روح الشرق وجسد الغرب:التحولات الأوروبية بين إرث الأندلس واستقلال القرار الاستراتيجي

مروان صباح :
الغرب والشرق - توميتو كرتون      في يومٍ ما كتب الفيلسوف والروائي والشاعر اليوناني الكبير نيكوس كازانتزاكيس عبارته الشهيرة : «الشرق روح العالم ، والغرب جسده» ، وهي مقولة ارتبطت لاحقًا بالموسيقار والمناضل اليوناني ميكيس ثيودوراكيس الذي استحضرها مرارًا في حديثه عن هوية اليونان الموزعة بين الشرق الروحي والغرب المادي ، ولم تكن تلك العبارة مجرد تأمل فلسفي ، بل توصيفًا لعلاقة تاريخية عميقة بين حضارتين شكّل تفاعلهما مسار الإنسانية عبر قرون طويلة ، وقد امتدت تلك الروح شرقًا وغربًا ، حتى بلغت الأندلس التىّ تحولت إلى واحدة من أعظم التجارب الحضارية في التاريخ الأوروبي ، هناك نبضت الحياة في شرايين القارة العجوز ، وازدهرت العلوم والفنون والفلسفة ، قبل أن تنتقل آثارها إلى جسد أوروبي كان لا يزال يرزح تحت أثقال الانقسام والصراعات ، ولهذا بقيت الأندلس شاهدًا تاريخيًا يصعب على أوروبا تجاوزه أو محو أثره من ذاكرتها الجماعية .
ومن يتجول اليوم في مدن جنوب إسبانيا يلحظ مفارقات التاريخ التىّ لا تخطئها العين ، ففي مدينة لوشة الإسبانية ينتصب تمثال للقائد المسلم إبراهيم العطار ، أحد قادة جيش غرناطة ، الذي رفض الاستسلام عام 1492 وظل يقاتل مع نحو 100 مقاتل فقط في مواجهة عشرات الآلاف من جنود قشتالة ، والمفارقة اللافتة أن الإسبان ، رغم استفادتهم من انقسامات ملوك الطوائف وتحالف بعضهم معهم خلال مراحل سقوط الأندلس ، لم يخلدوا أولئك المتعاونين بتماثيل أو نصب تذكارية ، بينما احتفظوا بذكرى قائد مسلم قاومهم حتى اللحظة الأخيرة ، ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل أطلق عليه بعض المؤرخين المحليين لقب “إبراهيم الأسطورة”، وبقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الشعبية ، فيما يُعرض سيفه في متحف غرناطة، المدينة التىّ ما زالت تحتفظ بملامح الدولة الأندلسية وذكرياتها .
وفي سياق آخر ، اعتاد العالم إحياء ذكريات أحداث كبرى تركت أثرًا عميقًا في الوعي الإنساني ، مثل الهولوكوست وهجمات الحادي عشر من سبتمبر وغيرها من المحطات المفصلية ، غير أن بعض الأحداث الأخرى تبدو وكأنها أُقصيت من الذاكرة السياسية والإعلامية الدولية ، ومن أبرزها الهجوم الذي تعرضت له السفينة الأمريكية USS Liberty في ال8 من يونيو/حزيران 1967 أثناء حرب الأيام الستة ، والذي أسفر عن مقتل 34 أمريكيًا وإصابة 171 آخرين ، إضافة إلى أضرار جسيمة لحقت بالسفينة ، وعلى الرغم من الجدل الذي رافق التحقيقات والاتهامات المتبادلة بشأن طبيعة الحادث وأسبابه ، فإن القضية لم تحظَ بالحضور السياسي والإعلامي الذي نالته أحداث أخرى مشابهة ، وقد بقيت هذه الواقعة مثالًا على الكيفية التىّ تُدار بها الذاكرة السياسية في العلاقات الدولية ، حيث تُسلَّط الأضواء على بعض الملفات ، بينما تُترك أخرى في دائرة الصمت أو التهميش تبعًا لموازين القوى والمصالح والنفوذ ، بل لا أحد في الولايات المتحدة يكاد يأتي على ذكر الضحايا الأمريكيين ، وكأن من سقطوا على يد الإسرائيليين قد أُدرجوا في خانة النسيان ، بينما يُتعامل مع ضحايا آخرين بمعايير مختلفةً، وبالمثل ، يرى البعض أن ملف جيفري إبستين أُغلق قبل أن تُكشف جميع خيوطه ، وأن كثيرًا من ضحاياه من الأطفال والنساء لم ينالوا ما يستحقونه من عدالة ، كما أن قضية ضحايا السفينة الأمريكية USS Liberty ما تزال ، في نظر منتقدين ، مثالًا على ملفات لم تُحسم بما يرضي المطالبين بكشف كامل الحقائق .
وفي السنوات الأخيرة ، ومع التحولات المتسارعة في النظام الدولي ، بدأ المشهد الأوروبي يشهد مراجعات استراتيجية غير مسبوقة ، فالتراجع النسبي للحضور العسكري الأمريكي في أوروبا ، والانشغال الأمريكي المتزايد بمناطق صراع أخرى مثل ايران ، إلى جانب التوترات المرتبطة بأوكرانيا والقطب الشمالي وغرينلاند ، كلها عوامل دفعت العواصم الأوروبية إلى إعادة التفكير في منظومتها الأمنية والدفاعية ، لقد مثّلت أزمة غرينلاند ، بالنسبة لكثير من صناع القرار الأوروبيين ، جرس إنذار استراتيجيًا كشف حجم الاعتماد الأوروبي على المظلة الأمريكية ، ومن هنا بدأت تتبلور تصورات جديدة لبناء قدرات استخباراتية ولوجستية مستقلة ، وتعزيز شبكات الاتصالات الآمنة ، وتطوير آليات تخطيط وقيادة لا تعتمد كليًا على هياكل حلف شمال الأطلسي ، ورغم أن امتلاك بريطانيا لقدرات نووية يوفر عنصر ردع مهمًا داخل المنظومة الأوروبية ، فإن التحديات لا تزال قائمة ، خصوصًا في شمال أوروبا ومنطقة البلطيق ، حيث تواجه العديد من الدول نقصًا في التمويل والقدرات البحرية والقوات القادرة على الانتشار السريع ، كما أن بريطانيا نفسها ، على الرغم من مكانتها العسكرية ، تعاني ضغوطًا اقتصادية تحدّ من قدرتها على تحمل أعباء أمنية متزايدة ، في المقابل ، شرعت ألمانيا في تنفيذ تحول استراتيجي واسع النطاق من خلال رفع إنفاقها الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة ، في محاولة لتقليص الفجوة العسكرية داخل القارة ، كما اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تطوير آليات للتدخل المشترك يمكن أن تشكل بديلًا عمليًا في حال تعثر دور حلف الناتو أو تراجع التزام الولايات المتحدة تجاه الأمن الأوروبي ، فإن جوهر هذه التحولات لا يقتصر على البعد العسكري فحسب ، بل يمتد إلى البعد السياسي أيضًا ، فكلما ازدادت قدرة أوروبا على حماية نفسها ، ازدادت قدرتها على صياغة سياسات خارجية أكثر استقلالًا وأقل خضوعًا للاعتبارات الأمريكية ، وعند هذه النقطة تحديدًا ، قد تجد القارة نفسها أكثر تحررًا من التبعية السياسية التىّ حكمت كثيرًا من مواقفها خلال العقود الماضية ، بما في ذلك مقاربتها المزمنة للصراع العربي–الإسرائيلي والقضايا المرتبطة به .
وهكذا ، وبين ذاكرة الأندلس التىّ تذكر أوروبا بجذورها الحضارية المتعددة ، والتحولات الجيوسياسية التىّ تدفعها نحو استقلال استراتيجي متدرج ، تبدو القارة اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة ؛ لحظة تعيد فيها تعريف ذاتها ودورها وموقعها في عالم يتشكل من جديد .

لقد آن لأوروبا أن تختار بين أن تبقى ملحقًا استراتيجيًا في نظام دولي يتغير بسرعة ، أو أن تتحول إلى قطب مستقل يمتلك قراره ومصالحه الخاصة ، وبين هذين الخيارين ، قد يكون إرث الأندلس أكثر حضورًا في مستقبل القارة مما يعتقد كثيرون … والسلام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *