الوضوح هو ما ميّز مشروعه الفكري عن الفلسفات الميتافيزيقية الغامضة.
4. النهضة القومية (وتشكّل الأمة):
يرى سعاده أن النهضة تبدأ من المجتمع وتنتشر عمودياً لتشمل كلّ جوانب الحياة، وتنطوي على تغيير جذري في القيم.
يكتب في هذا السياق: “إنّ للنهضة القومية الإجتماعية مصطلحاتها التي يجب على كلّ إدارة معرفتها، أو توخي هذه المعرفة، والمحافظة عليها وتعميمها”.
وبموازاة “تشكل” النبات عند غوته، يرى سعاده أن للأمة علم تشكل خاصاً بها، حيث تتحوّل الجماعة البشرية الأولى إلى قبيلة، ثم مدينة دولة، ثم إمبراطورية.
ومن بذرة وعي الفرد بشخصيته وظهور الوجدان الفردي، ثم ظهور الوجدان القومي، الذي يصبح وعياً متجذّراً، ثم تتبلور الدولة القومية ومؤسساتها، لتولد في النهاية حضارة جديدة.
هدفعه الأسمى هو بعث الأمة السورية ونهضتها.
المقارنة بين غوته وسعاده
على الرغم من البُعد الزمني والمكاني والثقافي الشاسع بين غوته (ألمانيا، القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) وسعاده (لبنان، القرن العشرين)، يمكن استخلاص نقاط مقارنة جوهرية:
1. في مجال الاهتمام:
غوته موسوعي يهتم بالطبيعة والأدب والفن والعلم، بينما سعاده مفكر سياسي-اجتماعي يركز على بناء الأمة والدولة القومية.
الأول يبحث في قوانين الوجود والحياة، والثاني يبحث في قوانين الاجتماع البشري وسبل نهضة المجتمع.
2. في طبيعة الكتابة الفلسفية:
غوته رفض الفلسفة المدرسية وبنى فلسفته عبر الشعر والتجربة العلمية.
أما سعاده فلم يكتب فلسفته بشكل مدرسي منهجي، بل صاغها عبر خطاباته التنظيمية ونصوصه السياسية وقدوته، فجاءت فلسفته تطبيقية-حركية، لا تأملية-صوفية.
3. في رؤية الكلّ:
كلاهما يؤمن بالرؤية الكلّية (holistic).
غوته يرى الطبيعة ككائن متكامل متحوّل، وسعاده يرى الأمة ككيان متكامل له شخصية ونفسية.
لكن غوته ينظر إلى الطبيعة الكونية، بينما سعاده ينظر إلى الأمة التاريخية.
4. في مبدأ التشكل (المورفولوجيا):
غوته طوّر مورفولوجيا بيولوجية طبّقها على النبات والكائنات الحية، وعرّفها بأنها “تعليم الشكل والتكوين والتحوّل”.
بينما سعاده درس تطور الاجتماع الإنساني ومارس تشكيلاً قومياً يرى فيه الأمة تمرّ بمراحل تحوّل عضوية: من جنين الوعي إلى ولادة الدولة القومية، وكأنه طبّق منطق التحوّل الغوتهي على الكيان القومي.
5. في مبدأ التضاد والتكامل:
يتشابهان في رفض الثنائيات المطلقة، لكن جوهر “تكامل الأضداد” يختلف بينهما اختلافاً جوهرياً:
عند غوته: التضاد هو توتر خلاق أبدي (قطبية وجودية) يعيش في قلب الطبيعة والفن، وهو “في تجاذب وتنافر دائمين”، وحالة دائمة لا تهدف إلى زوال، بل إلى كمال التوازن.
عند سعاده: التضاد هو جدلية تاريخية بين قوى الحياة والموت في الأمة (النهضة مقابل الانحلال). و”تكامل الأضداد” عنده يعني أن الأمة لا تنهض بإلغاء طرف لصالح الآخر، بل بـ امتصاص وتجاوز التناقضات الاجتماعية والسياسية في بوتقة واحدة هي المجتمع، لتوليد وحدة قومية عليا.
إنه تكامل نهضوي-تاريخي يهدف إلى تجاوز مرحلة التمزق نحو الاكتمال السياسي.
باختصار: غوته يتحدث عن تناغم أبدي، وسعاده يتحدث عن توليفة نهضوية من أجل الخلاص
6. في مفهوم “الروح” وأزليته: بين النظري والواقعي:
يجمع غوته وسعاده على رفض الفصل الثنائي بين المادة والروح، لكنهما يختلفان اختلافاً جوهرياً في تحديد طبيعة هذه الوحدة ونطاقها الزمني:
غوته يرى تلازم المادة والروح حقيقة كونية أزلية، قائمة منذ الأزل ومستمرة إلى الأبد، لأن الروح عنده هي الحياة ذاتها والدافع التكويني الكامن في نسيج الوجود، وهي خاصية للطبيعة كلها، ولا تتوقف على وجود الإنسان أو غيابه.
لكن هذه الرؤية تبقى، في جوهرها، فلسفة نظرية تأملية، فهي تعبير عن رؤية شاعرٍ للكون، ولا تستند إلى استقراء علمي للواقع، ولا يمكن التحقق منها بتجربة تاريخية.
سعاده يرى تلازم المادة والروح ظاهرة إنسانية تاريخية، مرتبطة بظهور الإنسان العاقل، لأن “الروح” في فلسفته ليست كياناً ميتافيزيقياً، بل هي العقل الإنساني والوعي والإرادة.
وهذا التلازم بدأ مع بدء نشاط الإنسان العاقل في التاريخ، وسينتهي بانتهاء البشرية نفسها.
فلسفته، بهذا المعنى، فلسفة واقعية عملية، لأنها تنطلق من الواقع الفعلي للإنسان، وتتوقف على وجوده، ولا تذهب إلى افتراضات كونية غير قابلة للإثبات.
وهكذا، بينما يتقاربان شكلياً في رفض الثنائية، يفترقان جوهرياً في منطلقهما: غوته يؤسس لوحدة وجودية كونية أزلية (فلسفة تأملية)، وسعاده يؤسس لوحدة إنسانية تاريخية (فلسفة واقعية).
وهذا الفرق يفسر لماذا تبقى فلسفة غوته، مهما كانت جميلة، في دائرة الشعر والتأمل، بينما تتحول فلسفة سعاده إلى مشروع سياسي وتنظيمي ونهضوي فعلي.
7. في الموقف من الدين:
غوته يرى الطبيعة نفسها تعبيراً عن الإلهي (وحدة وجود).
بينما سعاده يفصل الدين عن مؤسسة الدولة، ويُبقيه ظاهرة اجتماعية وثقافية في المجتمع، واضعاً السياسة في دائرة العلم والعقل والمصلحة.
وقد أوضح سعاده في مقدمة “نشوء الأمم” أنه يكتب “كتاباً اجتماعيّاً علميّاً بحتاً”، مبتعداً عن التأويلات الدينية في تحليله للظواهر الاجتماعية.
8. في النظرية والتطبيق: جمال الفكرة مقابل خطأ التطبيق:
تتجلى الواقعية العملية لفلسفة سعاده في نقده للديمقراطية اليونانية، وهو نقد يعكس تماماً الفارق بين الفلسفة النظرية والفلسفة العملية.
فبينما يرى المفكر النظري (كغوته) جمال الفكرة في حد ذاتها، يرى سعاده أن هذا الجمال النظري قد يتحول إلى “خيال سخيف” عند تطبيقه على أرض الواقع.
يقول سعاده في “نشوء الأمم”: “إن العقل السوري العملي لم يكن يميل إلى تخيلات فاسدة من الوجهة العملية. ولذلك فهو قد اكتفى من التجربة الإغريقية للحكم الشعبي، بواسطة الشعب أجمع، بالمشاهدة. إنه لخيال بديع، في نظر غيري، وخيال سخيف في رأيي أن يكون كل فرد من أفراد المدينة المعترف بهم ‘شريكاً’ فعلياً في إدارة الدولة”.
وهذا النقد ليس مجرد رأي، بل هو تطبيق عملي لمبدأ الفصل بين الاجتماع والسياسة، وهو ما يميز “العقل السوري العملي” عن غيره.
فالمجتمع السوري، بحسب سعاده، “ظلت محافظة على الفرق بين السياسة والاجتماع واضحاً. وهذا الفرق هو ما مكَّن الدولة من اطراد تقدمها”.
فالدولة، عنده، مؤسسة لا يمكن أن تعرض لعبث الجمهور، لأنها تتطلب خبرة وتنظيماً يتجاوز القدرات الفردية.
وهكذا، نرى أن سعاده لا يكتفي بانتقاد الديمقراطية اليونانية، بل يقدم بديلاً عملياً قائماً على التمييز بين الاجتماع (المجال العام للشعب) والسياسة (فن إدارة الدولة).
وهذا التمييز هو ما جعل فلسفته واقعية، لأنها تنطلق من الواقع الفعلي، وتتجنب “التخيلات الفاسدة” التي لا تخدم نهضة الأمة.
9. في ظروف النشأة وأثرها في الإنتاج الفكري:
نشأ غوته في أسرة مستقرة ومجتمع ألماني متماسك، وعاش في كنف أمراء فايمار، فتوفرت له ظروف العمر الطويل (82 عاماً) والاستقرار النفسي والمادي، مما أتاح له إنتاجاً فلسفياً وأدبياً ضخماً امتد لعقود.
بينما عاش سعاده – كما رأينا سابقاً – حياة مضطربة وغير مستقرة، اتسمت بالهجرة القسرية، وفقدان الأب (بسبب الهجرة) والأم (بسبب الموت)، والاغتراب مرتين، والسجون والملاحقات، حتى أُعدم عام 1949 إثر محاكمة عسكرية مثيرة للجدل، كما أسلفنا.
هذا الاضطراب المستمر، إضافة إلى انشغاله ببناء حركة سياسية في مجتمع متفكك، جعل إنتاجه النظري محدوداً مقارنة بغوته، وجعل فلسفته ليست تأملية بقدر ما هي تطبيقية-حركية، تولدت من رحم المعاناة والحاجة إلى الخلاص، وتجسّدت في قدوته الشخصية أكثر مما تجسّدت في مؤلفاته.
10. في الأسلوب والتأثير:
غوته أثّر في الفكر الغربي عبر شعره وعلومه، وترك بصمة في فلسفة هيغل وشتغنشتاين.
أما سعاده فأثّر في الحركة القومية السورية، ولا سيما في بلاد الشام والعراق، عبر تأسيس حزب ومشروع سياسي نهضوي، لكن تأثيره في العالم العربي بقي ضعيفاً نسبياً.
وإذا كان غوته مفكراً كونياً تجاوز تأثيره حدوده الوطنية، فإن سعاده كان مفكراً قومياً ارتبط تأثيره بالسياق الشامي العراقي الذي عاش فيه وقاتل من أجله، مما يجعل المقارنة في هذا البند غير ممكنة على أسس متكافئة، لاختلاف طبيعة الحقلين والجمهورين.
الخلاصة
غوته وسعاده يمثّلان نموذجين مختلفين للمفكّر الموسوعي:
الأول فيلسوف الطبيعة والفن الذي يرى الكمال في التحوّل العضوي المتوازن والتوتر الخلاق الأبدي، في إطار نظري تأملي.
والثاني فيلسوف الأمة والنهضة الذي يرى الخلاص في إعادة بناء المجتمع على أسس قومية اجتماعية، عبر تجاوز التناقضات نحو الوحدة، في إطار واقعي عملي.
يجمعهما الإيمان بالرؤية الكلية ورفض الثنائيات المطلقة، لكن مسار كلّ منهما ووسائله تختلف باختلاف سياقه التاريخي وهموم عصره.
فبينما كان همّ غوته فهم سرّ الحياة والتحوّل، كان همّ سعاده إحياء أمةٍ مريضةٍ بفعل التجزئة والانحلال، فجاءت فلسفته أشدّ التصاقاً بالأرض والتاريخ، وأكثر طموحاً إلى الفعل التغييري، متخذةً من سيرة مؤسسها قدوةً تُعاش، لا مجرد نظريات تُقرأ.
وهكذا، تبقى فلسفة غوته جميلة كقصيدة، بينما تبقى فلسفة سعاده فعّالة كأداة نهضة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *